قراءة وعرض دراسة في "الأدب الصهيوني" لغسان كنفاني

قراءة وعرض دراسة في "الأدب الصهيوني" لغسان كنفاني

قبل الولوج في شخصية غسان كنفاني ودراسته، أحب أن أشير إلى عدة قضايا متعلقة بما يحدث في اليمن منها؛ أن اليمن اليوم تتشكل فيها حالة غليان تمتد إلى يوم 21 سبتمبر الأسود 2014 منذ انقلاب الهاشمية السياسية وداعميها على الدولة والشعب والحياة في اليمن، حالة الغليان هذه تبحث عن مخرج من هذا الوضع بشتى السبل وأهمها المقاومة المسلحة، ونشر الوعي بخطر الهاشمية السياسية على الأمة اليمنية، وما تيسر من المقاومة السلمية، وقد اتخذت حالة الغليان بُعداً هوياتياً يعود بنا إلى دخول الهاشمية السياسية إلى اليمن في عام 899 م.

ينقص هذا الغليان الاستناد إلى مسألتين في غاية الأهمية؛ هما الأدب اليمني المقاوم للكهنوت، والفلسفة التي تشرح وتفسر وتنظر وتبرر عمل المقاومة لهذا المشروع الذي يعد أقرب للغزو منه للانقلاب.

تشكلت المقاومة اليمنية المُسلحة في مختلف مناطق اليمن وأربكت الانقلاب وجعلته يترنح في العديد من الجبهات، مع أنه ورث الدولة التي كان يُسيطر على مختلف مفاصلها ومؤسساتها العسكرية والأمنية، نجحت المقاومة اليمنية بشكل عام في صد تمدد النفوذ الإيراني من الانتشار في اليمن، لكنها أخفقت في جوانب أخرى، ومازال أمامها الكثير في معرفة عدوها ومعرفة مبرراته التي تملأ كتب التراث الديني والأدبي والتي تمجد فكرة الهاشمية السياسية والتي وُجدت في التراث تحت مسمى آل البيت.

ما الذي يجعلنا في هذه المقدمة لدراسة حول الأدب الصهيوني نتحدث عن الهاشمية السياسية؟ يعود السبب لقناعة راسخة بأهمية خلق مُقاومة يمنية شاملة - والتركيز على خلق أدب يمني مقاوم- وإلى تشابه الفكرتين الصهيونية والهاشمية في عدة قضايا منها؛ ادعاء المظلومية والحق الإلهي، فكلاهما ينفذان مقاصد الله في الأرض، بالإضافة إلى تسييس الدين في اليهودية والإسلام، واختلاق الدولة من العرق والدين في تعصب طائفي عرقي سلالي، ومع أن الفكرتين سياسيتين في الأساس إلا أنهما عملتا على تسييس الدين، واختلاق مرويات شوهت الدين لدى الهاشمية السياسية تدعمها وتبرر وجودها في التراث الديني وترسخها في الأدب، بينما الصهيونية ارتكزت على الأدب ومسخته لتبرير وجودها، كما أن رهبانها قد قاموا بالواجب في تحريف الدين منذ القدم، وهناك تشابه أيضاً يتعلق بينهما في أنهما لم تُظهرا وجهيهما السياسي إلا بعد إظهار وجهيهما من خلال الأدب كما فعلت الصهيونية، ومن خلال التراث الديني والأدبي  كما فعلت الهاشمية.

نجحت المقاومة الفلسطينية في معرفة عدوها مبكراً من خلال قراءة الأدب الصهيوني كما هو حال هذه الدراسة، لكن المقاومة اليمنية ما زالت بحاجة إلى مراجعات فكرية للتراث الديني وتصفيته من الموروث السلالي، من خلال نقده نقداً موضوعياً لإزالة الغشاوة عن أعين الشعب الذي تنطلي عليه المقولات ذات الصبغة الدينية المنحرفة، هناك جهود بُذلت قديماً في مواجهة أول موجات الهاشمية السياسية مبكراً كما فعل الهمداني ونشوان بن سعيد الحميري، إلا أن الواقع اليوم بحاجة إلى جهد أكبر في نفس المسار، هذا الجهد سيتحتم عليه الفصل بين التراث الديني وبين المرويات الرامية إلى تسييس الدين، وجعل السياسة من أصول الإسلام، بينما هي من المصالح المُرسَلة والتي تعود إلى المجتمع والشعب وحاجاته التي يتطلبها في تسيير أمور حياته لا أكثر، بالإضافة إلى قراءة الأدب الذي مجد الهاشمية السياسية ومهد لها من المدائح النبوية خاصة تلك التي دخلت فيها مفردات آل البيت، إلى الشعر الغنائي الذي مجد آل البيت وجعل حضورهم صفة ملازمة للأغاني والأناشيد الخاصة بالمناسبات الدينية والاجتماعية والتي تم دسها في الأغاني بفعل فاعل فلا شيء صدفة.

 

غسان كنفاني بمجموع كتاباته نموذج مُقاوم يُحتذى به وبأدبه، ويستحق القراءة والتوقف عنده للإسهام في إنضاج تجربة المقاومة اليمنية والتي يحتاجها الشعب اليوم وسيحتاجها غداً، فالأمة بكل أوقاتها وحالاتها تحتاج إلى استحضار المقاومة لتثبيت الدولة وحمايتها وحماية مُكتسباتها، والمقاومة هنا ليس المقصود بها فقط المُقاومة المسلحة بل المُقاومة الشاملة من الفكر إلى التصنيع، ومن تثبيت الدولة إلى تثبيت برامج حمايتها، ومن الفكرة إلى المُرابطة في مختلف الميادين. هناك لصوص ومقاولين وقطاع طرق شوهوا أو حاولوا مسخ فكرة المقاومة في بدايتها القصيرة إذ لم يتجاوز عمرها حالياً سبع سنوات، لكنهم ليسوا حُجة على المقاومة كفكرة فهم لم يعرفوا معنى المقاومة ولم يرتبطوا بها فكرياً، ولا حُجة على الشعب كأفراد تحولوا من المقاومة إلى المقاولة والإثراء على حساب الأمة.

   

 

 

 

الدراسة

صادف يوم الثامن من يوليو الجاري الذكرى 49 لاستشهاد الأديب والمقاوم الفلسطيني غسان كنفاني (1936-1972)، والذي تم تفجير سيارته في بيروت في 8 يوليو 1972م، واستشهد برفقة ابنة شقيقته فايزة، الطفلة لميس ذات السابعة عشرة ربيعاً.  غسان كنفاني مُقاوم فلسطيني انضم إلى حركة القوميين العرب وانضم إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكان قد نزح مع عائلته من فلسطين إلى لبنان عام 1948م وعمره 12 عاماً تنقل بين بيروت ودمشق والكويت، بدأت رحلته مع الكتابة منذ 1952م وأصدر 18 كتابا متنوعاً بين المقاومة الثقافة والسياسة والقصة والرواية والمسرحية، ونُشرت كتاباته ومقالاته بعد استشهاده، وتُرجمت أعماله إلى عشرين لغة. بهذه المناسبة نقوم بعرض دراسة لغسان كنفاني صدرت عام 1966م بعنوان " في الأدب الصهيوني" أما هذه الطبعة التي بين أيدينا فقد صدرت في 2015م.

 

في هذه الدراسة والتي اشتملت على مقدمة وثمانية فصول، جاء في مقدمتها أن الصهيونية قاتلت بسلاح الأدب قتالاً يُوازي قتالها بالسلاح السياسي، حيث استخدمت الصهيونية السياسية الأدب على أوسع نطاق لخدمة حملاتها الدعائية والسياسية والعسكرية، بل أن الصهيونية الأدبية سبقت الصهيونية السياسية ثم اختلقتها، وفيما بعد قامت الصهيونية السياسية بتجنيد الصهيونية الأدبية في مخططاتها، ويرى كنفاني أن الصهيونية السياسية هي أيضا نتاج للتعصب والعرقية، لذا كانت الصهيونية الأدبية هي أولى إرهاصات ذلك التعصب وتلك العرقية، كما أن التيار التعصبي العرقي وتسيس الدين اليهودي عبّر عن نفسه أولاً بالأدب، وقام هذا الأدب بلعب دور دليل العمل للتيار اليهودي المتعصب، والذي ما لبث أن بلور نفسه في الحركة الصهيونية السياسية. ويرى غسان أن الأدب رسالة إنسانية للمعاني النبيلة لكن الصهيونية الأدبية أو الأدب الصهيوني قام بعملية تضليل ثقافي طالت الكثير من البشر في أنحاء العالم، كتجربة متفردة قامت بمسخ لمفهوم الأدب المتعارف عليه، وكان من أولى هذه النتائج أن أدت عملية من هذا النوع إلى غسل دماغ جماعي في كل ناحية من أنحاء العالم استخدمت في تحقيقها وسيلة الأدب والتي لا يزال الإنسان يعتبرها وسيلة تنوير وتوسيع أفق وكشف حقائق.

 

جبهة اللغة

تناول الفصل الأول من هذه الدراسة "الصهيونية تقاتل على جبهة اللغة"  وفيه أوضح غسان الأهمية البالغة التي أولتها الصهيونية السياسية بجبهة اللغة، مختلقة بذلك رابطة قومية لليهود المنتشرين في العالم عن طريق اللغة العبرية، لقد حوّلت الصهيونية اللغة العبرية من لغة دينية يتمتم بها المتدينين اليهود في طقوسهم أينما كانوا - حتى بدون أن يكونوا يفهمون هذه اللغة فهي لغة عبادة وابتهالات دينية - إلى لغة سياسية ورابطة قومية اُستبدلت بها كل اللغات المحلية التي نشأ عليها اليهود في العديد من مناطق العالم، وجعلوها لغة الدولة الرسمية بعد احتلال فلسطين وحصلوا على اعتراف عالمي بها.

 

اعتبرت الصهيونية أن من مهامها الأولى جعل العبرية لغة قومية، وكانت المبادرة في هذا الأمر من قبل "آحاد هاعام" وهو أحد رواد الصهيونية السياسية، من خلال مقالاته التي قوضت فكرة الاندماج لدى يهود أوروبا الشرقية في مجتمعاتهم المحلية، وهو الذي وضع فكرة بديلة لهذا الاندماج باختلاق فكرة "آخر يهودي وأول عبري" هذه الجملة التي تحولت إلى شعاراً صهيونياً في الميدان الثقافي. وقد استطاعت الصهيونية السياسية خلق رابط قومي وديني في قالب واحد باستخدام اللغة العبرية كلغة قومية ووحدت المصطلحين القومي والديني في مصطلح واحد فالدولة القومية تعني الدولة اليهودية بمعنى دولة الدين اليهودي. كما أن تعريف الدين اليهودي في الفكر الصهيوني هو دين وقومية واليهودي الذي يخرج عن دينه تسقط عنه القومية ولا يمكن اعتباره فرداً من أفراد الشعب اليهودي.

  

ولادة الصهيونية الأدبية

الفصل الثاني "ولادة الصهيونية الأدبية" في بداية هذا الفصل يقول غسان واصفاً الصهيونية بأنها تعني "الحركة اليهودية السياسية باتجاه فلسطين" وأنها لم تكن وليدة مؤتمر بازل بسويسرا في نهاية أغسطس 1897م، ولكن هذا المؤتمر كان تتويجاً علنياً لسلسلة من الضغوط التي لعب فيها الأدب الصهيوني دوراً أساسياً. وتشير الدراسة إلى أن ظهور الصهيونية السياسية يعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، مع أن الصهيونية الأدبية بدأت قبل ذلك التاريخ، حيث كتب عنها هيس وبنسكر، وناحوم سوكولوف، وآحاد هاعام، وثيودور هيرتزل وغيرهم. كما أن ذروة الإنتاج الأدبي الصهيوني جاءت في الفترات التي تحسنت فيها أحوال اليهود نسبياً في مختلف دول أوروبا، أي الفترات التي أُعطي اليهود فيها حقوق المواطنة في الدول التي يعيشون فيها، والأهم من ذلك هو أنه في هذه الفترات بالذات نمت الأفكار التي رسمت قاعدة الصهيونية العريضة. لقد تحقق الإنتاج للصهيونية الأدبية في فترات الانفراج وليس في فترات الاضطهاد، وأرجعت الدراسة هذا الأمر بالإضافة إلى رفض الاندماج في فترات الانفراج، إلى وجود عنصرية وعرقية وطبقية داخل اليهود وعبرت عنها بالطبقة اليهودية الخاصة، وهذا ما أنتج الصهيونية السياسية من موقع عنصري لهذه الطبقة الخاصة على حساب الطبقات اليهودية المضطهدة.

العرق والدين في الأدب الصهيوني

الفصل الثالث " العرق والدين في الأدب الصهيوني يستولدان الصهيونية السياسية" خرج هذا الفصل بخلاصة تشير إلى أن اليهود رفضوا الاندماج والذوبان في المجتمعات الأوروبية حين انتشرت أفكار الثورة الفرنسية في العدالة والمساواة والحرية، ويعود السبب في ذلك الرفض إلى تكون طبقة يهودية متعصبة لها امتيازات سياسية واجتماعية واقتصادية هي التي أنتجت الصهيونية السياسية، هذه الطبقة وصل أفرادها إلى مناصب السلطة العليا في إنجلترا وغيرها من دول أوروبا،  لقد حدث في النصف الأخير من القرن التاسع عشر ما أسمته الدراسة بالانعطاف نحو تسييس الشخصية اليهودية في الأدب، هذا التسييس هو الذي بموجبه تم رفض عملية الاندماج  في المجتمعات الأوروبية التي يعيش فيها اليهود كحل للمشكلة اليهودية. واستعرضت الدراسة العديد من الروايات والأعمال الأدبية اليهودية التي بدأت بتصوير اليهودي الطيب واليهودي الرومانسي مثل روايتي (هارنغتون) لماريا إدجورث، ورواية (ايفانهو) للسير والتر سكوت لتأتي فيما بعد رواية (دافيد آلروي) للسياسي البريطاني من أصل يهودي بينجامين دزرائيلي فيما بعد لتختلق اليهودي السياسي البطل والمُنقذ قبل حوالي نصف قرن من ولادة الصهيونية السياسية رسمياً في بازل، هذه الرواية رفضت فكرة الاندماج وأظهرت الموقف العنصري والمتطرف لليهود واشتهرت بعبارة جاءت في مواضع مختلفة منها مفادها: "إن كل شيء عرق، وليس ثمة حقيقة أخرى". وتشير الدراسة إلى أن تفوق وتميز البطل اليهودي في رواية "دافيد آلروي" ما هو إلا تفوق وتميز عرقي مفاده كما تشير الرواية نصاً إلى نقاوة وصفاء وتميز العرق اليهودي "العبريين عرق غير مختلط".

 

اليهودي التائه

الفصل الرابع تناول "شخصية اليهودي التائه: نشأتها وتطورها" أثارت شخصية اليهودي التائه الجدل في الأوساط الشعبية الأوروبية، وهي في مجملها تشير إلى العلاقة بين التطور في أوروبا وبين أوضاع اليهود الاجتماعية والمالية والدينية، وتصل إلى مفهوم ملاحقة اليهودي التائه كما رسمته الصهيونية الأدبية. اليهودي التائه يعود إلى الحلقة الدينية التي أنتجته، تنقلت هذه الشخصية من موقف المذنب إلى موقف المتذمر، ومن موقف المُخطئ إلى موقف المُعذب، من موقف سوء الطالع إلى موقف علامة الخير، بدأ هذا التنقل عفوياً في المجال الشعبي، كتعبير عن العلاقة الاجتماعية والدينية بين اليهود والأوروبيين وهي تتراوح بين العصبية والتنوير الذي كانت تعيشه أوروبا. وقد تطور اليهودي التائه في منتصف القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلى اليهودي الجوال، وهو ترميز إلى أنه أصبح حامل رسالة سياسية يتجول بها في أنحاء العالم. وتشير الدراسة إلى أن اليهودي الجوال ركب الموجة التي ركبتها بطلة رواية ديفيد آلروي وبطل رواية دانييل ديروندا، وهي موجة تحويل العرق والدين إلى قضية عنصرية، ظهرت شخصية اليهودي التائه في مسرحيات وروايات جسدت شخصية اليهودي الجوال غزير المعرفة.

 

يبدو أن هذه الشخصية قادمة من عمق الأساطير  الدينية التي تدعي الرجعة بعد الموت، وهي موجودة في الديانات الإبراهيمية الثلاث، التقى رجل بالمسيح وهو في المحكمة قبل أن يصلب وبشره المسيح أنه لن يموت وسينتظر عودته متجولاً في الأرض، وهي هنا تقترب من رواية المهدي المنتظر ونزول المسيح عند المسلمين، المختلف في الأمر هي قدرة الصهيونية الأدبية التي أعادت إنتاج هذه الشخصية لأغراض عنصرية تصب في مصلحة الصهيونية السياسية، تذكرنا هذه الأسطورة بأسطورة ولاية الفقيه التي جاء بها الخميني في إيران عبر لقاءه بالمهدي المُنتظر وتفويضه كنائب ومتحدث باسمه فيما عرف بنظرية ولاية الفقيه التي غيرت المذهب الجعفري الاثني عشري وحولت الشيعي من مظلوم ينتظر المهدي المنتظر، إلى جندي يفحش في القتل لأجل عودة الإمام الغائب.

 

 على كلٍ هذا الفصل في دراسة كنفاني أشار إلى إن "شخصية اليهودي التائه كانت نتاجاً لسبب مزدوج يتمثل في موقف الكنيسة من اليهودي من ناحية، والدور الذي يلعبه اليهود في المجتمع الذي يعيشون فيه، من ناحية أخرى. كما أن نقل فكرة اليهودي التائه من الأسطورة الشعبية إلى الرواية الأدبية جاء لحساب خلق التعصب اليهودي القائم على التمييز العرقي والديني والذي صب في مصلحة الصهيونية السياسية فيما بعد.

 

الارتباط بين الأدب والسياسة 

الفصل الخامس " الأدب الصهيوني يضبط خطواته مع السياسة" تشير الدراسة إلى أنه بكُتاب مثل (دانييل ديروندا) ومسرحية (اليهودي الأزلي) قفزت الصهيونية الأدبية إلى مهمتها المباشرة في مطلع القرن العشرين مدفوعة من قبل حركة سياسية مُنظمَة هيأت كل فرص الرواج لهذا الأدب، لقد قامت الصهيونية الأدبية بمهمة مزدوجة من ناحية المشاركة في التعبئة العامة لليهود عبر خلق جو عالمي متعاطف مع قضيتهم، ومن ناحية أخرى طمس كل ما من شأنه عرقلة ظهور الدعاية للصهيونية والتي كانت قد ضبطت خطواتها في مختلف الجبهات كما تشير الدراسة. تسلحت الصهيونية الأدبية بأسلحة التزوير والمبالغة وطمس الحقائق والانتهازية لتحقيق أهدافها السياسية، وتذهب الدراسة إلى أن الآلة الصهيونية الدعائية استطاعت أن تمنع ظهور أية فضائح تتعلق بالأدب الصهيوني الموجه، والذي عمل على غسل الأدمغة.

 

وتوضح الدراسة أن ثيودور هرتزل هو أول من أعلن هذا الاتجاه بصراحة في مطلع القرن العشرين، حين نُشرت روايته المعنونة بـ "الأرض الجديدة القديمة" هذه الرواية التي حولت هرتزل نفسه من موقعه ككاتب صحفي في الصهيونية الأدبية إلى دوره المتعاظم في الصهيونية السياسية، وكانت حافزًا لتحويل هرتزل "الفنان" إلى هرتزل "السياسي"، ترك نشاطه الأدبي في قافلة الصهيونية الأدبية وانتقل إلى العمل بوضوح في إطار إنشاء منظمة الصهيونية السياسية، وقد اعترف أن الهدف من روايته سابقة الذكر لم يكن فنياً بل هدفاً دعائياً، مهدت هذه الرواية لاحتلال فلسطين، وقدوم المؤسسات من البلاد المتحضرة إلى الأرض الموعودة، مُبشرة بإسرائيل الدولة القومية التي تجمع بين العرق والدين في إطار هذه الدولة، وقيامها بدور متحضر في كل من آسيا وإفريقيا المتخلفتين.  تقول الدراسة لقد مثلت شخصية مردخاي دور الداعية الذي يتحدث ويعظ في رواية (دانييل ديورندا) مثله مثل سيدونيا في (دافيد آلروي) ومثل بينسكي في مسرحية (اليهودي الأزلي)، تطرح هذه الشخصيات وجهات نظرها بشكل فلسفي وفكري أيضاً، إلا أن بطل رواية الأرض الجديدة القديمة لهرتزل قد شرع في العمل، وصار جزءًا من حركة سياسية ذات بنيان فكري واضح وأهداف قابلة للتنفيذ الميداني.

 

توصلت الدراسة في هذ الفصل إلى أن الصهيونية الأدبية صنعت قضية مشتركة للكُتاب الصهاينة، هذه القضية بدورها أدت إلى وجود خط مشترك ومتسلسل في جميع الروايات التي كتبت عن إنشاء إسرائيل، ولهذا جرت أحداث الروايات الصهيونية وفقاً لخمس محددات تشكل الخط العريض للرواية الصهيونية:

-  قدوم البطل من أوروبا نتيجة للاضطهاد فاراً من مذبحة النازية، فقد فيها أهله ومُفتشاً عن مكان نظيف هادئ ويروي أشواقه القومية الكامنة في أعماقه ويرمم كبريائه، (التفوق اليهودي المطلق والبطل المعصوم).

- يقع بطل أو بطلة الرواية في غرام شخص غير يهودي وغير عربي، يقوم البطل بشرح فكرة الصهيونية ووجهات نظرها ومبرراتها يظهر فيها قصة العذاب التي مرَّ بها فيؤمن الطرف الآخر بالفكرة الصهيونية، بعد أن يكتشف أنه طرف في المأساة فيأتي إيمانه كتكفير عن ذنب ارتكب في مكان آخر، فيتحول إلى صهيوني، (مفهوم الاقناع بالفكرة الصهيونية).

 

- يبرز العرب في الرواية بصفتهم الطرف المضاد على أنهم بلا قضية متخلفين ومجرد مأجورين من قوة خارجية أو من قِبل السلطة الاقطاعية، ويُستثني منهم من يؤمن بأن الصهيونية هي الحل، (الموقف المُعلن من العرب وبقية الشعوب).

- تظهر الرواية تماسك اليهود ضد الاضطهاد الذي تعرضوا له والهجوم على الشعوب الأخرى بتحقيرها، وكل ذلك في سبيل تبرير عدم اندماج اليهود في المجتمعات التي قدموا منها، (المبررات الصهيونية لغزو فلسطين).

- يظهر الدين والعرق كدافع داخلي بالإضافة الى الدوافع الخارجية - مذابح هتلر- لهذه الهجرة نحو فلسطين، (الشخصية اليهودية وعلاقتها بإسرائيل).

 

العصمة الهودية

الفصل السادس " العصمة اليهودية أمام عدم جدارة الشعوب الأخرى" يضعنا هذا الفصل أمام تفسير الكاتب الصهيوني روبن وولنرود لعصمة البطل اليهودي وتفوقه المُطلق بقوله إن الكاتب اليهودي يفقد كثيراً من موضوعيته بسبب شعوره الكامل بهويته، وما يترتب على هذه الهوية من مسؤوليات، ولذلك فإن القرب الشديد من الأحداث والشخصيات تعطي كتاباته حيوية، كما أنها تعطيها نوعاً من المايوبيا -قصر النظر- كما تشير الدراسة في هذا الفصل إلى أن الكاتب الصهيوني  القريب من الأحداث يفقد موضوعيته بالقدر الذي يفقدها الكاتب الصهيوني الذي تناول الأحداث عن بعد. وتشير الدراسة إلى أن الرواية الصهيونية لا تضخم الحقائق فقط بل أنها تقوم باختراعها إذ لم تجدها، ولذا أظهرت العديد من الروايات الصهيونية تبجحاً بالشعور العميق بالتفوق العنصري المطلق، إلى جانب العصمة الغيبية للشخصية اليهودية، كل هذا قد أدى إلى بروز العرقية اليهودية أمام بقية العرقيات والشعوب.

 

 وتصل الدراسة هنا إلى أن الرواية الصهيونية عملت على تبرير رفض اندماج اليهود في المجتمعات التي عاشوا فيها، وتبرير اقتلاع شعب كامل من أرضه. قدمت الرواية الصهيونية البطل الصهيوني المعصوم الذي يمثل التفوق المطلق، على جميع المستويات، وهذا ما يقول عنه غسان بأنه ليس قصر النظر الذي تحدث عنه روبن وولنرود، بل هي عقدة نفسية مستعصية على الشفاء، تخفي ورائها شعوراً بالتفوق العنصري المطلق لليهود.

 

مبررات اغتصاب فلسطين

الفصل السابع " المبررات الصهيونية أمام اغتصاب فلسطين" في هذا الفصل استشهدت الدراسة بقول أرنولد توينبي "أستطيع أن أفهم مطالب اليهود بعد كل الذي عانوه على أيدي الألمان، بأنها مطالب ترمى إلى إعطائهم ولاية في مكان ما من العالم ليمارسوا سيادتهم الخاصة فيه، وإذا كان لا بد من حدوث ذلك، فتلك الولاية ينبغي أن تكون على حساب الغرب الذي ارتكب أقصى الفظائع مع اليهود، وليس على حساب العرب. إن هذه النقطة تبدو لي سهلة وسليمة، ولكن حين أشرتُ إليها مرة في بلد غربي، وهو ليس ألمانيا ولا إنجلترا؛ قُوبلت بموجة من الصياح الضاحك".  وتوضح الدراسة أن الدعاية الصهيونية رسخت في الذهن موقفاً بعيداً للغاية عن هذه العملية الحسابية الإنسانية البسيطة التي وضعها توينبي، بتلك السهولة والتقريب، وينعكس هذا الترسيخ، بصورة أوضح في الرواية الصهيونية. وتصل الدراسة في هذا الفصل إلى أن المبررات الصهيونية اعتمدت لغزو فلسطين في جوهرها على فكرة الرد على المذابح التي قام بها هتلر ضد اليهود خصوصاً، وعلى الاضطهاد الذي تعرض له اليهود عموماً، ولذلك فإنه من المستحيل أن يجد المرء رواية صهيونية عن فلسطين لا يكون المدخل إليها قد بني عبر المذابح الهتلرية، ويبدو أن المؤلف الصهيوني يعي قيمة هذا السيف الدموي الذي يسلطه منذ البدء على ذهن القارئ الغربي، فيضمن من الصفحات الأولى كسبه إلى جانبه، مهما ارتكب من أخطاء.

 

 وتؤكد الدراسة على تساؤل منطقي يتمثل في سؤال: ما شأن عرب فلسطين بدفع ثمن مذابح ارتكبها الغرب ضد اليهود، خصوصاً، وأن اليهود عاشوا في المجتمع العربي على مر العصور في انفراج مستمر؟ لذا فهذا السؤال على بداهته، ظل بعيداً عن الإجابة، وكل المحاولات التي تبذلها الرواية الصهيونية للإجابة عنه من بعيد سقطت في تناقض مهلك ومضحك.

استشهدت الدراسة في هذا الفصل بقول أكسودس أن المذابح العربية ضد اليهود لم تبلغ ما بلغت المذابح في أوروبا، لأن العرب انشغلوا في حياكة المؤامرات ضد بعضهم البعض عن الاهتمام باليهود. لكن العديد من الروايات الصهيونية بررت العنف الصهيوني على أساس انه نتاج لوراثة وصلت من الأجيال الماضية، ومضت الرواية الصهيونية تقول إن العرب جهلة ويقاتلون لأجل الاقطاعيين والأفندية، ولم يقرأوا ماركس، ومازالوا في القرن الثالث عشر، أما اليهود فقد أوجدوا في فلسطين وطناً فيه الحياة والاخضرار وحولوا هذه الأرض من مستنقعات مهملة وصحراء قاحلة إلى جنة، وكل ذلك لتبرير احتلال فلسطين.

 

الفصل الثامن " من جائزة نوبل إلى عدون 5 حزيران" تشير الدراسة في هذا الموضع إلى أنه في عام 1966م منحت جائزة نوبل للكاتب الصهيوني شموئيل يوسف عغنون وبررت اللجنة منحه هذه الجائزة بأن كتاباته تمثل رسالة إسرائيل إلى عصرنا، وكافحت في تقديم التراث الثقافي للشعب اليهودي عن طريق الكلمة المكتوبة، مع أن كتاباته عنصرية ومتطرفة ورجعية وعرقية، وفي 5 حزيران/ يونيو1967م حيث سُمي بعام النكسة بالنسبة للعرب، حين استعرضت إسرائيل تفوقها العسكري عليهم، حينها كان الإعلام الغربي يصور تلك الحرب بأنها رسالة مشابهة لرسالة عغنون، لقد قام الإعلام بتبرير ومباركة العدوان الإسرائيلي باعتباره تفوقاً عرقياً وعنصرياً، لقد وصل التعصب والعنصرية إلى ذروتهما على الصعيدين الثقافي والسياسي. وتصل الدراسة إلى القول إن لجنة نوبل التي منحت عغنون جائزة نوبل للسلام تفسر مباركة الغرب لعدوان 5 حزيران 1967م وهي خطيئة أخرى يرتكبها ضمير العالم المُضَلل نتيجة للدعاوي الصهيونية التي سبقت العدوان بنصف قرن.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2021 م

الى الأعلى