تصعيد الحوثيين ضد المنظمات الإنسانية.. استراتيجية الابتزاز والسيطرة

تصعيد الحوثيين ضد المنظمات الإنسانية.. استراتيجية الابتزاز والسيطرة

يجسّد تصعيد مليشيات الحوثي الأخير ضد المنظمات الأممية والإغاثية فصلاً جديدًا في استراتيجية ممنهجة لتحويل المساعدات الإنسانية من شريان حياة للمدنيين إلى "خزينة حرب" ضخمة تموّل آلة القمع الحوثية.

 

يعيد هذا التصعيد تدوير نفس الاتهامات المتكررة للموظفين العاملين في هذه المنظمات بـ"التجسس لصالح دول معادية"، وهي اتهامات يراها العديد من المراقبين مجرد ذريعة لتحقيق هدف واضح المعالم: السيطرة المالية والابتزاز المنظم لموارد المساعدات التي تقدر بمليارات الدولارات.

ويتزامن هذا التصعيد مع تراجع التمويل الدولي، مما يكشف أن تلك الاتهامات ليست إلا وسيلة ضغط رخيصة لانتزاع التنازلات من المنظمات الدولية.

في هذا التقرير، نُميط اللثام عن الآلية الخفية التي تنتهجها مليشيات الحوثي لتوجيه العمل الإنساني بما يخدم مصالحها العسكرية والسياسية، عبر شبكة متشابكة من السيطرة والنهب والابتزاز، تجعل من المساعدات الإنسانية أداة لإدامة الحرب لا لإنهائها.

 

استخدام ورقة "التجسس" في اللحظات الحرجة

اعتاد الحوثيون استخدام ورقة "التجسس" في اللحظات التي يتقلص فيها التمويل الدولي لليمن؛ فكلما شعروا بأن الدعم الإنساني بدأ يتراجع، أعادوا تفعيل هذه التهمة الجاهزة لتخويف المنظمات وإجبارها على الخضوع لشروطهم.

لا يقتصر الهدف على فرض أجندات أمنية أو سياسية فحسب، بل يمتد إلى فرض "إتاوات" مالية أو تعديل اتفاقات التشغيل بما يضمن لهم الحصول على الحصة الأكبر من الموارد، أو حتى تحصيل مبالغ مالية مباشرة مقابل "حل الأزمات" والإفراج عن الموظفين المحتجزين.

وفي هذا السياق، يرى الباحث السياسي مصطفى الجبزي أن المنظمات الأممية بالنسبة للحوثيين هي "البيضة الذهبية"، مشيرًا إلى أن الجماعة تحرص على بقائها في مناطق نفوذها لأنها تمثل مصدرًا رئيسيًا للعملات الصعبة والدعم اللوجستي، فضلًا عن كونها وسيلة غير مباشرة لتبييض صورتها سياسيًا في الخارج.

ويضيف في منشور على حسابه بمنصة إكس، أن هذه المنظمات أصبحت الشريان الاقتصادي الوحيد الذي يمد الجماعة بالحياة وسط العزلة الدولية الخانقة.

 

أهداف مزدوجة: السيطرة والتمويل

بهذه الطريقة يحقق الحوثيون هدفين متلازمين؛ الأول السيطرة المطلقة على العمل الإنساني، والثاني تأمين مصدر تمويل دائم لأنشطتهم العسكرية والإدارية.

فعندما يحتجزون 59 موظفًا محليًا، بعضهم منذ عام 2021، فهذا يمثل ورقة مساومة تستخدمها المليشيات بلا تردد، وقد ساعدها على ذلك قبول الأمم المتحدة بسياسة الأمر الواقع، بتعيين نائب المبعوث الأممي، معين شريم، للتفاوض مع الحوثيين، وهو ما وصفه محللون بأنه سقوط في فخ الابتزاز الحوثي الساعي لانتزاع تنازلات مقابل انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان والقوانين الدولية.

 

اتهامات زائفة لتبرير السيطرة

 

لا تكف المليشيات الحوثية عن توظيف كل ما يدينها لتحقيق أهدافها، فالحديث عن "تقويض السيادة" من قبل المنظمات، يثير السخرية، ذلك أن هذه المليشيات هي نفسها من أطاح بالسيادة الوطنية حين نفذت انقلابها على السلطة الشرعية وأشعلت فتيل الحرب.

ومن وجهة نظر مراقبين، فالانقلاب كان الجريمة الأصلية التي دمّرت الاقتصاد ودفعت البلاد نحو أكبر أزمة إنسانية في تاريخها الحديث، وبالتالي فإن الاتهام الموجه للمنظمات ليس سوى قلب للحقائق وتبرير سافر لسياسة النهب والتغوّل، في ظل رؤية أيديولوجية تعتبر أن المجتمع المدني "يفسد الأخلاق" ويهدد بنية الجماعة الفكرية، وهو ما يبرر سعيها للسيطرة الكاملة على كل الأنشطة الإنسانية والإغاثية.

 

تأسيس "سكمشا" كأداة للنهب المنظم

 

ولتحقيق هذا الهدف، أنشأت المليشيات الحوثية في عام 2017 ما يسمى "المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية والتعاون الدولي (سكمشا)"، وهو كيان يمثل الذراع التنفيذية للنهب المنظّم.

هذا المجلس حوّل البيروقراطية إلى أداة ابتزاز خانقة، إذ فرض مئات القيود على عمل المنظمات، كما أكدت ليز غراندي، منسقة الأمم المتحدة السابقة.

منذ تأسيسه، أصبح هذا المجلس المتحكم الفعلي في مسار المساعدات، موجّهًا ما يقارب 75% من التمويل نحو مناطق سيطرة الحوثيين، ومتحكمًا في قوائم المستفيدين عبر ما يسمى "المستفيدين الأشباح"، لتمويل المقاتلين والموالين وفرض الشركاء المحليين المقرّبين من الجماعة.

ومن أبرز الأمثلة على التحكم التعسفي، رفض الحوثيين تطبيق اتفاق عام 2020 مع برنامج الأغذية العالمي لتنظيم المساعدات عبر نظام البصمة، لمواصلة نهب المساعدات، وتهديدهم بطرد البرنامج، إلى جانب فرض شروط قاسية ومذلة مقابل الإفراج عن موظفين أمميين محتجزين، تضمنت توظيف أشخاص تختارهم الجماعة وزيادة المساعدات للمناطق الخاضعة لسيطرتها.

 

الأرقام تكشف حجم النهب

منذ عام 2015 وحتى مايو 2024، بلغ إجمالي التمويل الإنساني لليمن حوالي 19 مليار دولار، حُوِّل حوالي 75% منه، أي ما يعادل 13.5 مليار دولار، إلى مناطق سيطرة الحوثيين.

وقد كشف تقرير حديث لمبادرة "استعادة الأموال المنهوبة"، أن مليشيا الحوثي استولت على نحو 9 مليارات دولار من هذه المساعدات، مستفيدة من الفساد المستشري عبر "سكمشا"، لتتحول المساعدات إلى وقود حرب بدلًا من غذاء للجائعين.

وتحت هذه الضغوط، اضطر برنامج الأغذية العالمي عام 2023 إلى تجميد التوزيع في شمال اليمن بعد اكتشافه تلاعبًا واسع شمل نحو خمسة ملايين "مستفيد وهمي" من أصل تسعة ملايين مدرجين في سجلات الحوثيين.

 

لم تقتصر السيطرة الحوثية على التوزيع، بل امتدت إلى التحكم الكامل في سلاسل الإمداد، فقد إلزمت المنظمات الدولية بعدم التعامل مع بنوك غير معتمدة، كما فرض إرسال جميع السفن إلى ميناء الحديدة لتأمين مكاسب مالية ضخمة من رسوم النقل والمناولة، وعند وصول الشحنات، يبدأ فصل آخر من التلاعب بقوائم المستفيدين وتوجيه المساعدات لمقاتلي الجماعة.

وقد وثّقت تقارير داخلية للأمم المتحدة مصادرة الغذاء لإطعام المقاتلين واستخدام المساعدات كوسيلة لتجنيد المدنيين.

 

التواطؤ الدولي يشجع الابتزاز

 

نشرت وكالة رويترز مؤخرا شهادات 12 موظفًا حاليًا وسابقًا في الأمم المتحدة تكشف عن حجم التواطؤ والصمت المُريب للمنظمات الدولية تجاه تجاوز الحوثيين الخطوط الحمراء، مما يجعل هذه المنظمات متواطئة عملياً في السرقة المنظمة للمساعدات.

وأكد الموظفون أن استمرار العمليات رغم مصادرة الغذاء واستخدام المساعدات كأداة تجنيد هو فشل أخلاقي وإنساني كارثي يطيل أمد معاناة اليمنيين ويغذي آلة الحرب الحوثية.

 

ويرجع خبراء تراجع تمويل المانحين للمشاريع الإنسانية في اليمن إلى استمرار الحوثيين في تحويل مسار المساعدات، وهو دليل على فقدان المجتمع الدولي الثقة في آليات التوزيع، لكن هذا التراجع لا يُعفي المنظمات من مسؤوليتها الجنائية عن السكوت على الجريمة.

 

الخاتمة

هذه الوقائع تفرض على المجتمع الدولي والمانحين ليس فقط إدانة هذه الممارسات بالكلمات، بل اتخاذ موقف حاسم لا رجعة فيه يوقف هذا النهب المُمنهج فورًا، ويضع حداً لتحويل أموال الإغاثة إلى وقود لآلة القمع الحوثية.

من وجهة نظر الكثير من اليمنيبن، يعتبر استمرار التغاضي عن هذا الابتزاز بمثابة خيانة مزدوجة لضحايا الحرب في اليمن، الذين يجدون أنفسهم ضحايا مزدوجين: لحرب مستمرة، ولنهب منظم للمساعدات التي كان من المفترض أن تكون طوق نجاة مقدس لهم.

كما يتطلب إعادة تقييم جذرية وشفافة لآليات العمل الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، والتحرك بجرأة لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها الحقيقيين، بدلاً من أن تظل "البيضة الذهبية" التي تبيض أموالاً صعبة في جيب جماعة تم تصنيفها أمريكيا وبعض الدول بالإرهابية.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2023 م

الى الأعلى