الجوف... تاريخ من النضال والتضحيات وعقود من الحرمان

الجوف... تاريخ من النضال والتضحيات وعقود من الحرمان صورة ارشيفية

ربما لم يكن الكثير من اليمنيين يعرف عن محافظة الجوف (شمال شرق اليمن)، قبل حرب ميلشيات الحوثي الكثير من صلابة أبنائها ودورهم النضالي في المعارك الوطنية المصيرية، لكنها خلال السنوات الماضية برزت بشكل لافت بأهميتها العسكرية ضمن المعركة ضد الميلشيات.

إلى جانب حضورها في مشهد الحرب الجارية ضد الميلشيات، للمحافظة عمق تأريخي كبير وفيها أسست إحدى أقدم الدول العربية، حيث بدأت "دولة معين" في الألفية الثانية قبل الميلاد، ومازالت الآثار التأريخية تكشف أسرار عن تلك الحضارة التي بنيت في القرون الغابرة، تلك تفاصيل تبرز القيمة الكبيرة للمحافظة التي تعرضت للتهميش خلال العقود الماضية.

تعرضت المحافظة منذ بداية ظهور ميلشيات الحوثي إلى استهداف كبير في استقطاب أبنائها للجماعة، وكانت ثاني المحافظات التي نشرت جماعة الحوثي فيها سمومها الطائفية في تلك المديريات المحاذية لمحافظة صعدة، واستطاعت بغياب الدولة انشاء مراكز لها من خلال السيطرة على المساجد والمدارس، في بداية الألفينيات.

وتحتل الجوف أهمية كبيرة في الخارطة الجيوسياسية لليمن كونها تمتلك، أطول شريط حدودي بري مع المملكة العربية السعودية في شمال اليمن، ورغم ذلك لا يوجد لها أي منفذ بري معها، في الوقت التي تتمتع بأراض زراعية واسعة، ورغم ما تتمتع به فقد تركت للإهمال من الحكومات السابقة منذ قيام الجمهورية في 26 سبتمبر 1962.

 

لمحة عن محافظة الجوف

تعد محافظة الجوف رابع أكبر مساحة بين المحافظات اليمنية، والأكبر مقارنة بمحافظات شمال اليمن، تبعد عن صنعاء بنحو 143 كم شرقا، وتبلغ مساحتها نحو 40 ألف كيلومتر مربع، وقسمت إداريا إلى 12 مديرية، أكبرها مديرية خب والشعف، وتعد مدينة "الحزم" هي مركز المحافظة ومقر السلطة المحلية.

رغم أهميتها الاقتصادية لكنها منذ قيام ثورة 26 سبتمبر، لم تحض بأي مشاريع خدمية عدا القليل جداً، حيث حرمت من أبسط المشاريع التنموية، ولا يوجد حتى فروع حقيقة للوزارة في الحكومة المركزية، حتى المدارس فيها نادرة وفي بعض المناطق يتخذون من الخيام مدارس لتعليم أبنائهم، وكان النظام السابق يغذي فيها الصراعات الحروب القبلية خلال عقود.

 

بقيت الجوف محافظة نائية ومحرومة في طي نسيان الحكومات المتعاقبة خلال عقود، ورغم كل ذلك ناضلت قبائل الجوف دفاعا عن الجمهورية والدولة بداع القبيلة في وقت مبكر بالتحديد خلال الحروب الست بين الجيش اليمني والميلشيات التي انتهت في الحرب السادسة في مطلع العام 2011، قبل بدء ثورة فبراير.

تشهد حاليا المحافظة سيطرة شبة كاملة من قبل ميلشيات الحوثي بدأت منذ مطلع العام 2020 بعد صمود أسطوري للجيش المسنود بالقبائل لعدة أشهر من هجمات الحوثيين، لكن ورغم السيطرة الحوثية تخوض القبائل حروب متقطعة مع الحوثيين، دفاعاً عن آراضيهم من السطو، وثورية كامنة ضد الانتهاكات التي تمارسها الجماعة.

 

لماذا يريد الحوثيون الجوف؟

إلى جانب محافظة صعدة (شمال اليمن)، التي اتخذت منها الميلشيات معقل لزعمائها من "أسرة الحوثي" وكانت أول سيطرة عليها أثناء ثورة فبراير 2011، وعقب ذلك اتجهت نحو محافظة الجوف المحاذية لها، ضمن هدفها في التوسع بالتزامن مع انشغال الدولة بمواجهة ثورة الشباب في الساحات.

وتمتلك الجوف ثقلاً استراتيجياً، يؤهل الطرف المسيطر عليها بالتحكّم وتهديد خمس محافظات حيوية، حيث تشرف على محافظات عمران من الغرب، وصنعاء من الجنوب الغربي، ومأرب من الجنوب، وحضرموت من الشرق، وصعدة من الشمال، وفي الشمال الشرقي الحدود السعودية التي تهددها الميلشيات باستمرار.

وخلال السنوات الماضية، برزت محافظة الجوف كأهم المناطق التي سعى الحوثيين على السيطرة عليها، وخلافاً لحدودها مع محافظة حضرموت النفطية، فإنّ منابع النفط في مأرب، الهدف الأبرز حالياً بالإضافة أن مأرب معقل الحكومة الشرعية القوي بالقوات الكبيرة والقوية التي أوقفت محاولات عديدة للسيطرة عليها منذ سيطرتهم على صنعاء في 21 سبتمبر 2014.

وفي هذا السياق قال الصحفي محمد الجماعي "وضعت مليشيا الحوثي عينها على محافظة الجوف، منذ وقت مبكر، لأسباب استراتيجية واقتصادية، كانت أحد السيناريوهات التي من خلالها وضعته المليشيات للوصول إلى صنعاء عبر مديرية أرحب في وقت مبكر من الحرب".

وأضاف في حديث لـ"الصحوة نت"، "أن موقع المحافظة الحدودي مع السعودية وارتباطها بطرق التهريب عبر الصحراء، وما تحمله المحافظة من ثروات في باطنها أغرى المليشيات بالسيطرة عليها".

 

خوض المعركة بوقت مبكر

في العام 2011، استشهد نحو 90 من أبناء المحافظة في أعنف المواجهات مع مليشيا الحوثي لوقف زحفها وتوسعها باتجاه المحافظة، فقد كسرت القبائل همجية المليشيات وغرورها، دفعت القبائل ثمن ذلك باهظا من خيرة أبنائها ومن القبائل التي ساندتها من قبائل مارب.

استمرت المعارك بين القبائل ومليشيا الحوثي، نحو 6 أشهر متتالية، خاضتها القبائل بإمكانيات بسيطة مقارنة بسلاح المليشيات التي نهبته من معسكرات الدولة خلال الحروب الستة وما تتلقاه من دعم إيراني، مسنودة بمحافظة صعدة ومعسكراتها التابعة للدولة التي سيطرت عليها.

خاض أبناء الجوف معارك كبيرة مع الحوثيين، ولم تتوقف الا بعد اعلان التوافق السياسي في المبادرة الخليجية، وتسليم السلطة للرئيس هادي بالتوافق، لكن ذلك لم يستمر طويلا فعاودت الميلشيات هجماتها في العام 2014 بالتزامن مع هجومها في محافظة عمران.

وقال الصحفي ماجد عياش، من أبناء محافظة الجوف "قبائل الجوف كان لها السبق في التصدي لمشروع الانقلاب الحوثي والوقوف إلى جانب الدولة سواء عسكريا أو فكريا، قبل الحرب الجارية".

وأضاف في حديث لـ"الصحوة نت"، كانت المواجهات الأولى مع المليشيات عام 2006 وتلتها معارك خلال عامي 2008 و2011، وما بعد سيطرة مليشيا الحوثي على صنعاء في 21 سبتمبر 2014، مرورا بعشرات المعارك حتى اليوم".

وخلال تلك المعارك ما بين 2006 و2014، ورغم تواجد سلطات الدولة سواء النظام السابق، أو خلال حكم الرئيس هادي، خاضت قبائل الجوف المعارك وحيدة بلا إسناد حكومي، ورغم ان القبائل كانت تخوض حروبا وثارات، لكن مع ظهور الخطر الحوثي، تعالت على تلك الصراعات الصغيرة، وكانت مثارا للإعجاب بعد أن توحدوا ضد الميلشيات الحوثية.

وأشار الصحفي عياش "الثأر أبرز القضايا الاجتماعية التي تعاني منها الجوف وتغذيه السلالة الطائفية لتفكيك النسيج الاجتماعي للقبائل بهدف اضعافها، والانتصار عليها، فالمليشيات العنصرية لا تعيش إلا على اثارة الخلافات بينن اليمنين، اثبتت الأعوام الأخيرة حقيقة تلك النظرية".

 

 

قبائل الجوف تقاتل في عمران

كانت القبائل تدرك ان الدفاع عن محافظة عمران والقوات الحكومية من ميلشيات الحوثي، هو الأساس في الحفاظ على محافظة الجوف، من تمدد الميلشيات التي كانت أيضاً خلال عامي 2013 و2014 تخوض معارك مع القبائل في مديريات مختلفة بالجوف وأبرزها مديرية "الغيل".

لم يقتصر دور أبناء قبائل الجوف في قتال مليشيا الحوثي والدفاع عن الدولة من السقوط في جغرافيا المحافظة، ففي الوقت الذي كانت مديرية الغيل تشهد مواجهات عنيفة مع المليشيات بهدف التوسع نحو مارب وشرق صنعاء، كانت مدينة عمران تتعرض للحصار، هب أبناء الجوف للمشاركة في الدفاع عن عمران خط الدفاع الأول عن العاصمة صنعاء ومحافظتهم، سقط منهم شهداء وجرحى.

بعد سقوط عمران، بيد الحوثيين في مطلع يوليو 2014، شنت المليشيات جولة جديدة من الحرب على محافظة الجوف، في هجمات مختلفة أكثر شراسة، بطرق وأساليب واسلحة أكثر حداثة وكثافة أيضا، بالمقابل قاتل أبناء الجوف بأسلحتهم الشخصية وهم يفتقرون إلى أسلحة دفاعية لصد هجمات المليشيات.

خلال تلك المعارك قتل 160 من أبناء القبائل بالإضافة إلى مئات الجرحى، كان تلك المعارك مصيرية بالنسبة لميلشيات الحوثي لذلك دفعت بكل قواتها نحو الجوف، في الوقت التي كانت تعتقد ان السيطرة على الجوف، سيؤمن السيطرة على صنعاء بشكل أكبر.

وقال الصحفي عياش "صحيح أن قبائل الجوف أنهكت بعد أشهر من القتال العنيف بسبب قارق التسليح والهجمات المكثف لمقاتلي الميلشيات، ورغم ذلك تجرعت المليشيات مر الهزيمة وأرغمتها القبائل على الانسحاب وكانت على مقربة من دحرها، لكن الكارثة جاءت من سيطرة الحوثيين على صنعاء".

 

ما بعد سقوط صنعاء

رغم الوضع الجديد بعد سيطرة مليشيا الحوثي على صنعاء ومؤسسات الدولة في 21 سبتمبر 2014، لم تستسلم قبائل الجوف لهذا الوضع، فبعد سته أشهر من انسحاب المليشيات، تجمعت القبائل من جديد لتحرير محافظتهم.

وقال الصحفي عياش في حديث لـ"الصحوة نت"، أن قبائل المحافظة خاضت في مطلع 2015، (قبل تدخل التحالف العربي) معارك عنيفة في عاصمة المحافظة، لكنها انسحبت لعدم تكافؤ المعركة وعدم وجود الدعم، وكانت الجوف ضمن المحافظات التي سيطرت عليها المليشيات.

بعد قيام عاصفة الحزم في 25 مارس 2015، بقيادة السعودية قاتلت قبائل مارب إلى جوار الجيش والدولة، وتم تحرير المحافظة في ديسمبر من العام ذاته، وطرد المليشيات من آخر معاقلهم بمديرية الغيل في أكتوبر 2016.

بعدها استمرت مقاومة القبائل إلى جانب الجيش في الجوف لمدة خمس سنوات تقارع المليشيا في مسرح عمليات ممتد لعشرات الكيلومترات والذي كان يشكل حاجز أمنيا وحائط صد للمحافظة.

قاتل أبناء الجوف دفاعا عن وطنهم وبلدهم في جبهات عدة، ودفعوا ثمن ذلك النضال أبطال كبار من أبرز الزعامات القبلية والسياسية في المحافظة، وكانت القيادات السياسية والمجتمعة في مقدمة صفوف القتال، حتى في تلك المحاولات الأخير لمنع سقوطها بيد الميلشيات من جديد في مطلع العام 2020.

ومنذ عامين من سيطرة الميلشيات على محافظة الجوف لم تتوقف القبائل عن القتال ضد الميلشيات فغالبيتها انضمت الى صفوف قوات الجيش الوطني في مأرب تعسكر من أجل استعادة المحافظة والدفاع على مأرب من هجمات الحوثيين.

لقبائل محافظة الجوف ملحمة وطنية طويلة في القتال ضد ميلشيات الحوثي، إنها قصة الشموخ العنيد الرافض للخضوع والذل، ومسيرة من سنين النضال الوطني بدأت قبل 18 عاماً، حيث بدأت أول معركة في العام 2006، وتوالت المعارك ومازالت للقصة بقية لم تنتهي بعد.



القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2021 م

الى الأعلى