محمد قحطان.. وطن خلف القضبان

محمد قحطان.. وطن خلف القضبان



عامان على اعتقال الأستاذ محمد قحطان.. مرا وكأنّهما نصف قرن من الألم، ليس فقط عليه داخل معتقله، وإنما على وطن مذبوح من الوريد إلى الوريد.. وطن مثَّلَهُ هذا الرابض هناك خلف ليل المعتقل أصدق تمثيل.. في ثورته.. ثم في حواره.. ثم في ألمه الباذخ النبيل خلف القضبان..


قحطان نسيج وحده موقفاً وسياسة وتماهيا في حب الوطن.. ورغم أنه ينتمي لجيل عريض من السياسيين البرجماتيين في مختلف الأطياف السياسية إلا أنه متفرّد عن كل هؤلاء في أنه قحطان المبدأ والموقف.. واضح في تعامله مع مختلف الفرقاء السياسيين.. لا يحب المداهنة، ولا يميل إلى المخادعة، ولا يتّخذ ممن يخالفه الرأي موقفا حديا.. ففي كل معترك سياسي أو فكري تبرز خصوصية قحطان في وضع هامش حي من التواصل والتعايش والإيمان بأن ما يجمع أكثر مما يفرّق، وبأنَّ الوطنية سمة جامعة.. وإن عّبر عنها البعض بشكل فج وعنيف.


وعلى مدار أكثر من عقدين من الزمن كان قحطان سياسيا محنّكا يمد جسور التواصل حتى مع أولئك الذين فقدوا شرف الخصومة، فاتّخذوا من السياسة دكانا لبيع المبادئ، وراحوا يعيشون بعقليات منغلقة لم تستطع مغادرة دائرة الخصومة إلى فضاء الوطن.. وفي سبيل ذلك واجه حملات منظّمة من التشويه، وقيل فيه مالم يقله مالك في الخمر..


في تجربته البرلمانية كان الوطن حاضرا.. وكان يرى بأنَّ سماء الوطن أكبر من خيام الأحزاب وأعلى من قبة البرلمان.. وشهدت أنشطته المختلفة داخل مجلس النواب نموذجا فذا من القيم والمبادئ.. إذا أيّد أيّد للوطن.. وإن عارض عارض للوطن.. وإن أبدى موقفا ما من قضية ما فلأن حبه الصادق للوطن ورؤيته العميقة للأحداث أملت على ذلك..


ومن المهم الإشارة إلى أنَّ قحطان هو صاحب فكرة مجلس تنسيق المعارضة الذي تطوّر فيما بعد إلى كيان سياسي عُرف باللقاء المشترك.. لقد أدرك مبكّرا أن المعارضة اليمنية رغم طولها وعرضها إلا أنها ضعيفة، ومشتّتة، ولا تكاد تبين.. وأنَّها لكي تصبح صوتا مسموعا، وسوطا مؤثرا لا مفرَّ من التقاء ينابيعها كي تصبح جدولا هدارا، فسعى إلى لملمتها، ودعا إلى تأسيس مجلس تنسيق المعارضة كلبنة أولى صحيحة في هذا الطريق، ثم كان له مع الشهيد جار الله عمر وعدد من قادات أحزاب المعارضة دور في التوصّل إلى صيغة سياسية جامعة مانعة هو اللقاء المشترك..


وفي إطار هذا الكيان الموحّد سعى قحطان إلى إبراز المشترك الوطني بين أحزاب المعارضة، وإلى إزالة جليد القطيعة الذي صنعته عقود من العداء المفتعل بين إخوة ينتمون لوطن واحد، ولدين واحد، ولأهداف واحدة وإن اختلفت طرق صياغتها، وقد نجح مع بعض رفاقه إلى حد كبير في إظهار قيادات المعارضة منتظمة متماسكة، تصدر عن موقف واحد، وتنظر إلى الأحداث برؤية موحّدة وإن اختلفت في بعض التفاصيل.. وهي خطوة جبارة وعظيمة لو تُركت تتنامى بذلك الدفق لانعكست على القواعد بما يجمع ويوحّد ويقوي من شكيمة المعارضة ككل، وكلُّ ذلك مثّل هاجساً مقلقا ومؤرّقا للسلطة التي رأت في المعارضة كيانا متناميا سيكون له شأنه، وخاصة بعد الانتخابات الرئاسية التي جرت في 2006 والتي حطّمت فيها أحزاب المعارضة جدار الخوف، وقدّمت منافسا حقيقيا للرئاسة أجمعت عليه مختلف القوى السياسية.. ألا وهو الأستاذ فيصل بن شملان رحمه الله.. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الدعاية السياسية للمعارضة في هذه الانتخابات كانت أشبه بمحاكمات شعبية ميدانية، عرّت النظام، وكشفت كثيرا من مفاسدة، وأوضحت مدى كذبه وخداعه، وقد ساعدها النظام في ذلك من حيث لا يدري حين راح يعلن عن الكهرباء النووية والسكة الحديدية وتوظيف الشاب وأنهار السمن والعسل.


أحداث سياسية كثيرة مرت في العقد الأخير.. كان المشهد فيها يبدو مضطربا، وكانت السلطة بين الحين والآخر تطلق بالوناتها في الهواء سعيا في إلهاء المعارضة، وقد نجحت في ذلك إلى حد بعيد.. غير أنَّ كوكبة من السياسيين المعارضين كانوا يدركون ذلك، ويكشفونه للناس.. وكان منهم محمد قحطان.


ولعل ثورة فبراير 2011 كانت المحطة الأهم في تجربة قحطان السياسية، حيث برز فيها قارئا واعيا للأحداث، ومحللا عقلانيا للتطورات المتسارعة، وقد أشار في كثير من حواراته الإعلامية المختلفة إلى المحاذير والأخطار التي تترصّد الثورة، وتسعى إلى حرفها عن مسارها الصحيح، وتحويلها إلى ساحة صراع يديرها تجار الحروب في الداخل والخارج.. وهاهي ذي الأيام تكشف عن صدق كثير من تلك التنبؤات..


وفي مؤتمر الحوار كان قحطان صديق الجميع.. منفتحا على مختلف التوجهات داخل المؤتمر.. مؤمنا بالتنوع.. ساعيا في بلورة موقف عام يحضر فيه الجميع، وتلتقي في مختلف الآراء، مؤكدا غير مرة أن الجميع لكي يروا الوطن بجلاله وعظمته ينبغي أن يخرجوا من قوقعات الحزبية الضيقة، وكان كرجل سلام يسعى في إذابة التشنجات والمواقف الحدية التي تنتج عن تعدد الرؤى داخل المؤتمر، ويشهد كثير من أعضاء مؤتمر الحوار أنَّ محمد قحطان كان بجاذبيته وعقلانية طرحه وإنسانيته المتدفقة أبا وأخا للجميع وأنه محل اتفاق.


وتمضى الأحداث متسارعة على نحو مغاير لما سعى إليه مؤتمر الحوار، ويقف محمد قحطان محذرا من الانتفاشة الساعية لإسقاط الدولة، كاشفا عن خيوط لعبة كبيرة تسعى لتقويض إجماع اليمنيين، وتتسارع وتيرة الأحداث ليجد أساطين السياسة على الساحة اليمنية أنفسهم بين خيارات متعدّدة: خيار الوقوف مع الوطن، وخيار المداهنة لمن اختطفو الوطن، وخيار الهروب بعيدا عن الأحداث، خاصة مع التطورات الصادمة التي مكّنت لقوى الانقلاب في مختلف مفاصل الدولة مدنيا وعسكريا، وأظهرتها بتلك القوة الجارفة.. لكنَّ قحطان هو قحطان.. الباحث عن سماء الوطن ومظلة الشرعية وما تبقى من دولة ووفق هذا المثلث الموقفى كانت تحرُّكاته على نحو من العمل السياسي السلمي والمشروع لكنَّ قوى الانقلاب ضاقت به ذدرا فوضعته تحت الإقامة الجبرية في 24 فبراير 2015، ثم بدا لهم أن يسجنوه.


ولقد كان اعتقال قحطان هدفا لقوى الانقلاب في الداخل، بل ومن أهم ما اجتمعوا عليه، كما كان هدفا لقوى خارجية، ترى في الصوت الإسلامي خطرا على مصالحها، غير أنَّ قحطان لا يزال يعمل حتى وهو في سجنه، إنه حاضر في وعي الشعب.. وما حركة التضامن الواسعة التي شهدتها الفترة الأخيرة في الأوساط السياسية والفكرية والشبابية بل وحتى في أوساط الدبلوماسية العربية إلا دليل على أنَّ أثر قحطان أكبر من أن تحدّه زنزانة ضيقة، ولقد خسر الجميع من اعتقاله حتى أطراف الانقلاب أنفسهم حين أظهروا أنفسهم بهذه الحدية مع مفكر سياسي لا يحمل غير صوته وقلمه.


 

اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى