11 فبراير... ثورة ناعمة على قوام دولة متعثرة

11 فبراير... ثورة ناعمة على قوام دولة متعثرة

في الدول السيادية التي يرتكز حكمها على النظام السياسي التعددي ومنها اليمن، تصبح الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة للتغيير وتداول السلطة، بحيث يتم تداول السلطة بين الأحزاب في إطار النظام السياسي التعددي، على أن تبقى مؤسسات الدولة السيادية هي الراعية والضامنة لهذا التداول من خلال إمساكها بمجمل عناصر القوة السيادية للدولة، وفي ظل هذا النظام التعددي  لا تحتاج القوى السياسية والاجتماعية أصلاً إلى استخدام  الثورات المسلحة طريقاً للوصول إلى السلطة، حيث لا يوجد إلا طريق واحد وهو طريق صندوق الاقتراع، ولكن في حال تعرض المركز السيادي للدولة للسطو والاستحواذ من قبل السلطة الحاكمة الفردية او الحزبية؛ يصبح من الصعب على الجماهير إحداث التغيير وتداول السلطة عبر الانتخابات الحرة، لأن هذه الانتخابات تكون هي الأخرى قد تعرضت للسطو والاستحواذ ضمن عملية السطو والاستحواذ على المركز السيادي للدولة وبتالي تتحول الانتخابات إلى طاحونة دوار لإعادة انتاج النظام نفسه من جديد في كل دورة انتخابية وبصورة متكررة؛ ونتيجة لهذا الوضع فإن قواعد النظام السياسي التعددي تكفل للجماهير حق استخدام وسيلة النضال السلمي في وجه سلطة الاستحواذ ، ومن ذلك الثورات السلمية بهدف استرداد الوضع الطبيعي للمركز السيادي للدولة .

ثورة ناعمة

في هذا السياق يمكن القول بأن ثورة 11 فبراير عام 2011م  في حقيقتها ثورة سلمية ناعمة لمواجهة انحراف في مسار نظام الحكم السياسي، وبهدف اسقاط السلطة الحاكمة لا بهدف الانقضاض على الدولة السيادية؛ كون الثورة على الدولة هي ثورة على السيادة، والشعوب الحرة لا تثور على سيادتها ابدا؛ وبالتالي يصبح شعار اسقاط النظام   من اجل مواجهة  الانحراف في أداء السلطة الحاكمة الذي يشكل تهديداً للدولة السيادية، والذي يتعذر مواجهته في ظل بقاء سلطة النظام المتسبب فيه.

لقد تعرض شباب ثورة فبراير وغيرهم من جموع الشعب الثائر لكل أشكال القمع والتنكيل الذي مارسته السلطة الحاكمة بأدواتها القمعية، والذي برز في أسوأ صوره في أحداث جمعة الكرامة الموافق 18 مارس 2011م، أعقب تلك الاحداث استجابة وطنية من قبل قطاعات مهمة في الجيش في يوم 21 سبتمبر 2011م  وهو اليوم الذي تزلزل النظام الحاكم على إثره، مما أجبر رئيسه حينها بالإعلان عن استعداده للتنحي عن السلطة، ونقلها دستوريا في إطار انتخابات رئاسية وفترة انتقالية، مع ضمان الحصانة له ولرموز النظام القديم مقابل ترك السلطة، وقد تم تقديم هذه المبادرة بتفاصيلها عبر وسطاء دوليين، وبهذه المبادرة أصبح نظام "صالح" ـ في نظر الشعب في الداخل والغير في الخارج ـ في حكم الزائل، ولم يعد الأمر سوى جملة من الإجراءات الشكلية التي بموجبها يتم نقل السلطة إلى فترة انتقالية.

لقد كان من الطبيعي أن تبرز مطالب ثورية بضرورة استمرار الضغط الثوري الشعبي حتى إسقاط النظام القديم بكل رموزه، ومؤسساته العسكرية والأمنية، وإجبارهم على تسليم السلطة إلى مجلس انتقالي ثوري؛ وبالتالي إعلان نجاح الثورة وتثبيت مبدأ الشرعية الثورية، الا ان غالب ظني يجعلني اذهب الى القول بان  هناك ثلاثة أمور هامة ومعتبرة أدت إلى العدول عن فكرة المجلس الانتقالي الثوري وتثبيت مبدأ الشرعية الثورية وهي:

- الأمر الأول: أن الثورة في حقيقتها ثورة سلمية ناعمة وليست مسلحه وهو المبدأ الذي حرص الشباب الثوري على الالتزام به، ومن ثم التعهد بعدم اللجوء الي خيارات القوة العسكرية التي تتعارض مع مبدأ سلمية الثورة.

-الامر الثاني: أن القطاعات العسكرية  التي أيدت الثورة هي الأخرى كانت قد أصدرت بيانها بتأييد مطالب الثوار سلميا دون استخدام السلاح في حسم مطالب الثوار وذلك من أجل الحفاظ على سلمية الثورة، وعلى وحدة الجيش بكامل مؤسساته باعتباره جيشا وطنيا يخضع للدولة السيادية وليس للسلطة الحاكمة والحزب الحاكم. 

-الامر الثالث: أن ثورة 11 فبراير2011م كانت قد اندلعت في وقت كان المجتمع الدولي ومجموعة أصدقاء اليمن الدولية، وهم الذين اشرفوا لاحقا على تنفيذ المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، قد وضعوا اليمن في خانة الرعاية الدولية كدولة متعثرة (غير مستقرة) ضمن حزمة قرارات دولية تهدف إلى نقل اليمن من وضعها غير المستقر إلى أوضاع الدولة المستقرة، ومن ثم إعادة بنائها من جديد وفقاً لقواعد النظام السياسي التعددي ومفردات ما يسمى بقضايا الحوكمة وقواعد الحكم الرشيد التي اعتمدها مؤتمر لندن، وبعده مؤتمر الرياض كشريكين إقليمي ودولي في تنفيذ بنود هذه المصفوفة من الإصلاحات جنباً إلى جنب مع الشريك اليمني الحاكم  في إطار الرعاية الأممية، وهو الوضع الذي أدى الى إيجاد نمط دولي واقليمي للتعامل مع الحقيقة الثورية يرتكز على جملة من المخاوف من أن تؤثر وقائع الثورة الشعبية على البنية الاستراتيجية للدولة السيادية، ومن ثم الدفع بها نحو الانزلاق والانهيار الشامل، وبالتالي تعطيل برنامج الإصلاحات الدولة في اليمن،  ونتيجة لهذه الامور الثلاثة مجتمعة  فقد تم الدفع وطنيا وإقليميا ودوليا بالمبادرة الخليجية بشرعيتها الإقليمية والدولية، وبالتالي أخذت المبادرة الخليجية على كاهلها مسئولية نقل السلطة في اليمن سلمياً بما يتفق مع سلمية الثورة وفق تسوية سياسية فاعلة تكفلت بموجبها المبادرة الخليجية ومعها المجتمع الدولي بضمان حصول التغيير الذي نادى به الثوار، بعد أن تم إيداع مطالب  الثوار في التغيير واسقاط النظام في بنود المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.

بالمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية اكتسبت الثورة شرعيتها الدولية والإقليمية.

لقد تم التعامل مع المبادرة الخليجية باعتبارها أهم ضامن لنقل السلطة، وبالتالي فهي عامل مساعد للثوار، وليست بديلة عنهم، ومن شأنها مساعدتهم ضمن عمليتهم الثورية في نقل السلطة سلمياً، فضلاً عن ما تمثله المبادرة من اعتراف إقليمي ودولي بانتصار ثورة اليمنيين، والأهم من ذلك اعترافها بمطلب (التغيير) الذي نادى به الثوار، وهو المطلب الذي أكدته نصوص المبادرة الخليجية، وجعلته الأساس في عملية نقل السلطة بالتوازي مع  تعهد الثوار في الانخراط الجاد في عملية إعادة بناء القوام السيادي للدولة اليمنية وتجميع عناصرها من جديد على قاعدة التغيير.. وفي هذا الاتجاه يمكن القول بأن المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية قد أكدتا على ضرورة استكمال نقل السلطة في اطار المحددات التالية: 

1. التصديق إقليميا باسم مجلس التعاون الخليجي، ودوليا باسم مجلس الأمن على عملية نقل سلطة الرئيس صالح التي أطاح بها الثوار إلى نائب الرئيس عبدربه منصور هادي، وبالتالي إعفاء الرئيس صالح من مهامه الدستورية عملياً.

2. اعتماد فترة انتقالية لمدة سنتين يتم من خلالها تهيئة المناخات المساعدة لحل مشاكل اليمن العالقة مثل القضية الجنوبية، وقضية صعدة، وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة طبقاً لقوانين العدالة الانتقالية، وتحديد شكل نظام الحكم الجديد في إطار المهمة الدولية لإعادة بناء الدولة السيادية المتعثرة والتي تسير نحو الانهيار الشامل، وهي المهمة التي سبق وأن اضطلع بها المجتمع الدولي ابتداءً بمؤتمر لندن وحتى مؤتمر الرياض.

3. اعتماد نائب الرئيس عبدربه منصور هادي كرئيس منتخب لمدة سنتين بشرعية انتخابية توافقيه وفق المعايير الانتخابية الدولية المخصصة للدول المتعثرة والأوضاع غير المستقرة. 

4. نظراً لما يمثله الجيش اليمني من أهمية كمؤسسة سيادية وضامنة لعملية إعادة بناء الدولة السيادية الجديدة؛ فقد ضمنت المبادرة الخليجية الآلية التنفيذية مسألة إعادة بناء الجيش وهيكلته وتوحيد قوامه العسكري وفق أسس حديثه تنسجم مع مهام ووظائف الجيش في الدولة المدنية، وذلك عبر الإطار القيادي المؤقت المسمى بـ(اللجنة العسكرية والاستقرار الأمني)، وتحت إشراف وقيادة الرئيس المنتخب عبدربه منصور هادي.

5. نظراً لما يمثله إطار اللقاء المشترك وشركائه من أهمية، كونه الإطار السياسي للثورة الناعمة الذي قاد مسارها السياسي، وجسد بالملموس طابعها السلمي، فقد حرصت المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية على اعتماد هذا الإطار السياسي كطرف فاعل باعتباره أحد مكونات الدولة السيادية المبعثرةـ وأهم الضامنين الاستراتيجيين لعملية إعادة بناء الدولة السيادية الجديدة؛ وبالتالي أسندت إليه مهمة قيادة الحكومة الانتقالية برئاسة الأستاذ محمد سالم باسندوة.

6. احتفظت المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية بإطار المؤتمر الشعبي العام ضمن قوام الحكومية الانتقالية بالتناصف؛ كونه شريك موقع على المبادرة الخليجية وذلك لما لهذين التكتلين الحزبيين (المشترك والمؤتمر) من دلاله سياسية كونهما يعبران عن حقيقة النظام السياسي التعددي بكامل قوامه (السلطة+ المعارضة) والذي يعتبر أحد عناصر ومكونات الدولة السيادية اليمنية التي ترتكز في حكمها على النظام السياسي التعددي.

7. لقد ضمنت المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية  لشباب الثورة حق  الاستمرار بثورتهم سلمياً والرباط في ساحاتها حتى تتحقق أهدافهم، كما ألزمت الآلية التنفيذية الحكومة الائتلافية بفتح حوار وطني شامل مع شباب الثورة  وإشراكهم في المعادلة السياسية القادمة على النحو الذي يؤدي إلى تحقيق مطالبهم وحقهم في التغيير وإقامة الدولة المدنية  الحديثة.

8. أكدت المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية بوضوح على أن العبور إلى الفترة الانتقالية لا يتم إلا عبر الانتخابات الرئاسية باعتبارها إشهاد شعبي ومجتمعي على نقل السلطة دستوريا.

الانتخابات الرئاسية

بالنظر إلى ما ذكر من القواعد والشروط والخطوات الإجرائية التي تبنتها الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية كخارطة طريق دولية لنقل السلطة سلمياً خلال الفترة الانتقالية على قاعدة (التغيير) يمكننا توصيف هذه الانتخابات باعتبارها انتخابات رئاسية أعقبت ثورة سلمية ناعمة أطاحت بسلطة الحكم في ظل واقع دولة سيادية تتعرّض للتآكل والانهيار؛ وبالتالي فهي تستند الى شرعية دستورية عليا، ومشروعية انتخابية يغلب عليها التوافق لا التنافس للتعبير عن حقيقة الاشهاد الشعبي والمجتمعي الشامل على نقل السلطة والدخول في فترة دستورية جديدة، وعلى الصعيد الدولي فمن الواضح أن الرؤية الدولية الداعمة للانتخابات الرئاسية  قد تعاملت مع شخص فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي باعتباره أهم عنصر من عناصر القوام السيادي للدولة السيادية السائرة نحو الانهيار الذي ينبغي الاحتفاظ به لفتح أفق جديد لمهمة إعادة بناء الدولة في مرحلة فاصلة بين عهدين؛ وذلك لما يحظى به  الرجل من مشروعية توافقية داخلية بين الأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة، وكذا بين فريقي الجيش المنقسم، فضلاً عن مكانته الخارجية إقليمياً ودولياً، وقبل ذلك وذاك، احترام الثوار وتقديرهم له، باعتباره أهم ما تبقى من رأس الدولة السيادية ومركزها السيادي؛ وبالتالي أصبح هذا الرجل من المنظور الثوري والانتخابي معاً يمثل العنصر السيادي المهم الذي يمكن أن يشكل قطب الرحى الذي تتجمع حوله بقية عناصر الدولة السيادية المبعثرة من أجل إعادة وتشكيل القوام السيادي للدولة السيادية على قاعدة التغيير ومفهوم الدولة المدنية الحديثة التي نادى بها الثوار وصادقت عليها المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وأيدتها المؤسسات الدولية ومجلس الأمن.

الحوار الوطني الشامل

إلى جانب هذه الشرعيات الثلاث (الدولية، والثورية، والدستورية) هناك شرعية رابعة فرضتها الأوضاع المفتوحة ومهام إعادة بناء الدولة، وهي الشرعية الحوارية الجامعة التي تلتقي فيها كل الشرعيات تحت سقف الحوار الوطني من أجل إنجاز مهمة إعادة بناء الدولة اليمنية السيادية وصوغ وثيقة التأسيس لدولة الجديدة  بشرعية الحوار الوطني الجامع، وهي الشرعية التي انبثقت عنها وثيقة الحوار الوطني في إطار توجه وطني عام نحو إعادة بناء الدولة اليمنية بكامل قوامها الاستراتيجي.

تسويه تاريخية

حقاً لقد مثلت ثورة 11 فبراير الناعمة أكبر تسوية تاريخية شهدتها اليمن، حيث ألتقت فيها إرادة الشعب اليمني بالإرادة الإقليمية عبر المبادرة الخليجية التي سلم بها الثوار وأودعوا فيها مطالبهم، كما  سلم بها النظام المثور عليه باشهاد إقليمي،  بل ان النظام المثور عليه هو من اقترح بنود هذه المبادرة  للاشقاء  الاقليمين الذين اطلقوها كمبادرة اقليمية التقت فيها كل المطالب والارادات، ووقع عليها النظام القديم والنظام الجديد، والثوار والأحزاب، وعمدها الشعب عبر انتخابات شعبية بإشراف الاشقاء الاقليميين والمجتمع الدولي؛  لتنتج  بذلك كيانا سياديا اسمي بالشرعية الجديدة؛ الأمر الذي أغاض إيران فدفعت حلفائها في الداخل  كثورة مضادة استقوت ببعض تراكم احقاد النظام القديم لتنقض على هذا الكيان الشرعي الوليد في انقلاب غشوم سمي بثورة ٢١سبتمبر؛  لتطيح بذلك بكل مخرجات الكيان الشرعي الذي انتجته هذه التسوية التاريخية التي رعاها خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك عبد الله بن عبدالعزيز؛ لتنطلق على اثر ذلك عاصفة الحزم المجيدة بقيادة  الملك سلمان حفظه الله لاستعادة هذه الشرعية المجمع عليها، وسميت هذه العاصفة بعاصفة الحزم لاستعادة الشرعية، ولازال اليمنيون جميعاً في ميدان حرب استعادة الشرعية التي قامت على هذه التسوية التاريخية، وسيستمرون في حربهم  حتى الانتصار.الاكيد والناجز بإذن الله.

لمتابعة أخبار اليمن أولاً بأول.. سُعداء بمتابعة قناتنا على التيليجرام.. للاشتراك اضغط الصورة


القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2020 م

الى الأعلى