تشهد مناطق سيطرة مليشيا الحوثي موجة غلاء جديدة تزامنت مع فرض جبايات مالية إضافية على مختلف السلع، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار بصورة مفاجئة خلال الأسابيع الماضية وسط غياب أي إجراءات رقابية أو توضيحات رسمية حول أسباب هذه القفزة.
وتشير مصادر تجارية لـ"الصحوة نت" إلى أن المليشيا أقرت رسومًا جديدة تحت مبرر "إنشاء وإصلاح الأرصفة" في موانئ الحديدة، وهو إجراء انعكس مباشرة على قيمة السلع الغذائية والاستهلاكية، في وقت يواجه فيه المواطنون ظروفًا معيشية خانقة وغير مسبوقة منذ سنوات.
وترافق ذلك مع رفع مصلحتَي الجمارك والضرائب، التابعة للمليشيا، سعر الدولار الجمركي على بضائع مستوردة عبر ميناء عدن إلى مستويات تصل بين 300 و350 ريالًا، ما أدى إلى زيادة فورية في تكاليف الشحن والتحصيل وانعكس بزيادة تتراوح بين 10 و15٪ على أغلب السلع.
ويأتي هذا التصعيد الجبائي في وقت تحذر فيه تقارير دولية من تدهور الأمن الغذائي لملايين اليمنيين، وسط استمرار المليشيا في جمع الموارد الضخمة وتجاهل صرف المرتبات أو اتخاذ أي إجراءات تخفف من الأعباء الاقتصادية على السكان.
جبايات جديدة ترفع الأسعار
فرضت مليشيا الحوثي جبايات إضافية على التجار بمبرر "إصلاح أرصفة موانئ الحديدة"، ما أجبرهم على تحميل تلك الرسوم على المستهلك، لتشهد الأسواق خلال أيام معدودة ارتفاعًا جماعيًا في أسعار المواد الغذائية والزيوت والألبان والمنتجات البلاستيكية والأدوات الكهربائية وغيرها من السلع الأساسية.
وأكد تجار في صنعاء لـ"الصحوة نت" أن مليشيا الحوثي ألزمتهم بدفع مبالغ مضاعفة تحت بند تحسين الخدمات البحرية وإعادة بناء أرصفة الموانئ المدمرة بفعل الضربات الإسرائيلية، غير أن جزء كبير من المبالغ المحصلة استُخدِم لتغطية نفقات الفعاليات والنشاطات الحوثية.
وتزامن ذلك مع تعديل المليشيا لسعر الدولار الجمركي على السلع القادمة من ميناء عدن، ورفعه من 250 ريالًا إلى 350 ريالًا، في خطوة اعتبرها التجار استهدافًا مباشرًا لحركتهم التجارية في مناطق الشرعية وإجبارهم على نقل شحناتهم عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي.
وفي سياق متصل، قال المحلل الاقتصادي، وحيد الفودعي، إن الجبايات الحوثية الجديدة تحت مبرر إعادة تأهيل أرصفة موانئ الحديدة تشكّل حلقة إضافية في سياسة منهجية تهدف لفرض أعباء مالية جديدة على السوق والمواطنين رغم حالة الركود القائمة.
وأوضح الفودعي، في تصريحات خاصة لـ"الصحوة نت"، أن فرض رسوم إضافية ورفع الدولار الجمركي تسبّب في زيادة كبيرة بتكاليف الاستيراد، تراوحت بين 20 و35%، ما دفع التجار إلى تمرير الزيادة مباشرة للمستهلكين، خاصة في السلع الغذائية والدوائية ومواد البناء.
تهديد الأمن الغذائي
أدى استمرار فرض الجبايات الحوثية إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة مع ارتفاع معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، وانخفاض الطلب على كثير من السلع الأساسية في المدن والريف على حد سواء، ما خلق حالة ركود حادة في السوق المحلية.
وأكد الفودعي أن استمرار الجبايات الحالية يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي، لأنها ترفع أسعار المواد الأساسية إلى مستويات تفوق قدرة غالبية الأسر، وتدفع بعض التجار إلى تقليل الكميات المستوردة أو تأجيلها خوفًا من الخسائر.
ولفت إلى أن تقليص حجم المعروض وتراجع الشراء يفاقمان خطر اتساع دائرة الفقر الغذائي، خاصة في المناطق الأشد هشاشة اقتصاديًا، ما قد يؤدي إلى ارتفاع إضافي في معدلات انعدام الأمن الغذائي خلال الأشهر المقبلة.
في حين توقعت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) بقاء أكثر من 18 مليون يمني في حالة انعدام حاد للأمن الغذائي حتى فبراير 2026، مشيرة إلى أن نصف سكان مناطق الحوثيين يعتمدون على أعمال مؤقتة لا توفر دخلًا ثابتًا.
وتزامنت موجات الغلاء الأخيرة مع حملات اختطاف طالت عمال الإغاثة والعاملين في المجال الإنساني، ما أسهم في إعاقة قدرة المنظمات الدولية على تنفيذ برامجها، الأمر الذي يهدد بحدوث فجوات خطيرة في سلاسل التوزيع الغذائي في المناطق الأكثر هشاشة.
فساد مالي ضخم
تشير تقارير إعلامية إلى أن بعض الجهات الحوثية تجبي سنويًا أكثر من 1.6 تريليون ريال يمني، فيما تؤكد مصادر مصرفية أن الرقم الحقيقي قد يكون أعلى من ذلك بأضعاف، نتيجة التحصيل غير المعلن والرسوم المفروضة بقرارات داخلية لا تخضع لأي رقابة.
وتتنوع الجبايات الحوثية بين ضرائب وزكاة ومجهود حربي وخُمس ومساهمات إجبارية تذهب لقيادات ومشرفين، بالإضافة إلى رسوم مفروضة على النقل والمحال التجارية والأنشطة الاقتصادية، وجميعها تُجمع بطرق قسرية تخالف القوانين التجارية والضريبية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الرسوم تمثل شبكة مالية متكاملة تستحوذ من خلالها المليشيا على معظم الحركة التجارية، بينما تترك المواطنين يواجهون مصيرهم في ظل غياب الخدمات وارتفاع معدلات البطالة والفقر وتدهور القوة الشرائية.
ورغم هذه الإيرادات الضخمة، ترفض المليشيا للعام التاسع على التوالي صرف رواتب موظفي القطاع الحكومي، الذين يعيش معظمهم اليوم على مساعدات أقاربهم أو أعمال مؤقتة لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات، في واحدة من أطول أزمات الرواتب عالمياً.
إفقار ممنهج
تُعد السياسات الجبائية التي تفرضها المليشيا الحوثية عاملًا رئيسيًا في تفاقم أزمة الجوع، حيث أدت إلى زيادة تكاليف استيراد الغذاء وإضعاف الإنتاج المحلي وتدمير القطاع الخاص الذي يعاني من تضييق ممنهج وابتزاز مستمر.
وأشار المحلل الاقتصادي، وحيد الفودعي، إلى أن هذه الإجراءات تضرب استقرار السوق، إذ تأتي في وقت ترتفع فيه تكاليف النقل والشحن والتأمين، بينما تتراجع قدرة المواطنين الشرائية بشكل كبير نتيجة موجات الغلاء المتتالية.
كما حذّر من غياب أي سياسات نقدية أو مالية لدى مليشيا الحوثي من شأنها تخفيف الأزمة، مؤكدًا أن استمرار هذه الممارسات لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاختناق الاقتصادي وتدهور معيشة المواطنين.
في المقابل، تصر مليشيا الحوثي على سياسة الإفقار الممنهج، باستخدام الجبايات والغلاء كسلاح ضد السكان، ما يزيد من معاناتهم اليومية ويحوّل حياتهم إلى معركة من أجل البقاء، في وقت تتوافر للمليشيا موارد ضخمة تذهب لتمويل أنشطتها العسكرية والدعائية الطائفية.