رؤية الإصلاح لمفهوم الدولة.. من عوامل النضوج إلى تحديد قواعد العمل السياسي

رؤية الإصلاح لمفهوم الدولة.. من عوامل النضوج إلى تحديد قواعد العمل السياسي

يحتل مفهوم الدولة أهمية خاصة في أدبيات التجمع اليمني للإصلاح باعتبار ذلك الأساس الذي تستند عليه العملية السياسية، وبنفس الوقت يقتضي إرساء قواعد متفق عليها تفصل بين وظيفة الدولة ومهام السلطة وتحيّد المؤسسات السيادية عن التنافس السياسي، فمفهوم الدولة يحيلنا إلى قواعد العملية السياسية التي تحكم النظام السياسي العام للمجتمع، وما يستتبع ذلك من محددات أخرى مثل ضمان النظام العام والأمن لتمدين التعايش الجماعي وحفظ الحقوق والممتلكات وضمان العيش الكريم والحقوق الأساسية لجميع المواطنين.

وفي الندوة التي أقامها مركز دراسات الإسلام والشؤون الدولية في تركيا، الثلاثاء الماضي، بعنوان "دراسة تجارب الحركات الإسلامية في السياسة والحكم.. نظرة نقدية والدروس المستفادة"، قدم نائب رئيس الدائرة الإعلامية للتجمع اليمني للإصلاح، عدنان العديني، ورقة لخص فيها رؤية التجمع اليمني للإصلاح لمفهوم الدولة، مستعرضا العوامل التي ساهمت في نضوج تلك الرؤية، وتفريق الإصلاح بين الدولة والسلطة، وتحديد الشروط الضرورية للدولة اليمنية وتحقيق وجودها واستقرارها.


- عوامل نضوج رؤية الإصلاح لمفهوم الدولة

إن التجربة السياسية للتجمع اليمني للإصلاح مكنته من الإدراك المبكر للنشأة المأزومة أو المختلة للدولة اليمنية التي بدأت منذ عقود في عهد الإمامة السلالية العنصرية، وبحسب ورقة الأستاذ عدنان العديني التي لخص فيها رؤية "الإصلاح" لمفهوم الدولة، فإن الرؤية السياسية ليست على الدوام أمرا ناجزا ومعطى أوليا يسبق التجارب العملية، بل يمكن لها أن تتشكل وتنضج في خضم تجربة عملية، تقوم بإثراء العملية السياسية باستمرار، وتنيرها بما لم يكن مطروحا مسبقا كنظرية.

وهناك العديد من العوامل التي ساهمت في نضوج رؤية حزب الإصلاح لمفهوم الدولة، والتي من أهمها -وفقا لورقة العديني- أن العناصر التي ستشكل الإصلاح لاحقا، خاضت معركتها الأكثر عمقا ضد الإمامة عبر تموضعها داخل النظام الاجتماعي، وفي مفاصله المهمة، فالإمامة لم تكن نظاما سياسيا وحسب، تقوده أسرة حاكمة تنتهي بسقوط السلطة، بل كانت تضم أشياء أخرى مكنتها من الاستمرار طويلا داخل بلادنا المغدور بها، وكانت الإمامة قد أتقنت تموضعها داخل بنية المجتمع، وبالتحديد في قمته، فيما بقي كافة الشعب اليمني في مرتبة أدنى، داخل طبقية قسرية أريد لها أن تكون سجنا أبديا للإنسان اليمني، يبقى فيه منذورا لتقديم الخدمات لمن هم في القمة المحرمة عليه.

وبعد اندلاع ثورتي 26 سبتمبر 1962 و14 أكتوبر 1963، بقي الوضع السياسي دون المأمول، ولم يتسلم الشعب الحكم وفقا لأهداف الثورتين وغايتهما الكبرى، ثم ارتفعت القيود التي كانت مفروضة على النشاط السياسي بعد الإعلان عن إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، فظهرت أحزاب وقوى وتيارات كثيرة كان من بينها حزب الإصلاح، وأحدث التغيير الجديد وعيا في أذهان الناس، وبنفس الوقت كان له تأثير على التجربة السياسية لمختلف التيارات، وقد أسهم ذلك التحول في إنضاج رؤية الإصلاح لمفهوم الدولة، وكما يقول نائب رئيس الدائرة الإعلامية للإصلاح، عدنان العديني، فإنه بسبب تقليص الهامش الديمقراطي، تباعد الإصلاح عن المؤتمر، ولأجل تقويته تأسس تحالف اللقاء المشترك، الذي كان من أهم قضاياه "إصلاح قانون الانتخابات".

كما أنه بعد ميلاد أول برلمان بعد الوحدة، عبر الاقتراع الحر، حازت الدولة على الشرعية الدستورية الضرورية المعتمِدة على الإرادة الشعبية، وقلصت مساحة حركة الحزبين الحاكمين، وتحجيم مبررات الوصاية على الدولة، وهذا الوضع كان يصب في صالح حزب الإصلاح، الذي حولته أصوات الناخبين إلى قوة سياسية مؤثرة، وهو ما أسهم أيضا في إنضاج رؤية الإصلاح لمفهوم الدولة، وانحيازه الدائم إلى الدولة وشرعيتها التي مصدرها الشعب، واستناد عمله السياسي على التفريق بين السلطة والدولة، وعدم الخلط بينهما، تجنبا لتهميش المجتمع أو تهديد الدولة، وفق ما ورد في ورقة "العديني" حول رؤية الإصلاح لمفهوم الدولة.

- التفريق بين السلطة والدولة

من مظاهر أزمة العمل السياسي في اليمن الخلط بين السلطة والدولة من قِبَل الأنظمة الحاكمة وتسخير مؤسسات الدولة في أحيان كثيرة لصالح الطرف الحاكم وعدم تحييدها عن الصراع السياسي، ولذا، فإن العمل السياسي لحزب الإصلاح قام منذ البداية على التفريق بين السلطة والدولة، وعدم الخلط بينهما، تجنبا لتهميش المجتمع أو لتهديد الدولة، وهما المصيران اللذان رافقا التجربة السياسية اليمنية الحديثة، وكما يوضح "العديني" في ورقته، فإن الخلط الذي مصدره النخبة الحاكمة بالتأكيد سيُخرِج المجتمع من الحكم، وذلك بإلحاق الدولة بنخبتها الحاكمة، وتحويلها إلى أداة طيعة في يدها، فلا يبقى للمواطن قوة تضمن حقوقه، أو تحرسها من الاعتداءات، وهناك خلط آخر ومصدره هذه المرة جبهة المعارضة، حين تستخدم الاعتراض السياسي بطريقة خاطئة، ولا تكتفي بمعارضة السلطة والحكومات، بل تستهدف معها سلطة الدولة نفسها.

إن تمييز حزب الإصلاح المبكر بين الدولة وسلطة النخب الحاكمة سهل عليه التعامل مع السلطة بشكل مختلف، وبطريقة جديدة، ومكنه من الانتقال السلس بين السلطة والمعارضة، وجنبه خطأ القوى التي دمجت بينهما وجعلت منهما شيئا واحدا، وقد قادها مسلكها السياسي هذا إما إلى تهميش الدور السياسي للشعب، بل وإخراجه من معادلة الحكم بالكلية حينا، والسعي لتهديد الدولة وتقويضها حينا آخر.


- معارضة السلطة وليس الدولة

يشير عدنان العديني في ورقته عن مفهوم الدولة لدى الإصلاح إلى أن حزب الإصلاح عند خروجه الطوعي من السلطة إلى المعارضة، فقد اتجه لا لينتقم لنفسه، وإنما من أجل استكمال النقص الكبير في بنية النظام السياسي، والمؤثر بشكل واضح على الحياة العامة والعملية السياسية برمتها، أي أنه عمل كمعارض للسلطة وليس للدولة، وأعاد مواجهة السياسة المرفوضة من داخل نظام الدولة، الذي وكما يضمن للحاكم الأمر، والتوجيه، والإدارة للأجهزة الحكومية، فإنه بالقدر نفسه يضمن للمعارضة حق الاعتراض عليه، ورفضه، وكل ذلك بالاستناد إلى الشرعية نفسها، والتي مصدرها نظام الدولة العام والمرجعي، وهو أساس لا يجوز المساس به مهما كان الخلاف مع السلطة وحاكمها، وكتطبيق عملي لهذا الفهم لدور الدولة وعدم خلطها بدور الحاكم.

لقد كانت هناك اختلالات واضحة في النظام السياسي تقتضي إعادة إصلاحه وتصويب مساره، حيث كان لا يوجد في المشهد الكلي للبلد إلا السلطة، وغياب شبه كلي للمعارضة السياسية، التي تمثل الدعامة الثانية للنظام السياسي، والركيزة التي تبقي السلطة تحت الرقابة، وتمنعها من فعل ما يحلو لها، ثم إنه لأول مرة في تاريخ اليمن المعاصر تشهد الساحة السياسية ميلاد جبهة خاصة للمعارضة، تكسب نفسها شخصيتها الخاصة، والمحددة دستورا وقانونا، ومن خارج إرادة السلطة ورغباتها.

وفي هذا السياق، يلفت نائب رئيس الدائرة الإعلامية للإصلاح، عدنان العديني، في ورقته، إلى أن الإصلاح أصر على التوجه إلى المعارضة باعتبارها السبيل الأنسب والأقل كلفة لتمكين الدولة من القيام على ركيزتيها الأساسيتين: السلطة والمعارضة، اللتين تستمدان شرعيتهما من عموم المواطنين، وبإبقاء الانتخابات أداة الحسم بدلا من حمل السلاح، وبعث المناطقية، وإحياء المذهبية، كما جرت عادة المغادرين للسلطة، وهكذا سلك الإصلاح طريقا آخر لمواجهة السياسات التي تهدف لاحتكار السلطة، وتمكين رجالاتها القدرة على تولي المناصب، لأنهم قادرون على استخدام القوة العسكرية حين يرفضهم الشعب.

وفي هذا المسعى السياسي العام والطريق الوطني الجامع، يشير العديني إلى أن الإصلاح أنجز تحالفات عدة، أهمها وأكثرها حضورا تحالف اللقاء المشترك، الذي كان حينها هو الرد الوطني على مساعي تهميش القوة السياسية، والعودة لحسم الصراع السياسي عسكريا. وقد تشكل هذا التحالف من تيارات عدة، مثلت التوجهات الثلاثة (الإسلامي – اليساري – القومي)، ونظرا للخصومات القديمة بين هذه القوى، فقد أدى قيامه وإعلانه لاستغراب واندهاش وتعجب قوى وجهات كثيرة، لم تستطع فهم حقيقة دوافع الإصلاح من هذا التقارب، وضد طرف سياسي كان إلى عهد قريب حليفا سياسيا وشريكا في السلطة.

لقد تشكلت رؤية حزب الإصلاح لمفهوم الدولة إثر تحولات رافقت تجربته العملية، وهي التجربة التي يقول عدنان العديني إن الإصلاح مدين لها بوجوده وميلاده، ولآليتها الانتخابية بتحوله إلى رقم مؤثر في معادلتها، وهي التي حررته من جملة المحرمات السياسية وأطلقت له عنان الحركة والتوسع الشعبي، حتى غدا القوة الأكثر قربا من الجماهير وتعبيرا عنها. وهذا الواقع الذي وفرته الدولة الواحدة ونظامها التعددي، يستحق ومن وجهة نظر الإصلاح معارضة كل التوجهات التي تنتقص منها أو تهدد كيانها الجامع.

وعندما اندلعت حرب صيف 1994 الأهلية، بدا أن ثمة خطرا يهدد كيان الدولة، التي صار لها شخصيتها خارج سلطة الحزبين الحاكمين، المؤتمر والاشتراكي، مما دفع الإصلاح إلى رفض الانفصال بقوة السلاح، وفي العام نفسه رفض الممارسات الخاطئة التي تلت الحرب، وعبر عن رفضه لها في بيانه الصادر عن مؤتمره العام الذي انعقد في عام 1994، ثم إنه وبعد سنوات عدة سيقوم بمواجهة السلطة الحاكمة بتحالف سياسي وبنفس الدوافع السابقة.


- الشروط الضرورية للدولة اليمنية

واختتم عدنان العديني ورقته عن رؤية الإصلاح لمفهوم الدولة بتحديد أهم الشروط الضرورية للدولة اليمنية، من وجهة نظر حزب الإصلاح، وهذه الشروط هي:

- تحييد المؤسسات السيادية عن التنافس السياسي، وتحريرها من سيطرة الحكام والقوى السلطوية. لقد عانت الدولة اليمنية منذ تأسيسها من أن المؤسسات السيادية للدولة، الجيش والبنك المركزي، لم تكن محايدة في التنافس السياسي بين السلطة والمعارضة، بل ظلت أدوات مكرسة للسلطة، وهو ما ظل يمنع أن تمضي العملية السياسية بنزاهة.

- ألا تذهب المعارضة إلى تفتيت المجتمع إلى مكوناته الأولية، الأمر الذي كثيرا ما لجأت إليه كنتيجة لتمترس السلطة خلف المؤسسات السيادية، وسلوك المعارضة في تفتيت المجتمع، إن بقيت الدولة اليمنية عاجزة عن تحقيق وجودها كمركز تضامن جمعي يضمن حقوق الشعب بمختلف مكوناته، ويعمل على رعاية المكتسبات ومراكمتها.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2021 م

الى الأعلى