الفسيل.. آخر شهود الثورة

الفسيل.. آخر شهود الثورة

برحيل الأستاذ محمد عبدالله الفسيل الذي ولد عام 1926؛ تكون الثورة الجمهورية قد فقدت آخر شاهد من شهودها الذين عاشوها بكل تفاصيلها منذ حراكها الأول إلى أن استوت على جوديها في سبتمبر 1962، بل وعاشوا أيضا التداعيات المختلفة التي شهدتها هذه الثورة حتى اليوم.

ولعل أبرز ما يميز الرجل في سرديته الثورية أنه كان أحد تلاميذ الأستاذ أحمد بن حسن الحورش أبرز الوجوه الفاعلة للثورة الدستورية التي قامت عام 1948 وبفشلها فارق الأستاذ تلميذه النجيب، حيث سيق الأول إلى ساحة الإعدام، بينما سيق الثاني إلى معتقل القلعة في مدينة حجة ليدفن فيه سبع سنوات خضر من عمره الثوري.

ولهذه التلمذة أثر كبير في التكوين الفكري للفسيل، حيث عملت على إحداث تغيير جذري في قناعاته الفكرية، ووقفت به على سوانح الفكر التحرري، التي كانت أفكار الشيخ الأزهري محمد عبده، ومؤلفات محمد رشيد رضا، وجمال الدين الأفغاني، وعبدالرحمن الكواكبي أبرز التجليات الفكرية التي أذهلت التلميذ، وأرته مفترق الطريق بين مرحلة وأخرى تالية لها، وكانت نتيجتها على المستوى الشخصي للرجل أن أفضت به قراءاته لهؤلاء إلى إعادة تشكيل وعيه، والبحث عن فضاءات فكرية واسعة، وقد كان الأستاذ  الحورش واسطة هذه القراءات وصانع هذا التحول الفكري وحاديه من ضيق الفكرة إلى رحابة الفكر ومن الاكتفاء بالتقليدي المتاح، إلى نهم شديد لكل تجليات المعرفة وإشراقات الثقافة، ليصبح الرجل إثر ذلك الثوريَّ المثقف، المؤمن حد اليقين بأن الوعي بواقع الحياة في سياقاته المختلفة لا يتأتى إلا بأمرين: تأمل نافذ في مجريات الواقع، وجعل القراءة خبزا يوميا لا يمكن الاستغناء عنه، ولم يكن اختياره قارئا لبيان الثورة الأول فيما بعد إلا استحقاقا لهذا الجهد، واعترافا بمكانة الرجل الفكرية والثقافية.

ومما يميز الرجل أيضا أنه كان من الأصوات التي رفعت عقيرتها مصححة لمسيرة الثورة، ومنددة بالاستغلال الذي رافق سنيها الأولى، من قبل أسماء رأت في الثورة طريقا للثروة، فوقف مع الأستاذ الزبيري في منافحته عن قيم الثورة، وخرج معه إلى برط، وظل في كل المواقع والوظائف التي شغلها فيما بعد سواء الدبلوماسية منها أو الحكومية أو التشريعية مخلصا لمبادئ غرسها الحورش، وتعهدتها سنوات الكفاح بالري والهواء حتى صارت عقيدة راسخة رسوخ الجبال، ضمّنها عدد من مؤلفاته القيمة التي منها كتابه: كيف نفهم القضية اليمنية، وكتابه اليمن داؤها ودواؤها.

 

وإذا كان الفسيل قد عرف خلال عقود طويلة من الزمن ثائرا شجاعا، وسياسيا حادا؛ فإن من الجوانب المهمة التي طمرتها شهرته الثورية والسياسية كونه أديبا، بل وشاعرا رشيق العبارة غزير المعنى، وله ديوان مطبوع، تقول بعض قصائده:

وطنٌ ذابَ في الطغاة بنوهُ

وتلاشى في الظالمين وجودهْ

أثخنته الجراح بين يدي الجلا

دِ فانقادَ في يدي مَن يقودُهْ

ألهبت ظهره السياط وعاقتْـ

ـهُ عن الخطو والوثوب قيودُه

وفي مقطوعة غزلية بعنوان (ذكرى عرس) يختلط فيها شجن العاشق بذكريات الثائر فيغني:

ودنوتُ أستجلي الجمالَ.. وقلتُ أهلا بالجميلهْ

فاحمرّ خداها حياءً.. وهي باسمةٌ خجولهْ

ورنتْ إليّ فراعني في وجهِـها طهرُ الطفولهْ

وخشيتُ أن تحيا معي ذكرى معاناتي الطويلة.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2021 م

الى الأعلى