خباز.. بدرجة دكتوراه

خباز.. بدرجة دكتوراه

من كان يصدق أن يأتي علينا زمن نرى فيه أستاذا جامعيا، وقد أصبح بدرجته العلمية الرفيعة بائعا متجولا تتقاذفه رياح الفاقة من شارع إلى آخر بحثا عما يسد رمق أسرته، ويقيهم مذلة السؤال والحرمان؟

أنا شاهدت ذلك بأم عيني قبل أيام قلائل!! ولولا مراعاتي لمشاعر مَن شاهدت لذكرت اسمه متصدّرا بلقب علمي فخم.. لقب  كان له وقع باذخ في الوجدان العلمي ذات يوم، وأصبح الآن لفظة قلقة الدلالة فاقدة المعنى.

تلك الشهائد التي أنفق صاحبها عليها الشطر الندي من عمره؛ يبست مصلوبة على جدار صامت في منزل أبكم يخيم عليه شبح الجوع، وتتمدد فيه ظلال الخيبة، وتتنطط فيه أطياف الندم.. الندم على الحصاد المر، وعلى مكانة مخذولة، وعلى كفاءة مجهولة، وعلى عاطفة بلهاء جعلته ذات يوم يفضل العودة إلى الوطن رافضا كل المغريات التي حاولت جرّه خارجا، وعلى اختيار طريق يسنزف صاحبه جلَّ عمره، ثم لا يكاد يرتفع به قليلا حتى يهوي به إلى الحضيض الذابح، حيث يتمنى عندها أن لو كانَ خبازا في مطعم، أو سمسارا في سوق، أو عاملا في ورشة، أو أي شيء مما يكبر في صدور الناس هذه الأيام.

أعلم يقينا أن العلم لم يكن يوما ما وسيلة لكسب الثراء، ولن يكون كذلك، لأنه رسالة، وليست الإشكالية هنا، ولكن الإشكالية في أن يفقد العالم هيبته ومكانته بين نظرتين: نظرة استعلائية تصدر عن الأنظمة الحاكمة التي ترى فيه مجرد أجير، ونظرة شفقة بين عامة الناس في المجتمعات الجاهلة، حيث يظهر العالم بينهم فاقد الحيلة، مكسور الجناح، عديم الجدوى، مضى شأنه، وانقضى زمنه، ولم تعد إليه حاجة.

وليس عيبا أن يلجأ العالم لأي حرفة يأكل منها ومن يعول لقمة عيش كريمة، لكن العيب ـ كل العيب ـ في تلك المؤسسات العلمية ـ على كثرتهاـ التي أصبحت رهينة معايير غير موضوعية في التوظيف والتعليم، تنخرها الشللية والمحسوبية والمجاملات والفرز الأيدلوجي، مما عمل على تغييب الكفاءات، وتضييع القدرات، وتقديم ماحقه التأخير ظلما وعدوانا، لا على أصحاب الكفاءات وحدهم، ولكن على العلم ذاته، وعلى من جاء مخدوعا يطلبه لديهم.

أما الجامعات الأهلية فإن الشكوى منها أشد مرارة، ففي الوقت الذي ضاعفت فيه رسوم الدراسة على الطلاب؛ ضاعفت فيه المهمام التدريسية الموكلة إلى الأساتذة العاملين فيها، بعد أن استغنت عن نصفهم بأساليب ابتزازية فجة، لا تحدث حتى مع العاملين في معاصر الصليط.

هذا هو حال الأستاذ الجامعي في زمن ضاقت فيه منصّات الدرس الجامعي عن الأكاديميين ، واتسعت لهم الأرصفة والأسواق والمطاعم..

فماذا بعد!؟؟.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2021 م

الى الأعلى