على صهوات الفعل

على صهوات الفعل

 

   ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ).

   أخذ الراية زيد بن حارثة؛ فقاتل بها حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب؛ فقاتل بها حتى قتل، ثم أخذ الراية عبدالله بن رواحة؛ فقاتل بها حتى قتل .

 

   هكذا تتابع القادة الثلاثة في معركة مؤتة، و ترجل كل فارس منهم في الميدان ؛ ليقتل واقفا :

 

      و أثبت في مستنقع الموت رجله

      و قال لها من تحت أخمصِك الحشر

 

   و أنشد منشدهم ، و السيف في قبضته :

 

       يا نفس إلا تقتلي تموتي

       هذا حِمام الموت قد صليتِ

       و ما تمنيت فقد أعطيتِ

 

   ثم تقدم للراية يحملها، و يعليها خالد بن الوليد فقاتل قتالهما مستبسلا بها مع من معه، و لم يشأ الله له أن يقتل؛ ليصبح سيف الله المسلول - في قادم أيامه - بتسمية الرسول له.

 

   هذا يقضي نحبه، و هذا ينتظر، و ذاك يحمل الراية فينتصر، و كلها مقادير الله كتبها لمن خاطبهم( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ).

 

   يدٌ غادرة آثمة طالت غدرا ضياء الحق الأهدل؛ ليقضي نحبه شهيدا في ميدان من ميادين المواجهة، و ميادين الفعل و العمل.

 

   لم يكن أول شهيد، و لن يكون آخر الشهداء(فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ) و عمق العبرة ، و عظمة العطاء في من قضى، أو من ينتظر تكمن عند : ( وما بدلوا تبديلا).

   هنا مربط الفرس،  و محور الارتكاز، والسر بين العبد وخالقه : ( وما بدلوا تبديلا ).

 

   الوقوف عند سِيَر الشهداء، و بين يدي مقاماتهم، ليس للندب، و لا للبكاء و النواح، و لكنه الوقوف الذي يستلهم مواقف تجدد الروح، و معانيَض تضاعف العزم، و يبعث حافزا يزيد الثبات و الإقدام :

 

      كم من أخ لي صالح         بَوّءْتُه  بيدي ّ لحدا

      ما إن جزعت ولا هلعت    و لا يرد  بكاي  زندا

      ذهب الذين أحبهم          وبقيت مثل السيف فردا

 

   و لنا في المصطفى صلى الله عليه و سلم الأسوة و القدوة .. كان تحول مسار المعركة في أحد من نصر تحقق إلى تراجع و انكسار، و استشهاد سبعين صحابيا، و منهم سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب، و حامل لواء المسلمين مصعب بن عمير .. واراهم النبي الكريم و دفنهم في ميدان المعركة، و وقف يشهد لهم و يثني عليهم : " أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة ".

 

   كان المشركون قد مثلوا بقتلى المسلمين؛ يقطعون الآذان و الأنوف ، و يبقرون البطون .. و وصف النبي وقوفه على جثمان حمزة عمه؛ أنه لن يقف موقفا أغيظ له منه.

 

   و في مكان آمن بعيد من هذا الموقف، راح المنافقون يشمتون، و كان مما قاله زعيمهم ابن أبي : عصاني و أطاع الصبية !

  

   موقف الشامتين يتكرر في كل زمان و مكان، فالعاجزون عن الفعل يجدون أنفسهم- أبدا - في موقف الشماتة، ومستنقع البلبلة و بث الشائعات، و في كل الأحوال لا يستحقون أكثر من التحذير من إرجافهم، و تفنيد أقاويلهم .. ثم تركهم للحسرة تأكلهم !

 

   كانت معركة أحد يوم السبت، و بعد فجر الأحد نادى منادي رسول الله أن : يا خيل الله اركبي! و ذلك لملاحقة المشركين، و أن لا يتبعه إلا من شارك في القتال بالأمس!

 

   فماذا كان موقف من شهدوا المعركة و ماتزال جروحهم تسيل منها الدماء ؟ قالوا : سمعا و طاعة. و مضوا جميعا خلف الرسول يقودهم نحو حمراء الأسد، حتى " انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو الفضل العظيم " . فعادوا الى المدينة منتصرين ظافرين.

 

   الوقوف بين يدي سير الشهداء و الأبطال ؛ ليس للبكاء ، و رحم الله الشهيد الزبيري :

 

      كفكف الدمع و اعتصم بالعزاء

      ليس في الحرب فرصة  للبكاء

 

   و إنما نقف مستمدين منهم الزاد ، الذي يجعله الله روحا تسري ممن قضوا نحبهم؛ لتحل في من ينتظرون، وما بدلوا تبديلا.

 

   رحم الله الشهيد ضياء الحق الأهدل، و رحم كل الشهداء ممن قضى نحبه، و ثبت و نصر من ينتظر، و لا نامت عيون الغدر و الجبناء.

 

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2021 م

الى الأعلى