عمّار.. حين يصبح الوطن أقصر من حبل المشنقة

عمّار.. حين يصبح الوطن أقصر من حبل المشنقة

مات الطفل عمّار محمد علي.. وضع خاتمة بائسة لحياته الأكثر بؤسا.. حين لوى على رقبته حبل مشنقة أعدها في سطح منزله ومضى بعيدا بعيدا يبحث عن عالم خال من هذا القبح المتعاظم بعد أن أدرك أنَّ الإنسانية قُتلت.. وأن ثمّة وطن مشنوق يتمدّد جثمانه من الأفق إلى الأفق... فما الذي بقي إذن يغري بالمزيد من البقاء هنا؟

أتصوّر أنّه قضى الليلة السابقة يقلّب في هذه الفكرة المجنونة.. يحاول إبعادها فتقترب أكثر من رأسه الصغير.. وتبدو أمام ذهنه المكدود منفذا ضيقا ووحيدا للهروب من هذا العالم الأكثر ضيقا.

في رواية شنقه تضع الأخبار الواردة من تعز الجريحة سببا قد يبدو للوهلة الأولى أنه تافه.. فأن يشنق طفل نفسه بسبب أنه لا يمتلك بدلةً للعيد فهذا أمر يدعو للاستغراب.. لكن الحقيقة أنَّ عمار أقدم على ما أقدم عليه لأنه فضل الانسحاب من مواجهة العيد بنفس ممزقة، وبقلب مثقل بالوجع، وبطفولة أضاعت كل شيء ابتداء بالوطن مرورا ببدلة العيد، وانتهاء بالعيد نفسه..

حين يستقر في روع أطفالنا أن حبل المشنقة شجرة وارفة الظلال يهربون إليها من حرور الوطن ورمضائه فتلك كارثة مهولة مفزعة.. لأن مثل هذه الواقعة تشير بغيرما مواربة إلى بلوغ المأساة حدا يجعل من عالم الطفولة الواسع الرحيب أضيق من خرم إبرة، ويجعل من الحياة أمرا تافها لا تساوي قيمته بدلة.. مجرّد بدلة.. ويجعل من الموت وطنا بديلا يكفيهم مغبة الحرمان ومرارة الانتظار في العالم اليباب الذي يتناوب في إدارته مرسلو القذائف وسارقو الرغيف.

وعلى مدار أكثر من عامين ظلَّت الطفولة في تعز معرضا للموت.. ينتقي منه أينع الزهرات على مرأى ومسمع من عالم الألفية الثالثة، حتى أصبحت الذاكرة الجمعية مكتظة بجثث الأطفال، وأشلائهم متناثرة هنا وهناك يتعثّر بها جميع القتلة: القريبون والبعيدون، ولم ينبس أدعياء حقوق الإنسان حتى ببنت شفة احتجاجا على حمامات الدماء وحفلات الموت التي تقام بين حين وآخر.. وكأن أطفال هذه المدينة دُمى بلاستيكية تضخها الحاويات القادمة من البلاد البعيدة لا أشجار نبتت في تربة هذا الوطن وسقيت بمائه وتنفست هواءه حتى وهو ممتزج بالدخان والبارود.

 

عمّار مضى.. لكنه لم يشنق نفسه وإن أكّدت الروايات ذلك.. فثمّة قتلة بارزون وآخرون مستخفون.. وجميعهم أداروا واقعة الشنق باقتدار وجميعهم متلبسون بهذه الجريمة.

ومن هؤلاء أولئك القتلة الذين تحولوا إلى مكنات بلهاء لا تنتج غير الموت.. تعتلي التباب، وتستعرض فنونها القتالية في هدم المنازل على رؤوس ساكنيها، وقصف الأسواق، واغتيال الطفولة بحثا عن مجد زائف.

ومنهم أولئك المترفون الجالسون في المكاتب الوثيرة، والذين احتجزوا مرتبات الموظفين في هذه المدينة المذبوحة لما يزيد عن عام تحت مبررات واهية، وهم بذلك يطعنون الشرعية في الخاصرة.

ومنهم أولئك الذين أنستهم مباهج العيش في العواصم المختلفة جراحات أمّهم تعز، فصمتوا صمت القبور، وراحوا في موات عميق، وكأن الأمر لا يعنيهم.

ومنهم أولئك الأدعياء المزيّفون الآكلون السحت تحت مظلة حقوق الإنسان.. هؤلاء يرفعون عقيرتهم بالويل والثبور حين تنتهك الطفولة في أماكن الحديث عنها يرفع من أرصدتهم، ويصمتون حين يتعلق الأمر بأطفال تعز.. لأن ذلك أيضا يرفع من أرصدتهم، فهم تجار مبادئ، وسماسرة قيم، وأبواق كاذبة خاطئة.

ومنهم أولئك الفئران الذين طوّعت لهم أنفسهم سرقة أقوات الجوعى، والمئونات المقدمة لهم، وبيعها في الأسواق جهارا نهارا دون خوف من الله ولا حياء من الناس.. هؤلاء بالذات ألا يستشعرون أن البدلة التي كان يفترض أن يلبسها عمار يوم العيد هي من بين مسروقاتهم.

هؤلاء هم خيوط حبل ضفرته أزمة غياب الإنسانية ووضعته حول رقبة عمار المغدور في المدينة المغدورة في وطن مغدور.

المصدر| الصحوة نت

 

اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى