سمر.. من ظل الفصل إلى قيض الرصيف

سمر.. من ظل الفصل إلى قيض الرصيف المعلمة سمر

لم تكن سمر تدري وهي تعدُّ نفسها لتحقيق حلمها القديم في أن تصبح مدرسة أنَّ وظيفة من نوع آخر تنتظرها على رصيفِ كابوسٍ مظلم..

 

ما أن أكملتْ الثانوية العامة حتى التحقتْ بأحد المعاهد العليا لإعداد المعلَّمين.. ومرّت السنوات بمشقّة كبيرة، فلم يكن لها من يعيلها غير أخيها الأصغر الذي يعمل بائعا متجوّلا في الشوارع العتيقة لمدينة تعز.. وحين ظهر اسمها بين كشوفات الناجحين شعرت سمر أن بابا من الفرَج انفتح أمامها، وأنه آن الأوان لأن تخفف عن كاهل أخيها الصغير، وتعفيه من تعبه وتشرده في أزقة المدينة الصاخبة.. لكن ذلك لن يكون إلا مع تقاضيها لأول مرتب.. أو هكذا كانت تحلم.

 

وعلى غير روية حملت شهادتها لمكتب التربية طامعة في توظيفها مدرّسة في إحدى مدارس المدينة، ولأنها تعلم أن حبال التوظيف طويلة، فقد عملت في إحدى المدارس القريبة من بيتها مدرسة لمادة اللغة الإنجليزية مقابل أجر زهيد كانت تتقاضاه من إدارة المدرسة آخر كل شهر، ورغم ضآلة هذا المبلغ إلا أنه مع ما يكسبه الطفل الصغير من بيعه المتجول كان يعني أن تظل هذه الأسرة الصغيرة المكونة من سمر وأخيها وأمها تحت مظلة الستر.. والأيام تَحُوْل.

 

مرّت سنواتٌ خمسٌ على تخرّجها.. ولا جديد في مسألة توظيفها غير تلك الوعود التي يوزِّعها مكتب التربية بالجملة.. لكنّها لم تيأس.. وكيف تيأس ولا خيار آخر معها غير الانتظار والدعاء إلى الله في أن يفرّج هم هذه الأسرة الصغيرة حتى تستطيع مواجهة متطلبات الحياة ولو في الحد الأدنى من الكفاف..

 

وحين انطلقت شرارة ثورة فبراير في مدينة تعز، كانت سمر حاضرة فيها بقوة.. ولِم لا؟ وهي تشعر أن التصحيح الإداري الذي ستأتي به هذه الثورة سيتيح لها ولمثيلاتها عيشا كريما، وكان شعارها (سنقف مع الوطن اليوم ليقف معنا غدا).

 

وجاء الغد الذي تحلم به سمر....

 

نزلت وظيفتها في مدرسة ريفية خارج المدينة.. حزنت في البداية.. لكنها رأت في ذلك خطوة إلى الأمام على أمل أن تستطيع في قادم الأيام نقل وظيفتها إلى مدرسة في المدينة حتى تكون قريبة من أمها المريضة وعائلها الصغير، فلا يأس إذن مادامت أرادة الحياة تسري في جنبات الروح إصرارا وعزيمة..

 

بذلت سمر جهدا كبيرا في إثبات ذاتها مهنيا داخل المدرسة، ومرت شهور ستة وهي تصل الليل بالنهار إعدادا وتدريسا وتصحيحا لدفاتر طلابها، فتلك رسالتها وحياتها وحلمها القديم، ليتناهى إلى مسامعها نزول مرتبات ثلاثة أشهر دفعة واحدة...

 

فرحت كثيرا.. ورغم أنَّ مرتبات ثلاثة أشهر طارت مع الريح إلا أنها اعتبرتها آخر عهدها مع البؤس والمرارة، وطارت سمر إلى المدينة حيث استلمت أول مبلغ من وظيفتها.. كان له وقع وحضور.. أشبه بحضور المولود البكر لأم ظلت محرومة من الولد عقودا من الزمن..

 

ولقد تغيّر حال هذه الأسرة.. وبدأ الولد الصغير يتنفس الصعداء.. إنه الآن يخرج صباحا ويعود ظهرا ولكن للدراسة، وهو يلعب في الحارة مثله مثل أترابه .. وله مصروف يومي.. صحيح أنه قليل لكنه ينفع.. لقد صنعت سمر معجزتها داخل الأسرة..

 

واستمر الحال هكذا حتى جاء مغول العصر.. بدأوا باحتلال مدرستها الريفية وتحويلها إلى ثكنة عسكرية لهم... فعادت إلى أمها وأخيها خائفة مذعورة.. وكان ظنها أن الأمور ستتوقف عند هذا الحد.. لكن مدافعهم من الجهة الأخرى طالت حيّها.. بل ومنزلها.. فلم يبق بد من النزوح..

 

وإلى مدينة التربة كان المساق.. مساق بؤس وفجيعة.. لكنها وهي الواثقة بفرج الله ما كان لها أن تستسلم أو تيأس.. أخذت أمها وأخاها وانطلقوا مع جمع كبير من أهالي الحي.. و حين ألقوا عصى الترحال طرأت على بالها فكرة أن تعمل مدرسة في أي مدرسة قريبة كسابق عهدها لتحصل على أجر ولو زهيد يعينها على هذا الوضع الذابح.. لكنَّ مدارس المدينة والقرى المجاورة كانت تعجُّ بقوافل النازحين..

 

وتوقف الراتب.. لتجد سمر نفسها وحيدة أمام واقع لا يرحم ووجدت أن من واجبها أن تكف شرور الأيام عن أخيها وأمها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.. وتحسست قلادتها الذهبية.. وذهبت بها إلى محل لبيع الذهب.. فباعتها بثمن ينقص كثيرا عن ثمنها الأصلي.. ترجَّت صاحب المحل كثيرا أن يرفع السعر ولو قليلا إلا أنَّها شعرت أنَّ توسلاتها لن تجدي نفعا أمام مجسد الطمع الذي يقف أمامها مستغلا حاجتها كلوح جامد خال من كل مشاعر الرحمة والشفقة فأمَّا أن تبيع بما يريد أو أن تنصرف.. فباعت وأمرها لله..

 

ولأنَّ موسم العيد يومها كان قد اقترب فقد اشترت بثمن القلادة ثياب أطفال ولعبا وهدايا، وجلست تبيع على الرصيف.. هذه إذن وظيفتها الجديدة حتى يأذن الله.. كانت تربح شيئا معقولا.. لكنها حين تذهب لتشتري بضاعة أخرى تجد الأسعار قد ارتفعت، فتشعر أن تعبها –أو جزءا كبيرا منه- ذهب سدى...

 

ترى سمر أن جمعيات خيرية كثيرة تؤدي واجبا كبيرا داخل هذه المدينة الغاصّة بالنازحين.. لكنّها تدعو هذه الجمعيات إلى التنسيق فيما بينها حتى لا تذهب مجهوداتها في أماكن دون أخرى..

 

وتقول سمر: لم أحزن كثيرا لفقد وظيفتي في المدرسة لأنَّ ضياع الوطن غطّى على ما سواه.. وأملي كبير في عودة الوطن.. عودة الروح إلى هذا الجسد المثخن جراحا.. فذلك وحده كفيل بإعادة مياه الحياة إلى مجاريها الطبيعية، مؤكّدة أن كل الخسارات قابلة للتعويض إلا أن نخسر الوطن.. فذلك وحده الموت الزؤام..


اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى