أنا !!

أنا !!

   أنا، عند النحويين ضمير ، و عند اللغويين، تحديد كنه الشخص، و عند النفسيين تأخذ شبكة من الطرق و المتاهات ؛ معبدة و وعرة، و مرصوفة و مستوية و منحنية أو ملتوية .. الخ. و أخشى أن يضعوني في دائرة استفهام، أو دراسة حالة..!!

   لا تقصد هذه السطور الدخول في مجموع تلك الأناءات - و هذا ليس جمعا صحيحا، و لكنها تتناسب مع تبجح أنا - أو المتاهات ، و إنما تقصد هذه السطور : أنا، التي يستخدمها الشخص العادي، أو الشخص المتعالي ! أو قل البسيط، و الشخص( الفشّار )! و المواطن أو المسؤول، و المتواضع أو المغرور . و كيف يستعملها هؤلاء؟ و كيف يستعملها أولئك؟

 

   أحس أن ها هنا بدأت ساعة الصفر مع أنواع أصحاب( أنا )، فبينما سيبتسم الشخص البسيط، الذي يستخدم أنا بعفوية لا تتجاوز الإشارة إلى الذات، في المقابل سوف يكشر و يعبس الشخص الفشار، الذي يستخدم أنا باستعلاء و كبرياء .. ألا تعرف من أنا !؟

   و ما من شك أن " أنا " يستخدمها : ( آدم و  تستخدمها حواء) على حد سواء ، و إن كان آدم أكثر تبجحا و انتفاخا و فشرة من حواء ! أو هكذا أقدِّر.

 

   فأنا، عند آدم لها شواهد :

 

   فهذا عنترة بن شداد العبسي، والد عنيترة العبسية( طبعا) :

 

      أنا العبد الذي خُبّرْتَ عنه      و قد عاينتني فدع السماعا

 

   و أما الحجاج فقد جاء يرعد و يزبد حين ولاه عبد الملك بن مروان على العراق، فألقى خطبته البتراء الذي تصدرها ب " أنا " مستعيرا لها قول الشاعر سحيم بن وثيل :

 

     أنا ابن جلا و طلاع الثنايا      متى أضع العمامة تعرفوني

 

   و أفشرهم،  الامبراطور الفرنسي،  الذي ألغى الشعب الفرنسي بكلمة، يوم قال:  أنا الدستور..!!

 

   و لم يتردد أبو الطيب المتنبي  عن أن يستدعي" أنا " مفاخرا :

 

   أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي  و أسمعت كلماتي من به صمم

 

    و سبقه جرير ب " أنا " عندما هاجى الفرزدق و الأخطل :

 

      أنا الموت الذي آتي عليكم      و ليس لهارب مني نجاء

 

   و قد تستعمل استعمالا رقيقا لطيفا جدا، فقط؛ بعد أن  استثنينا الزعامات المنفوخة، فسنجد الشاعر المتفائل، إيليا أبو ماضي :

 

       وطن  النجوم أنا  هنا  حدّق  أتعرف  من أنا

       ألمحت في الماضي البعيد فتى غريرا أرعنا

       جذلان يمرح في حقولك كالنسيم مدندنا؟

 

    أما حواء فلا أظن أنها تستخدم ( أنا) برعونة، و أحسب أنها  تستخدمها بشكل ناعم و لطيف، و حتى إن وجدت عنتريات في حواء، فهي قليلة، فتلك ولّادة بنت الخليفة المستكفي بالأندلس  :

 

          أنا و الله أصلح للمعالي      و أمشي مشيتي و أتيه تيها

   و نقف و لا نزيد على هذا البيت بيتا!

 

   أشعر كذلك أن دارسي علم النفس - و هنا استلفت دكاترة الطب النفسي إلى  أنني لم أذكرهم بسوء - سيبدؤون بتحليل نفسيتي، و سأتحمل النتيجة أيا كانت، لأنني جنيت على نفسي بأصابع يدي، فعلى نفسها جنت براقش ! و إلا ما دخلي بأنا التي يفسر ما وراءها ( دارسو ) علم النفس، حتى إني أخشى ..... عتابا من صغيرتي التي سلكت هذه الدراسة، و خشيتي من دارسيه أنه قد يقوم أحدهم بتحليل يتناولني أخاف معه من نتيجة التشخيص التي سيطلع بها !! 

 

   أسحب كلامي في كل ما سبق، و سأجعل جبهة المواجهة مع ( أنا) التي يستخدمها الفشارون، و لن أتجاوب مع أي قصف صادر من أي جبهة أخرى عند النفسيين أو غيرهم، حتى و لو كان داخل داري !

 

      أثق أن مناصري جبهتي أوسع و أعرض ؛ لأننا جميعا نقف مع ( أنا ) العادية . أنا العادية ، تستخدم بشكل عفوي و تلقائي، دون أن تكلف صاحبها أقل تشدق، او أدنى نبرة انفعال، أو تصنُّع، فتأتي بسيطة، كإجابة عن سؤال مثلا،  في قاعة فصل دراسي، من قام بحل الواجب المدرسي؟ فيقول كل طالب : أنا، أو من لم يفهم الدرس الماضي؟ فيقول طالب او طالبة أنا، ببساطة و هدوء .

   هذه أنا العادية أو البسيطة، و السلِسة و غير المعقدة .

 

   أما أنا المتعالية، أو أنا الفشّارة، فتستهلك طاقة حرارية . خذها من عند بعض هذه النوعيات :

   أنا صاحب هذا الإنجاز.. أنا من حقق تلك النتيجة .. أنا من يقف وراء هذا ...الخ.

    إنها أنا، المتعالية بالمسؤولية  : أنا، ( المعبرة ) عن: المحافظ ..  أو  الوزير .. مثلا ، فأنا هنا؛ أنا الوزير .. أو أناء المحافظ، اما أصحاب الجلالة و الفخامة،(فأناؤهم):  نحن..!!

 

   مسكين عمر بن الخطاب-  و كل الخلفاء الراشدين-  لم يقل احد منهم- عند إصدار  قرار- نحن،  كان يكتفي أن يقول من عبدالله عمر...  او يقول:  علي بن ابي طالب:  من عبد الله علي...!

 

   لا حول و لا قوة إلاّ بالله؛  ما لي أفر من الرمضا إلى النار!؟

 

   من يسكّت لنا الآن ملالي فارس و زعانفهم بذكر عمر بن الخطاب فاتح فارس و الفتوحات المشهورة،  و سيقولون: كمان؛ تاتي به ترتيبا قبل علي!؟ 

 

   الأهم،  أن هذين العظيمين و أمثالهما لم يستخدموا أنا،  كما إنه لم يستخدم أحد منهم:  نحن جلالة أو فخامة....  و قد أصدرناه!  و هي ديباجة قرار أو مرسوم،  يصدره  هذا أو ذاك.

 

    نعود إلى أنا التي تستخدم دون مرتبة أصحاب الجلالة و الفخامة، فأنا. وقد جعلت من صاحبها الفارس المغوار، و العبقري الذي لا يدانيه الخليل بن احمد ، و القوي الذي تحجم عن منازلته عنيترة، فضلا عن عنتر ! 

   أنا ، الوزيرية، أو الحكومية، أو صاحبة المعالي، لن أتحدث عنها كثيرا و لن أتوقف عندها، فقد تحوجني الأيام في أن أقف أمام وزير أو محافظ  أو مسؤول ، فتأتي عند ذلك (أنا) هذا، او أنا ذاك فيكون ما لم يكن متوقعا.

 

    أما ( أنا ) الرئاسية، فابتلع لسانك و لا حرج، فقد قالت التجارب :

 

  يقاد للسجن إن سب الرئيس و إن    سب الإله فإن الرب غفار

 

   لا يستعجل هذا الذي يقول : مالك لا تشير ل ( أنا ) الإبليسية، و قد قال كما أخبر القرآن على لسانه :( أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين ).

 

   هنا تكمن مصيبة شلة (أنا)، فمنها، بل من إبليس تحديدا جاء الكبر و الغرور،  و منه أتت النرجسية و الشطحات.

 

    و من أنا الإبليسية هذه،  تأتي أنا السلالية التي يتوهّم أصحابها انهم فوق الناس أجمعين، و وصلت أنا بالسلالية الحوثية أنهم يسمون أنفسهم القناديل،  و يسمون المتمسحين بأقدامهم:  الزنابيل..!!

 

   إنها أنا المنتفخة المتضخمة،  التي هي اكبر .. من بالونة..!!

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2023 م

الى الأعلى