فبراير.. الثورة والفن

فبراير.. الثورة والفن

ليس الأدب والفن مجرد وسيلة جمالية ترويحية، ولكنه إلى ذلك ذاكرة موثوقة، وسِجلٌّ أمين تحتفظ فيه الأمم الحية بالبعدين الجمالي والإنساني لوقائع حياتها فرحا وترحا، بهدف إبقائها حاضرة متاحة للأجيال المتعاقبة لا يستطع محوها تتابع الليالي ولا كرّ الأيام.

ومن هذا المنطلق وجدت السينما الغربية مخزونا هائلا في وقائع الحربين الكونيتين: الأولى والثانية، لا في بعدهما العسكري ـ فتلك مهمة التاريخ ـ وإنما في بعدهما الإنساني ـ وتلك وظيفة الفن والأدب ـ فأنتجت عشرات الأفلام الجميلة، التي تناولت هذه الحرب ولكن من زاوية مختلفة لم تصل إليها أقلام المؤرخين على جلالة قدرها وعظمة دلالتها ألا وهي السيرة الإنسانية لهذه الحرب بما تنطوي عليه من مآس ذابحة، ومواقف حية حفظت للإنسانية وجهها النقي في محيط هائج بالشرور والمجازر.

والمتأمل في السيرة الإنسانية لثورة الحادي عشر من فبراير ، يجد فيها مادة ثرية من المواقف باذخة الجمال، تكفي لإنجاز عشرات الأعمال الأدبية والفنية، ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الشعر ـ بوصفه أقرب الأدوات الفنية لتسجيل الواقع ـ لم يتوان في مواكبة هذه الثورة، حيث ظلت القصيدة حاضرة في كل منعطفاتها ومجرياتها، وقد صدرت في ذلك مجموعات شعرية عديدة، فقد أصدر هائل الصرمي أربع مجموعات شعرية، وأصدر يحيى الحمادي مجموعته عام الخيام وأصدر ماجد السامعي مجموعته ربيع القذائف، وأمطرت فضاءات جبر البعداني وعمر السعيدي ومهدي الحيدري وغيرهم عشرات بل مئات النصوص الجميلة التي تتغنى بجمال فبراير وبعظمة رجالها من الثوار والشهداء.

وإذا كان الشعر قد أدى دوره هنا ولو في الحد الأدنى فإنه ينبغي أن لا يقتصر التسجيل الفني للثورة عليه، لأن هناك تفاصيل دقيقة في المواقف الإنسانية لا تصل إليها عدسة الشعر بوصفه أقرب إلى الشعارتية التحريضية منها إلى التسجيل الدقيق، وهنا يبرز دور الرواية، وقد أنجز في هذا السياق خالد العلواني روايتين جميلتين وما تزال هناك بحسب علمي مشاريع روائية عديدة سينجزها أصحابها في القريب العاجل أو أنها أنجزت لكن غياب النشر حال دون وصولها إلى يد القارئ الكريم.

ومع الاعتراف بحضور الشعر والرواية في مواكبة فبراير إلا أن دائرة تأثيرهما تظل محدودة، ومنحصرة في نخبة بسيطة تزداد ضيقا كلما توسعت إشكاليات الواقع، وهنا تبرز أهمية الأعمال الدرامية بوصفها الفن الجماهيري الأول.

وعلى كثرة الفضائيات اليمنية المناصرة لفبراير يبرز سؤال ملح: لماذا لم تتناول هذه الفضائيات ثورة فبراير بعمل درامي يجسد بعدها الإنساني رغم قدرتها على ذلك؟ فخلف كل جثة شهيد أم مكلومة وزوجة محزونة وأطفال تثقل أجفانهم دموع اليتم والفقد.

هي فكرة نضعها بين يدي هذه القنوات التي تصم الآذان وخاصة في شهر رمضان بالمسلسلات التي تتبنى النكتة البلهاء والتهريج السمج، في أن تتبنى إنتاج مسلسل عن ثورة فبراير، فما تزال الفرصة مواتية، ولاشك أنه سيكون مسلسلا ناجحا وسيتلقاه الناس بالرضى والقبول.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2021 م

الى الأعلى