«المكيفات».. طوق النجاة في عدن من سطوة الصيف المجنون (تقرير)

«المكيفات».. طوق النجاة في عدن من سطوة الصيف المجنون (تقرير)



تتزاحم الأصوات بأزقة محافظة عدن كما لو كان صوت أزيز النحل؛ يشبه هذا الصوت أو أعلى قليلاً.. مع حلول الصيف المجنون الذي بدأ يستهل أيامه من شهر إبريل/نيسان الحالي ووصولاً إلى سبتمبر/ايلول من هذا العام وكل عام.


ومع ضراوة المعركة بين ارتفاع درجة الحرارة والأجساد المثخنة تُشكل التكنولوجيا طوق نجاة لمئات الآلاف من سكان محافظة عدن التي ‘‘توشمت’’ الصيف بالوراثة كونها مدينة ساحلية تسكنُ في  حضن البحر.  


وكأن المكيفات صُنعت لعدن

تعيش مئات الآلاف من الأسر بمحافظة عدن فصولاً أربعة يستحوذ الصيف خلالها على نصيب الأسد على حساب بقية الفصول بمقدار ستة أشهر وهي ‘‘إبريل ؛ مايو ؛ يوليو ؛ يونيو ؛ أغسطس ؛ سبتمبر’’ من كل عام  بدرجة حرارة تتفاوت بين ‘‘28 و 35’’ درجة مئوية لتصل في أعلى ارتفاع لها في وقت ذروة الصيف بشهر يوليو إلى 40 درجة مئوية وغالباً ما يموت معها عدد من المواطنين كما هو الحال في العام الماضي الذي ذهب ضحية الصيف وانطفاء الكهرباء من كبار السن والمرضى قرابة الـ‘‘35’’ شخصاً.


 وتشكل الرطوبة ما نسبته ‘‘65 و 73’’% فيما يغيب هطول الأمطار طيلة فصل الصيف عدى فصول الربيع والشتاء اللذين يمطران بعدد ‘‘3 إلى 6’’ مرات من كل عام أو أقل؛ في حين تشتاق المدينة للأمطار في فصل الصيف كما تتمناه المدينة.


ومع ظهور الكهرباء بخمسينيات القرن الماضي أدخل المكيفات إلى عدن المستعمرة الإنجليزية حينها وبدأ عدد محدود من المسئولين باقتناء المكيفات فأعطيت لهم لمجابهة الصيف كما هو الحال للجندي ‘‘رُستم’’ الذي سكن حينها ‘‘حافة’’ الطويلة وسط مدينة عدن القديمة -أي- بعد اختراع العالم ‘‘ويليس كارير’’ للمكيف بـ‘‘46’’ عام تقريباً.


عرفت مدينة عدن إذاً المكيفات في الخمسينيات وهو التاريخ نفسه الذي مات فيه المخترع ‘‘كارير’’ بعد تأسيس شركته ‘‘تطبيقات تويو كارير وسامسونج’’ والتي أصبحت فيما بعد أكبر شركات المكيفات الهوائية في العالم حتى اليوم مما ساعد في هجرة المجتمعات إلى المدن الحارة -بل- وبقاء سكانها الأصليين فيها نتيجة هذا الاختراع.


عدن والصيف 

لم تكن فكرة استيراد المكيفات الهوائية أمراً عادياً لمدينة ساحلية تقع على ارتفاع ‘‘6’’متر من مستوى سطح البحر ودائرتي عرض ‘‘12 - 47’’ شمال خط الاستواء -بل- كان أمراً مهماً في ظل لظى هذا الصيف الذي لا يرحم.


ثمة حل واحد لمشكلة الصيف بمحافظة عدن والذي يتمثل بالديمومة بتشغيل الطاقة الكهربائية دون انقطاع ومعه يلجأ الناس إلى الهواء الاصطناعي للتخفيف من حرارة الصيف المرتفعة التي سرعان ما تتحول إلى بارود قاتل في أوقات الذروة.


مبدأ عمل المكيفات يرتبط بالتيار الكهربائي فلا مكيفات بدون كهرباء وهنا تكمن المشكلة فالتوليد يغطي المحافظة ذات الثمان مديريات ‘‘المعلى ؛ التواهي ؛ كريتر ؛ خور مكسر ؛ البريقة ؛ المنصورة ؛ الشيخ عثمان ؛ دارس سعد’’ إلا أن ‘‘160’’ ميجا وات وهو العدد الإجمالي الطبيعي لتوليد المؤسسة العامة للكهرباء ولا تكفي لتغطية احتياجات قرابة المليون نسمة تقريباً من عدد السكان ويعرف عن هذا العدد الكبير من المواطنين استخدامهم الكبير للكهرباء فالمكيف الواحد بحجم طن واحد يحتاج إلى ‘‘1200’’ وات في الساعة الواحدة -أي- ‘‘28,800’’ وات في اليوم والليلة.


ومع حاجة الناس الملحة للهواء البارد يكمن عمل المكيفات في فصل الصيف على تلطيف الهواء وتحويل درجة الحرارة العادية المتأرجحة بين ‘‘35 و 40’’ درجة مئوية وتخفيضها وتحويلها إلى نسبة أقل -أي- مابين ‘‘22 و 25’’ درجة مئوية كي تصبح ملائمة لجسم الإنسان حسب مهندسو التكييف والتبريد لـ‘‘الصحوة نت’’.


المكيفات شريان الحياة

لم تتورع ربة البيت ‘‘عبير صالح’’ من سكان مديرية الشيخ عثمان بوصف المكيف بأنه أجمل شيء في هذه الحياة كونه حسب وصفها يقيها وأسرتها المكونة من خمسة أطفال وأبوهم من نار الصيف الذي تعيشه عدن هذه الأيام برغم الوضع السيئ للكهرباء.


وتقول عبير لـ‘‘الصحوة نت’’ «إن المكيف هو الأداة الكهربائية الوحيدة في منزلنا الذي يعمل باستمرار مقارنة بالثلاجة مع حاجتنا لها والغسالة والكاوية والمكنسة الكهربائية وبقية الأدوات الكهربائية في المنزل»


ومع انطفاء التيار الكهربائي عن عدن باستمرار يستغل المواطنين ساعتين وهي مدة عمل الكهرباء بتبريد الحجرات كما هو الحال أيضاً إلى المساجد والمكاتب الحكومية وغيرها كي تحفظ الجدران الأربعة فيما بعد البرودة.


‘‘الذرحاني’’ يعمل في إحدى شركات استيراد الأجهزة الكهربائية بعدن؛ يصف إقبال الناس على شراء المكيفات بالكبيرة والتي تفوق طلب بقية الأدوات الكهربائية كالثلاجات والغسالات والأفران والتلفزيونات خاصة هذه الأيام.


ويردف لـ‘‘الصحوة نت’’ إن نسبة ما تبيعه محلات الأدوات الكهربائية يزيد عن ‘‘5’’ مكيفات في اليوم الواحد ورغم ارتفاع أسعار المكيفات نتيجة ارتفاع سعر الصرف للعملات الأجنبية إلا أن الإقبال مازال مستمراً’’.


وبهذه النسبة يكون المحل الواحد مقدار ما يبيعه حسب توقعات ‘‘الذرحاني’’ نفسه ‘‘150’’ مكيف في الشهر الواحد وعدد عشرات المحلات المبثوثة في عدد من المديريات ستبيع أكثر من ‘‘1000’’ مكيف خلال الأشهر القادمة.


لا منزل بدون مكيف

لا يختلف اثنان عن ضرورة المكيفات في كل منزل فسبق لعدن بعد الاستقلال بتاريخ 1967م أن سمحت السلطة في ذلك الحين للمسؤولين بتركيب مكيف واحد؛ إلا أنها كانت -أي- السلطة تسمح للمرضى باقتناء مكيف وذلك وفق تقرير طبي كمن أصيب بالسكري والفشل الكلوي والأستمة وأمراض أخرى.


في فترة التسعينيات بدت الطفرة في انتشار المكيفات ووصولاً إلى اليوم سجلت إحصائيات ‘‘الصحوة نت’’ امتلاك المواطنين لعدد ‘‘293,364’’ مكيف بواقع ‘‘2’’ مكيفات للأسرة الواحدة في المتوسط.


وحسب إحصائيات 2017م في معلومات شبه رسمية وحسب إسقاطات إحصائيات عام 2004م بنسبة نمو ‘‘3.77’’ بلغت عدد الأسر بمحافظة عدن ‘‘146,682’’ لكن هذه الإحصائية صاحبتها موجة نزوح هائلة من محافظات لحج وأبين والضالع وتعز صوب عدن التي تتخذها الحكومة اليمنية عاصمة مؤقتة للبلاد.


لم يتعلق الأمر بمنازل المواطنين فالمكاتب الإدارية والمحلات التجارية والبنوك والعقارات والسنترالات والمستشفيات والعيادات والكليات والمعاهد وبعض المدارس والمساجد تعج بالمكيفات الكبيرة والصغيرة منها.  


المساجد وعددها بالمئات في أكثر من ‘‘238’’ -حافة- من حوافي المحافظة تعج بالمكيفات الكبيرة التي تقوم بتبريد مساحات كبيرة بمقدار‘‘4’’ طن أربع أضعاف عن المنازل للمكيف الواحد إلا أن السنترالات والمستشفيات تعتمد على مكيفات كبيرة حجم ‘‘10’’ طن للتكييف ويشكل هذا عشرة أضعاف مكيفات المنازل وتقدر عدد ما يستهلكه المكيف الواحد ‘‘12,000’’ وات في الساعة الواحدة و ‘‘288,000’’ وات في اليوم والليلة أي ما يعادل ‘‘ 0.288’’ ميجا وات للمكيف الواحد فقط. 


تجارة التبريد من ذهب 

 في العام ‘‘ 2000’’ م باعت شركة ‘‘كارير’’ بأكثر من ‘‘8’’ مليار دولار ووظفت أكثر من  ‘‘ 45000’’ موظف فشكلت الدول القريبة من خط الاستواء السوق الرائج للمبيعات شركات صناعة المكيفات كالدول الخليج والدول الأفريقية بشكلٍ عام  وعدن بالإضافة للمحافظات الجنوبية والساحلية منها.


‘‘عامر علي’’ صاحب محل بيع أدوات كهربائية بحي ‘‘عبد القوي’’  لـ‘‘الصحوة نت’’ يفصح عن سوق كبير لبيع المكيفات بمديريات كريتر والمنصورة والشيخ عثمان ورغم الأزمة المالية وظروف المعيشة المزري للناس يذهب إلى أن نسبة الإقبال ما تزال على أشدها وخاصة الطلب على المكيفات الرخيصة فالمواطن لا يعير الجودة اهتماماً’’.


فأغلب أنواع المكيفات مبيعةً  في الأسواق حالياً هي: ‘‘ 

 ؛ ar celik  ؛ MDV  ؛ General ؛ meda  ؛ International  ؛ siemens  ؛ TCL 

 ؛    TOSHIBA ؛ sonic ؛ Sonic  ؛  TOSHIBA

وهي مستوردة جميعها من الصين وتايلاند وماليزيا وتركيا ويأتي على شكلين أثنين إما -سبيلت- وإما شُباك بأحجام متفاوتة وهي؛ أربعة طن وطنين وطن ونص وطن  وطن إلا ربع ونص طن’’.   

 

الكهرباء العائق الوحيد

الكهرباء بإجماع المواطنين تعرقل عمل المكيفات في فصل الصيف بسبب الإنطفاءات المتكررة  كونها لا تعمل إلا لساعات محدودة وذلك بسبب ارتفاع احتياجات الطاقة والذي بلغ العام الماضي ‘‘2016م’’ أكثر من ‘‘430’’ ميجا وات مع العلم بأن كهرباء عدن ما تنتجه يومياً قرابة ‘‘160’’ ميجا وات بعجز بلغ ‘‘270’’ ميجا وات تقريباً في فصل الصيف مما ينذر بكارثة رغم رفد مؤسسة الكهرباء بـ‘‘60’’ ميجا وات جديدة كمنحة قطرية والتي ستدخل إلى الخدمة قريباً بحسب المؤسسة.


ومن وجهة نظر مختصين يشير مهندس التكييف والتبريد ‘‘إسماعيل سعيد’’؛ بأن المكيفات تسحب طاقة كهربائية أكثر بكثير من مجموعة الأدوات الكهربائية في المنزل فـ(1200) وات يسحبه المكيف ذو حجم الطن الواحد في الساعة الواحدة مقابل الثلاجات سحبها يتراوح ما بين الـ(120 إلى 200) وات بينما الغسالات تسحب ما نسبته (60 إلى 180) وات؛ كما أن المصباح الواحد يسحب ما قدره (20) وات.


وبين هذا وذاك تتجلى مشكلة أعتى والتي تتمثل بنسبة الفاقد فتتوالى نشرات المؤسسة العامة للكهرباء بعدن بنشر تقرير يومي نهاية كل يوم يسرد عدد التوليد والأحمال والعجز والفاقد إلا أن الفاقد ما يزال أحجية بسبب الربط العشوائي والذي يصل أحياناً إلى ‘‘30’’ ميجا وات؛ إلا أن مصدر عمالي بمؤسسة الكهرباء بالمنطقة الأولى يؤكد لـ‘‘الصحوة نت’’ بأن أغلب المشتركين يلجأون إلى توصيل المكيفات من الخط الرئيسي مباشرة بحيث يتفادون دفع فواتير المكيفات التي تزيد عن ثلاثة مكيفات في البيت الواحد مما تزيد من حجم الفاقد كون الآلاف من المواطنين ينتهجون هذه الطريقة المخالفة’’.


التجارة الموسمية

في أحد أركان حي ‘‘كود الحشيش’’ بالمدينة القديمة تتزاحم المكيفات في أحد الأكشاك التابعة لمهندس التكييف والتبريد ‘‘محمد فيزان’’ في انتظار إصلاحها والتي يسارع المواطنين بإيداعها لدى المهندس الشاب بانتظار إصلاحها وإعادة صيانتها.


‘‘محمد فيزان’’ يقول لـ‘‘الصحوة نت’’ ؛ بأن فصل الصيف هو أيام الذهب بالنسبة لي كونه موسم عملي والذي أجني من بعده ربحاً وفيراً فأعمل لقرابة (17) ساعة في اليوم _أي_ من الساعة الثامنة صباحاً حتى الثانية عشرة ليلاً مقابل إصلاح مكيف في الأسبوع في بقية الفصول _أي_ بمعدل أربعة مكيفات في الشهر الواحد’’.


وعن نوعية الأعطال التي تنتاب المكيفات فيشرحها المهندس ‘‘إسماعيل سعيد’’ بقوله ؛ مشكلة انطفاء التيار الكهربائي باستمرار يقتل العمر الافتراضي للمكينة التي يعمل عليها المكيف مما يتطلب الأمر إلى تبديلها’’.


ويتابع ؛ ‘‘ صيانة المكيفات حاجة ضرورية من شأنها عودة المكيف إلى سابق عمله وتأدية عمله بطاقته الطبيعية وذلك من خلال رفده بالغاز _الفريون_ بالإضافة إلى تنظيفه فتعد هذه الأشهر هي ذروة العمل’’.


هذا وتعمل معاهد حكومية لتدريس تخصصات ‘‘التكييف والتبريد’’ كمعهد المعلى التقني والمعهد التقني الألماني بدار سعد والمعهد البحري بخور مكسر وغيره بشهادات ‘‘الدبلوم’’ بمقدار سنتين بعد الثانوية ويعمل الكثير من هؤلاء الخريجين على مدى السنوات الماضية في مجال إصلاح المكيفات بواحدة من المهن الأكثر انتشارا في المدينة.


اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى