رمضان .. ربانية المحراب و الميدان

رمضان .. ربانية المحراب و الميدان

 

   الربانية من لوازمها استقامة تقية، و همّة أبية، و نية نقية، و عزم يتوقّد؛ و لذلك لم يكن رمضان عبر تاريخ المسلمين خمولا و كسلا، و لا كان حالهم فيه  طقوسا هائمة و نفوسا مسترخية.  

    سبعة أيام فحسب صامها الصحابة من فريضة الصوم  لأول شهر من شهور رمضان؛ ليندبهم الرسول صلى الله عليه و سلم صبيحة اليوم الثامن لملاقاة عير قريش التي أخرج أهلها المهاجرين من ديارهم و أموالهم، و إذا الملاقاة تنقلب رأسا على عقب؛ فتتحول من ملاقاة العير غير ذات الشوكة إلى ملاقاة قريش التي استنفرت كل قواها لمنازلة المسلمين، و كانت النتيجة ذلك الانتصار المؤزر، الذي دبر الله أسبابه، و وهب نتائجه ، و كان في رمضان .  و إن كانت بدر ليست موضوع هذه السطور.

 

   موضوع هذه السطور هي معركة عمّورية، و التي كانت    في  شهر رمضان من عام 223 للهجرة . 

   كان بابك الخُرّمي في شرق الدولة الإسلامية، و في عهد الخليفة العباسي المعتصم بن هارون الرشيد، يظهر الإسلام، و يبطن المجوسية، و قد تعجّل بالك هذا في أن يمهد الطريق لمناصرة مجوسيته، و لما شعر بانكشاف أمره، و شعر  بعزم المعتصم على إطفاء فتنته، و قيامه بتجهيز الجيوش نحوه أراد اللحاق بالروم، بعد أن كتب لامبراطور الروم يخبره أن الفرصة سانحة للانقضاض على أطراف الدولة الإسلامية؛ لانشغال جيوشها نحو الداخل.

   و بالفعل اهتبل امبراطور الروم ثيوفيلوس - و يسميه العرب توفيل - الفرصة و شَن حربا خاطفة على أطراف الدولة، أوقع فيها مجازر رهيبة بحق  المسلمين، إضافة إلى أسرى أنزل فيهم من التعذيب الشيئ الكثير، وصل حد سمل العيون، مما حدى بإحدى المسلمات أن تستنجد، و تصرخ : وا معتصماه !

 

   وصلت الأنباء إلى بغداد عاصمة الخلافة، عفوا عاصمة الدولة ؛ لأن مفردة الخلافة تزعج سطحيي الثقافة، ممن سُحروا بخدع  و تشويهالعواصم الغربية، و إلا فإن الخلافة مصطلح سياسي ، لكنه في الذهنية الغربية يعني تاريخ دولة تحافظ على وحدتها، و تعتز بدينها و هويتها، و تعزز هيبتها و قوتها، ترود و لا تُراد، و تقود و لا تُقاد ، فضلا عن أنها تستقل بمواقفها و لا تُرتهن ، و هو الأمر الذي تعاديه بشدة ، قوى الاستعمار و الاستكبار. فإذا كان هذا سبب كراهية قوى الاستعمار، فما بال المخدوعين- حتى لا أقول الببغاوات -عندنا.

   و هذا المصطلح " الخلافة " مسمى سياسي جاء لزمنه ، لا قيمة له ألبته إذا خلا من تلك المواصفات الراقية التي عرفت بها الخلافة الراشدة، أو خلافة عهود القوة، و هذا المسمى يمكن أن يصبح في زمن آخر الجمهورية، أو اتحاد المجهوريات ال .... مثلا . بدلا من كيانات فسيفسائية تترقب بذهول و خَوَر تحركات المشاريع التوسعية حولها، و عما يمكن أن تسفر عنه محادثات السباق النووي هنا وهناك، بلا حول و لا طول، حتى و لو صرخت في آذانهم مليون امرأة : وا معتصماه !

 

      رُبّ وا معتصماه انطلقت   مِلْأَ أفواه الصبايا اليُتّم

      لامست أسماعهم لكنها    لم تلامس نخوة المعتصم

 

   اللهم إني صائم!

 

   و صلت أنباء المجازر التي أوقعها امبراطور الروم توفيل بالمسلمين، كما وصلت استغاثة : وا معتصماه، فتحرك الخليفة المعتصم، الذي لم يكن - بالمناسبة - بحنكة أبيه الرشيد الذي تصوره مَثَاقِف الغرب - كذبا - بأنه زير نساء، كما لم يكن المعتصم بقدرات أخوية من قبله، و لك أن تعرف أنه بالكاد كان يجيد القراءة و الكتابة !

   لكنها الخلافة التي كانت ماتزال تتمتع بقدر من مواصفاتها، و تحتفظ معها الأمة بكثير من عناصر قوتها .. الأمة التي لم تفقد هويتها، و لا تنكرت لعقيدتها، بل ظلت في المقدمة، ترفض التبعية ، و ترى الذيلية كفرا .

 

   و استطاع المعتصم بسلسلة معارك أن يثأر لكرامة الأمة بعد ملحمة تاريخية توّجها بفتح عمورية يوم دخلها في  17 رمضان 223 هجرية - و هو تاريخ يواطئ يوم بدر - الموافق 12 أغسطس 838 م. و قد كان نصرا خلّده التاريخ، و احتفى به الشعر؛ حيث كانت ملحمة أنطقت الشعر كما أذهلت التاريخ، و إذا بالشاعر أبو تمام يخلد للدنيا تلك الملحمة، و هي  مع عظمتها و أهميتها لا يتسع المجال للوقوف معها، إلا بإشارات جدّ عابرة :

 

      السيف أصدق أنباء من الكتب

      في حدّه الحد بين الجد و اللعب

 

   ولا ينسى أبو تمام- حبيب بن أوس الطائي - أن يُعرّض بأصحاب الصحف الصفراء و الحروف الرخوة، التي حاولت يومها أن تثني المعتصم عن تلبية نداء الاستغاثة، و نداء الواجب - و هي صحف و حروف - للأسف - لا يخلو منها زمن - فيقول :

 

      بيض الصفائح لا سود الصحائف

      في متونهن جلاء الشك و الريب

 

      أين الرواية بل أين النجوم و ما

      صاغوه من زخرف فيها و من كذب

 

      و خوفوا الناس من دهياء مظلمة

      اذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب

 

   ثم يصل أبو تمام إلى موقف التميُّز الذي أنطقه شعرا :

 

      فتح الفتوح تعالى أن يحيط به

      نظم من الشعر أو نثر من الخطب

 

      يا يوم وقعة عَمُّورية انصرفت

      عنك المنى حُفّلا معسولة الحلب

 

   و يمضي أبو تمام يؤكد الترابط، و واحدية التاريخ       و الهوية والعقيدة ، بعد أن يمتدح المعتصم :

 

      خليفةَ الله جازى الله سعيك عن

      جرثومة الدين و الإسلام و الحسب

 

      إن كان بين صروف الدهر من رحم

      موصولةٍ أو ذِمامٍ غير مُنقضِب

 

      فبين أيامكَ اللاتي نُصِرْت بها

      و بين أيام بدر أقرب النسب

 

   و كان - و مايزال - رمضان حياة أفراد و مجتمعات و جهاد أمة .

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2021 م

الى الأعلى