عن الزمن و إذاعة هناااا لندن

عن الزمن و إذاعة  هناااا لندن

قبل أيام اغلقت إذاعة لندن الشهيرة القسم العربي.   الخبر كماترون عادي وعادي جدا في زحمة الاخبار الثقيلة فماذا يعني إغلاق إذاعة خاصة في زمن الفضائيات وتطور وسائل التواصل الاجتماعي.  مثله كخبر عن وفاة  الجد فلان عن عمر مائة وثلاثون عاما؛  لكن الخبر بالنسبة لي رفض ان يعبر على هذا الشكل، فقد استوقفني وكمان وكزني بقوة (بباكورة) عمي عبده وخوزران الايام ورمى بي إلى شعاب بعيدة وانتزعني من أرضية واقع هذا الزمان   المزروع شوك و(عرصم) و(مريرة) والملئية بالثعابين و(العلازق ) لا واختراعات متطورة للشر تفوق كل ماسبق ويعجز الشيطان عن زراعتها وهي حقول الألغام المبثوثة في طرقات المدن ومراعي الاغنام.

  وتصور سموها (حقول) مع ان الحقول توحي اول سماعها بالماء والخضرة والوجه الحسن يعني الحياة بأبهى واجمل صورها لكنها هنا (حقول) للموت والتسمية تأتي تكملة لمخزون الشر الإنساني وأمعان بالسخرية بحياة البشر  بصورة  يتبرأ منها الشيطان ذاته وعندنا في اليمن  زيادة ان هذه الحقول تزرع باسم الله وباسم الرسول صلى الله عليه وسلم.

لتصبح حقول الموت هذه  كوووم وهذا الافتراء على الله ورسوله الرحمة كوووم لحاله.

  نعود لإذاعة لندن وخبر اغلاقها الذي رمى بي من ارضية اليوم الأسود الذي أشرنا له اعلاه إلى اليوم الأبيض حيث  أرض الله وشعاب واهواب وووديان وسحابة ماطرة اشتاق إليها والى برقها اللامع وحنين رعودها الجالبة للحب والخضرة والبرود.

هناا لندن تسحبنا إلى  ملاعب الصبا وصور الأطفال و الرعاة في القرية وإلى  المدينة و زملاء الدراسة في  مدرسة ناصر الابتدائية ومديرها الصارم ( احمد ذياب) الله يرحمه ومن بعده( عبد الكريم المجاهد)وخوزرانته المخيفة ، وهي ايام جميلة ذات شجون فلكل منعطف فيها حكاية ولكل ميدان قصة وصورة وصوت وشجن وذكريات هي الأجمل.

 

إذاعة لندن هذه اخذت مكانها في الذاكرة من الابتدائية حتى الثانوية ومابعدها  تقريبا

وتحولت إلى مفردة يومية لليمنيين الطلاب والمدرسين والمثقفين والعمال والمزارعين..الخ  كل يتابعها بنكهته الخاصة وبعيدا عن حكاية بريطانيا والإستعمار استطاعت مهنية الإذاعة ان تكسب ثقة المستمعين العرب في المدينة والرياضة.

  كان (سيف القمعري) الله يرحمه وهو  احد رجالات القرية ومن ادباء الاهازيج  الزراعية  مدمنا على (دندن) كعادة الكثير ممن يمتلكون الراديوا( دندن )هكذا كان يسميها وعندما كان( يكارح) على قضية ما ليمرر قوله   وحتى  يسكت خصمه ماعليه الا ان يرفع صوته مؤكدا :يابني اللي اقوله هذا جاء باذاعة( دندن) وهذا (افحام) كافي للخصم

كان هناك مذيعيين عمالقة يرسموا الخبر رسمة تشكيلية بالصوت والنبرة ومخارج الحروف وإتقان اللغة العربية من لايعرف. الليبي ( محمد مصطفى رمضان)  المذيع المدوي صوته عبر الاثير

وعبر إذاعة لندن عرفنا احداث كثيرة منها على سبيل المثال اغتيال المذيع محمد مصطفى رمضان نفسه  لقد تم   اغتياله  وحزن عليه الكثير وحينها تحدثوا ان الحادثة  كانت  تصفية  سياسية من قبل زعيم عربي. كان كعادة العرب  مبدعين  في متابعة المعارضين وتصفيتهم حتى ولو كانوا في عين الشمس  كان هذا الاغتيال في لندن للمواطن عربي و عبر إذاعة لندن  عرفنا خبر إغتيال رئيس الوزراء اليمني عبد الله الحجري بعد اشهر من اعتزال الرئيس الإرياني ومجيء الرئيس ابراهيم الحمدي رحمهم الله جميعا وكل هؤلاء سمع الناس خبرهم من  إذاعة لندن اولا؛ وعملت لهم خبر وتحاليل وقبلهم اغتيال النعمان الابن محمد احمد نعمان كان حينها ان لم تخني الذاكرة وزيرا للخارجية اغتيل في بيروت وهناك احداث مشابهة مثل خبر  سقوط الطائرة اليمنية الجنوبية وعلى متنها  كوكبة من القادة الجنوبين.

 وحدها إذاعة لندن كان المنبر الذي يذيع ويحلل ويضع استفهامات حول اخبار محلية واقليمية ودولية بمهنية ملونة بحرفية على طريقتهم لتصل إلى كل قرية وحارة.

وعند الاحداث المهمة كانت أبناء القرية تتجمع في بيت أحدهم ليسمعوا الخبر تحديدا من إذاعة لندن  ثم يأخذوا القهوة والمداعة ويبدؤا  في التحليلات حيث اليمني سياسي بطبعه وكان لإذاعة دندن أو لندن  دور في التوعية  والحراك السياسي   بتلقينها الذكي ومهنيتها العالية والتي ارتبطت بيوميات الناس وذاكرتهم .

 

هناااا لندن

يقرأ النشرة على حضراتكم (ماجد سرحان) هذا كان العملاق التالي لرمضان ومعه آخرون امتسحوا من الذاكرة منهم المذيعة سهام الكرمي

في إحدى الصباحيات  كانت المدرسة تفتح قبل الطابور نشرة اخبار السابعة بالمكرفون  وتصور انت محمد مصطفى رمضان وبالمكرفون  وهو يزمجر بالخبر التالي:

توفى  اليوم في باكستان مولانا العلامة ابو الأعلى المودودي مازال الخبر مجلجلا  بصوت متهدج حزين في ذاكرتي و مازال منقوشا في اذني لا أدري هل المهنية ام رمضان كان محبا للمودودي لم أكن أعلم من المودودي حينها  لكن اسمه ظل مدويا بصوت هنااا لندن ومحمد رمضان .

والمودودي هذا  هو احد علماء باكستان ومؤسس  الجماعة الإسلامية ولديه كتب شهيرة وبعضها مثيرة للجدل .

لم تكن نشرة الاخبار  وجودت المذيع مايميز إذاعة لندن القسم العربي فقد كان هناك برامج شيقة فنية و رياضية وادبية وكلها لها جمهور واسع عند الناطقين بالعربية منها البرنامج الأدبي الشهير ( قول على قول )

اعداد وتقديم الاديب الشهير حسن الكرمي  وكان يبدأ سألني فلان ...من مدينة .....،

عن  من القائل وما المناسبة ؟

ثم يورد بيت السائل التي هي بيت شعري ثم يقوم  بذكر الشاعر وحياته  وتفصيل المناسبة وباسلوب راقي وصوت جذاب كان التقديم وحده  قطعة أدبية وفنية جميلة وكان للبرنامج شعبية كبيرة  وساهم في صقل الذائقة الأدبية. 

كان حسن الكرمي يطوف  بالمستمعين في برنامجه البلدان والازمنة والمناسبات المختلفة  وقصة يزيدها  تفاصيل ثرية  وهوامش مدهشة إلى درجة ان البعض حفظ الكثير من ابيات الشعر  من خلال برنامج قول على قول 

ومع انني أجد صعوبة في حفظ الشعر الا انني حفظت ابيات شعرية وعرفت الكثير من  الشعراء والمناسبات من خلال الكرمي  وبقى صوت حسن الكرمي يرن ومعه يرن الزمان والمكان وتتماوج الذكريات.

اذكر على سبيل المثال

سألني ...... من القائل وما المناسبة ؟

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى

                               وصوت انسان فكدت اطير

ومن القائل وما المناسبة

اوردها  سعد وسعد مشتمل

                  ما هكذا ياسعد تورد الإبل

وهكذااستمر  لسنوات صديقا للناس ونديما لعشاق الأدب   وتحول البرنامج إلى كتاب أدبي مهم هو

(قول على  قول)  بمجموعة مجلدات من انفس الكتب الأدبية و لاتخلو منه مكتبة اي مهتم بالادب العربي.

هناااالندن

الصوت الذي كان يملأ الآفاق سكت وشاخ وتلاشى وغاب

وماكان لأحد حينها يتصور ان  يصحوا ذات صباح من دون هنااا لندن مع قهوة الصباح .

فلا احد يبقى بعيدا عن التغيير وعوامل التعرية ومكر الايام

أو كما كانت أمي الله يرحمها تنطق حكمتها بعبرة حزن

يابني:

الأرض تحول وابن ادم يزول

ولا يبقى الا وجه الله.

 

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2021 م

الى الأعلى