اليمن..الفن رديف البندقية في مقاومة الانقلاب

اليمن..الفن رديف البندقية في مقاومة الانقلاب


حفلت الأناشيد الثورية الشبابية بحضور كبير على الساحة اليمنية في السنوات الأخيرة، ولم يتوانَ العاملون في هذا المجال من شعراء ومنشدين وفنيين في مواكبة الأحداث المتسارعة، باعتبار أنَّ الأنشودة مثلما هي تجاوب طبيعي مع الأحداث العظيمة؛ فهي أيضا توثيق فني لها.

وبسبب هذه المواكبة فإن عددا كبيرا من هذه الأناشيد جاء دون المستوى المطلوب مما جعله عرضة للنسيان، حيث لم يعلق في ذاكرة الناس غير تلك الأناشيد الثورية التي أخذت قسطا وافرا من التجويد والتحسين، والتي تبارى في تقديمها كوكبة مبدعة من الشعراء والمنشدين، منهم ماجد الجبري ودهاق الضبياني ومجلي القبيسي ومجيب الرحمن غنيم و عمر البناء وجميل القاضي وسليمان العراقي، وعمر البناء وأمين حاميم والمزلم وغيرهم.

 

ورغم الإمكانات الشحيحة إلا أن هذه الأناشيد حققت نجاحها بفعل الجماهيرية التي وفّرتها ساحات التغيير، عبر تلك المسارح المفتوحة التي كانت تكتظ بعشرات الآلاف من المتابعين الذين تجاوبوا مع هذه الأناشيد، وجعلوها حداءهم في اعتصاماتهم ومسيراتهم.

 

ولاشك أنَّ خلو الساحات الجماهيرية قد انعكس سلبا على الأنشودة الثورية، فخفتت تلك الأصوات التي كانت مجلجلة صداحة، ووصل الأمر ببعضها إلى حد الانطفاء، وبدخول اليمن معتركا جديدا عادت الحياة إلى جسد الأنشودة الثورية اليمنية غير أن التحدي في هذه المرحلة كان كبيرا بسبب أن الطرف الآخر وللإمكانات المهولة التي يمتلكها قدم منجزا فنيا معتبرا في مجال الأنشودة بغض النظر عن مضمونه وأهدافه.

 

في هذا المناخ التنافسي الذي تفرضه ضرورة أن يكون الفن رديف البندقية برزت أناشيد عديدة لقيت نجاحا كبيرا، وزاد من نجاحها تلك المعالجات الفنية التي تقوم بها الفضائيات في تحويل الأنشودة إلى فيديو كليب متميّز، وتميّزه يأتي من كون أبطاله أبطالا حقيقيين، لا مجرد ممثلين، ولعل من أبرز هذه الأناشيد أنشودة (باركوا للشهيد الحي) التي كتب كلماتها المبدع أبو العز الزيادي، وأنشدها المبدع قناف المعظي.

 

ولأن الأعمال الفنية الناجحة تكتسب مشروعيتها من إنسانية وعظمة الموضوع التي تتناوله؛ فقد كان من أول شارات النجاح في هذه الأنشودة أنها جعلت من استشهاد القائد عبدالرب الشدادي مسرحا لها، وفي الإطار القيمي للشهادة نجح الشاعر في حشد كثير من القيم الجميلة، قيمة الشهادة، وقيمة أثر الشهيد، وقيمة حب اليمن، وقيمة التضحية... إلخ، ومن هنا فإنَّ مضمون هذه الأنشودة مرغوب جماهيريا، بل ومحبوب، كما أنه ضرورة الوقت وواجب الآن.

 

وتأتي تلقائية المنشد المعظي أول ملمح فني لهذه الأنشودة، فهو يقدّم صوته بكل تفاصيله وعلى السجية، ويحمّله في ذات الوقت كثيرا من المضامين التي تفرضها دلالات الكلمات في الأنشودة، كالقوة والثبات والعزيمة والإرادة والاعتزاز بقيم الشهيد، والعزيمة على السير على خطاه، وبذلك فقد نجح نجاحا كبيرا في مسْرحة صوته، وجعل المستمع يلمح في ثنايا هذا الصوت المنطلق من بين غبار المعارك كل تحركات الشهيد في مضمار الحرب، بل ويلمح في ثناياه أيضا جبال اليمن وسهولها ووديانها في مهرجان رائع مع الشهيد.

 

والمعظي يقدم صوته في هذه الأنشودة على أنه ابن البادية البار. يُلمح ذلك في طريقة أدائه للكلمات، وفي التنويعات الصوتية خفضا وارتفاعا، وفي الطريقة الصارمة لمسايرته للموسيقى المصاحبة، وكأنه بذلك يريد أن يقدّم شيئا مغايرا للأنشودة الثورية التي وُلدت في أفياء المدن، حيث يتخذ الأداء اللغوي طابع الرقة حتى في الأناشيد، وهو ما أفقد كثيرا من تلك الأناشيد حماسيتها ومشروعية بقائها.

 

وفي لحن الأنشودة جمال آخر، وهو لحن مطور عن زامل شعبي، ويأتي جمال هذا اللحن من أنه يتماشى مع صوت المنشد تماهيا فنيا رائعا، فلا تجد للتكلف الصوتي أو اللحني أثرا، وكأن كل منهما صُمِّم للآخر حيث تنطبق الطبقات الصوتية للمنشد على جوانب اللحن انطباقا سلسا لا ترى فيه عوجا ولا أمتا.

 

الفكرة الأروع في هذا العمل هي المزج بين الموسيقى وطاسة البرع في النوتة الموسيقية لهذه الأنشودة، والذي كان من إبداع مهندس الصوت "محمد العليي" بحيث تتوزع تقاسيم اللحن بشكل متناغم، وكل منهما يأخذ مسارا وحيزا لا يطغى على الآخر، ولا يلغيه.. لقد صنع ذلك فضاء من الإدهاش، ومنح الأنشودة تفردا واضحا، وفوق ذلك جاء معبرا عن العرس التي يتضمّنه مطلع الأنشودة، حيث تعدُّ طاسة البرع أبرز أدوات الإيقاع حضورا في الأعراس اليمنية.

 

هو عمل فني ناجح إذن.. جمع بين روعة الكلمات وفرادة الصوت، وحسن الاقتباس من الموروث الفلكلوري.

 

فهل يستطيع المنشد الجميل ومن معه أن يتحفونا بأعمال على ذات المستوى إن لم تكن الأفضل.. تلك هي القضية.

 

اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى