خرافة الغدير.. من تهافت النشأة إلى الإفساد في الأرض

خرافة الغدير.. من تهافت النشأة إلى الإفساد في الأرض

مدخل: عقدة سراقة

منظومة الرفض الكسروية التي نشأت لدى الإقطاعية الفارسية التي امتلأت نفوسها حقدا ضد الرسالة الخاتمة - رسولا، ومرجعية وصحابة وأمة الإسلام.

ويرى بعض المؤرخين أن الأحقاد السوداء التي حملتها منظومة الرفض الكسروية تعود نشأتها إلى اللحظة التي نفذ فيها الخليفة الراشد الفاروق رضي الله عنه وعد النبي صلى الله عليه وسلم لسراقة بأنه سيلبس سواري كسرى، مؤكدا أن "حادثة تسوير سراقة" كانت أشد وطأة على منظومة الرفض الكسروية المنهزمة عسكريا.

منظومة الرفض الكسروية، وبما تمتلكه من خبرات متراكمة ثقافيا وسياسيا واجتماعيا وحضاريا، استطاعت توظيف حادثة تسوير سراقة، بل وتحويلها إلى فزاعة تنظيمية رمزية ثقافية مستفزة للوجدان الإقطاعي الفارسي وترسيخا للحقد المجوسي الإمبراطوري الكسروي، المختزل بذكاء ومهارة تحت مفهوم "عقدة سراقة".

مفكرون وفقهاء كبار، قديما وحديثا، تميزوا بالإنصاف والموضوعية، قالوا: كل الفرق الإسلامية نشأت من داخل الإسلام، أي أن توجهاتهم الفكرية نشأت من خلال فهمهم للنصوص، عدا منظومة الرفض الكسروية (الروافض) فإنها جاءت من خارج الإسلام، واعتنقت الإسلام، ولديها برنامج متكامل: مفاهيم، ومبادئ، وأهداف، ووسائل، لضرب الإسلام وهدمه من الداخل باسم الإسلام، بدأ بإفساد الواقع السياسي (اغتيال 3 من الخلفاء الراشدين نموذجا)، وكتابة التاريخ مبكرا بهدف إرباك الثقافة الإسلامية مستقبلا، وصولا إلى تدمير أمة الإسلام، إفسادا مهلكا للحرث والنسل.

والحديث يطول وذو شجون، لكننا سنتحدث حول خرافة الغدير في المحاور التالية.

أولا، نشأة خرافة الغدير:

لا شك أن منظومة الرفض الكسروية قد وظفت مخزونها الفكري والثقافي الفارسي الإمبراطوري المتراكم - خبرات ما يزيد على 1200عام تقريبا، امتزجت فيها ثقافات مختلفة، أبرزها:
- التصوف الهندي الفلسفي الخرافي.
- فلسفة اليونان المختلطة بفلسفة حِرّان بالشام، وفلسفات الهيليين، فتولد منها فلسفة الهيلينستية الفارسية الخرافية.
- ثقافة عنصرية اليهود - أبناء الله وأحباؤه.
- تثليث البابوية المسيحية.
-الثقافة المجوسية الفارسية - عبادة النار.
- ثقافة الإمبراطوية الكسروية.

كانت تلكم الثقافات هي منطلق منظومة الرفض الكسروية، تنطلق منه، وإليه تعود، تستمد التغذية الراجعة من جهة، وبلورة توجهات مواكبة للمستجدات والمواقف والتحولات الفكرية والثقافية والسياسية لدولة الإسلام، وذلك على النحو التالي:
1- خلق الطائفية وتكريسها باسم الدين:
- يقرر فلاسفة الاجتماع أن الطائفية أخطر وسيلة لتمزيق الدولة والمجتمع، في حين أن بقية العوامل تحتل المركز الأدنى كالمذهبية والقبلية... إلخ.

الأشد خطورة:
الأشد خطورة هو أن فكرة الطائفية منذ النشأة لديها هدف محدد طويل الأمد - هدف تصعيد الطائفة وإحلالها محل الأمة، وتحويل الأمة الواسعة إلى طائفة مهمشة.. وسيلة التطييف الأولى يوضحها الموقف التالي.

2- نشأة خرافة الغدير: يتفق المؤرخون أن الحسين بن علي تلقى ما يزيد عن 100 رسالة من أناس بالكوفة أن يحضر إليهم لمبايعته، فحضر، واصطدم بجيش الدولة.

3- المفاجأة الكبرى: فوجئ الحسين بأن كثيرا ممن كتبوا إليه قد انخرطوا في جيش الدولة.. لوّح إليهم برسائلهم بالاسم فأنكروا.

4- حضور منظومة الرفض الكسروي: لا شك أن منظومة الرفض التي خططت لاغتيال الخلفاء الثلاثة نجحت في استدعاء الحسين فكان مصيره القتل.. لقد نجحت المنظومة في حفر وهدة السقوط المتمثل في مفهوم "التطييف - الطائفية" سياسة وسلوكا.

5- الحسين، وليس علي: لحظة التحول نحو التطييف بدأت من تحويل الحديث حول الحسين، وإغفال نسبي للحديث عن علي.

التحول الرمزي -شخصيا وثقافيا- يعتبر أخطر الخطوات في ترسيخ الطائفية، حسب علماء الاجتماع.

الجدير ذكره أن خطورة التحول الرمزي الآنف ناجم عن خبرة وتراكم ثقافي فارسي غير عادي.

وللمزيد نحيل القارئ إلى كتابات علي شريعتي، وهو إيراني معروف، سيجد حديثا علميا واسعا يحلل بدقة عجيبة خطورة التطييف - أساليب ووسائل وأهداف... إلخ.

6- إلهاب العواطف تجاه أبناء النبي: لا شك أننا إزاء مهارة ثقافية عالية -فن التوظيف- لعدة أسباب، أبرزها تجديد الحقد داخل المجتمع المسلم وتوسيع الشرخ باسم الدين.

7- تكريس العبث بالوجدان الجمعي: إن هناك استلابا لحقوق آل بيت النبي وأولاده، وإن هناك هتكا لحرمات الدين والاعتقاد في مقام النبي وأبنائه.

نشأة الروايات:
إمعانا في تكريس الطائفية، وتحديدا بمقتل الحسين عام 64 هجرية، اتجهت منظومة الرفض الكسروية إلى كتابة التاريخ - تزوير التاريخ.. لقد استمرت عملية تزوير التاريخ من عام 64 هجرية وحتى بعد عام 150 هجرية.. أي قرابة 86 عاما، وقد بلغ عدد الكتب المزورة أكثر من 400 مجلد، حسب إحصائية أطروحة دكتوراه للباحث عبد العزيز نور ولي بإشراف البرفسور المؤرخ المحقق العراقي الدكتور أكرم ضياء العمري، رحمه الله.

موضوعات الكتب:
سعيا إلى إقناع القارئ القادم الذي لا يعلم شيئا عن التاريخ، فقد تضمنت الكتب المزورة موضوعات مكررة بدءا من خرافة وغدير خم وبيعة أبي بكر، وتقديم صورة مشوهة للصحابة.

والردة التي شملت الجزيرة العربية، بما فيها أهل المدينة، عدا بيوتات قليلة، والافتراء على الفاروق أن بيعة أبي بكر كانت فلتة، ثم فضائل علي تكررت حتى بلغت قرابة 1000 رواية ومنها الحق الإلهي في الحكم لعلي والبطنين والخلفاءالـ12 من قريش، وإحراق بيت فاطمة وكسر ضلعها، وسيادة شباب الجنة للحسن والحسين، ولعن عثمان، وتزوير 100 جريمة مختلفة وإلصاقها بالخليفة عثمان، واستغلال وتوظيف مصطلح "أهل البيت" بعد العجز عن تحريف القرآن اتجه تزوير الروايات إلى تحويل المصطلح من "أهل" إلى "آل".

8- المفهوم المحوري: الشعار المحوري للتزوير كان "ما عليه أهل السنة مذهبنا خلافه".

- القرآن هو المرجع الكلي لبناء الأمة، فليكن التزوير البديل هو الروايات المسندة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها تفسير للقرآن.

- مقام الرسول صلى الله عليه وسلم معظم، وهو متبع للقرآن بنص القرآن، فاتجه التزوير إلى إلصاق السلالية والعنصرية بالرسول صلى الله عليه وسلم، وتقديم الرسول أنه يخالف مبادئ القرآن ومقاصده.

9- تشويه مقام الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه لا يحكم بالعدل.

خرافة الغدير نموذجا، فالصحابة اشتكوا بعلي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه أخذ من المال.... إلخ، فكانت النتيجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كافأ عليا بأن رد على الشاكي قائلا إن لعلي حق أكثر مما أخذ.

لم يكتف الرسول بذلك وإنما سأل الشاكي: أتكره عليا؟ أجاب الشاكي: نعم، فقال له الرسول: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِي من والاه وعادي من عاداه.

- لم يكتف الرسول بما سبق بل جعله صاحب الحق الإلهي في الحكم والوصي من بعده.

باختصار، مهما صح سند رواية خرافة الغدير وغيرها، فإنها غير مقبولة منا، ذلك أنه من المقرر في علم الحديث باتفاق علماء الحديث أنه لا تلازم بين صحة السند والمتن، فليس كل ما صح سنده صحيح معناه، وهذا متفق عليه عند المحدثين والفقهاء والأصوليين من جميع المذاهب.

خرافة الغدير وما يتصل بها، لا تصح ولا قبول لها لأنها خالفت مبادئ القرآن التي قررت أن مصدر الشرعية السياسية هو الأمة عبر مبدأ الشورى.

- لأنها أساءت إلى مقام الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يخالف القرآن وأنه غير ملتزم بكتاب الله.

- خرافة الغدير وغيرها من الروايات تطعن في مقام الصحابة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.

- أنها خالفت القيم الكونية التي قررها القرآن وهي العدل والمساواة والقيام بالقسط.

- أنها تكرس السلالية والعنصرية والطبقية وهذا مخالف لصريح القرآن.

الخلاصة: تاريخ نشأة خرافة الغدير:

- خرافة الغدير والروايات المكرسة للسلالية والعنصرية قد نشأت بفعل منظومة الرفض الكسروية.

- جاء عصر التدوين للتاريخ فلم يجد المؤرخون غير ما قدمته منظومة الرفض، فنقلوا بلا وعي.

- تزوير منظومة الرفض اشتمل على تاريخ العهد الراشدي بما في ذلك حرب الجمل وصفين ومقتل الحسين واختلاق اللعن بين الصحابة - فريق علي وفريق معاوية... إلخ.

ثانيا، أهداف خرافة الغدير:

نماذج من الواقع اليمني:

1- إسقاط مقدسات الإسلام، وهدمها وانتهاكها بدءا من هدم مقاصد الشريعة المتمثلة في حماية الدين والنفس والعرض والعقل والمال والحرية.

والواقع طافح بالشواهد الإجرامية -حربا على الدين- تطييفا بالقوة، وسحق الشعب بالصواريخ المحرمة دوليا، وحصار ملايين البشر في تعز، وتجنيد الأطفال وابتزاز النساء.

ورحم الله البردوني إذ قال:
أنا لم أقل كل أوزارها
تنزه قولي وعف الفمُ
وآثامها لم تسعها اللغات
ولم يحوِ تصويرها ملهَمُ

2- صناعة كائنات دينية: تسطيح العقول وتمييع المفاهيم وحشو الأذهان بالخرافات، إجرام متوارث من عهد منظومة الرفض الكسروية وانتهاء بكائنات الكهوف وقطعان المليشيا.

إن مليشيا الإرهاب السلالية التي تكرس العنصرية تريد تحويل المجتمع إلى كائنات دينية غريبة لا تعي ولا تعقل ولا تفهم ولا تفكر لكي تتمكن من استحمار المجتمع وامتهان كرامته.

3- التطييف والتمزيق: إحلال الطائفة محل الأمة، مهما تضاءل عدد الطائفة، وتحويل الأمة إلى طائفة، وهذا الفعل أسوأ وأخطر أنواع التمزيق.

4- التحكم على الشعوب: روايات خرافة الآل والغدير والقرشية وما يتصل بها هدفها امتطاء الشعوب وحكمها، ونهب ثرواتها، وفوق ذلك تفرض استعبادها على وجدان وقلوب ومشاعر الجماهير باسم الدين.

5- هدم الإسلام باسم الإسلام: فقهاء كبار اختلفت عباراتهم لفظا، لكنها اتفقت على مفهوم خطير جدا جدا وهو: إذا أردت أن تهدم أمة: عقيدة، أو فكريا، أو سياسيا، أو ثقافيا، أو اجتماعيا، فما عليك إلا أن تختار أهدافك وتحددها مهما كانت منحرفة أو شاذة، فقط غلفها بغلاف ديني ذكي وستجد رواجا غير عادي.

قلت: لا شك أن أولئك الفقهاء قد تشبعوا بالتاريخ الرافضي ثم خرجوا بذلك المفهوم الخطير.

6- الفساد المهلك للحرث والنسل في سبيل نزوات التسلط.. الوطن اليمني، سوريا، العراق، دلائل صارخة والتاريخ طافح بالفساد والإفساد.

الرسية في اليمن طيلة 1000 عام حولت اليمن بحرا من الدماء.

ثالثا، أفق الخروج:

نادينا مرارا ونادى قبلنا ومعنا كتاب ومفكرون كبار مطالبين بتحصين الأمة وذلك من خلال بناء منهج مقاصدي واضح مبسط انطلاقا من المنهج الأصولي المقاصدي الذي دفنه التاريخ، وهمشته المدارس الشرعية والجامعات، وتكوين الجيل القادم وفق المنهج الأصولي المقاصدي الحيوي المشرق الإنساني الحضاري، إنه منهج متين تكتنز فيه كل القيم الكونية والخلقية والإنسانية والسنن الحاكمة للاجتماع وسنن النهوض الحضاري وسنن فاعلية المجتمع وتجديد الخطاب الإسلامي وكسر طوق الأزمة التي كبلت الخطاب الإسلامي والذي لا زال يتأرجح تحت ضربات الموروث المربك الذي خيم على العقل المسلم من وقت مبكر.


*الإصلاح نت

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2021 م

الى الأعلى