2014عام العودة إلى الهوية

2014عام العودة إلى الهوية

يمضي عام ويأتي عام بشكل تتشابه فيه الأيام والأشهر وأكثر ما يميزها الأوقات الصعبة التي تعترضنا، والقطع المظلمة التي تغشى حياتنا ومسار أوطاننا.

 

يغلب على الناس أن ينظرون ببؤس وتشاؤم إزاء تلك المحن والمصائب، إنما النضج يجعل المرء يتفاءل حيث يولول الناس وينوحون، فالنضج يجعلك قادراً على رؤية منفعة هذي المحنة في تقريب تحقيق غاياتك العليا.

 

الأوقات الصعبة تكشف الأقنعة وتزيل الخرافات وتدحض الضلالات وتلاحق الأشباح حتى تسحقها بضياء الحقيقة الساحقة للأوهام.

 

هكذا نظرتُ لما حدث في صنعاء وهكذا نظرت قبلها لما حدث في أول المصايب وبداية الفواحش؛ انقلاب 2014 فليس بعد تلك المصيبة ما هو أشد منها. فهي جذر كل سوء بعدها.

 

من تلك الفترة استدعي لكم هذي الأسطر والذكريات أشاركها الأحبة والأصدقاء بإخلاص المؤمن بالهوية اليمنية القادمة لا محالة.

والتي كتبتها يوم 1 يناير 2015.

 

(إعادة نشر)

 

دعوني يا أحباب أنظر من زوايا مختلفة لعام 2014  من غير تلك الزوايا التي تعب غيري في شرحها وتفصيلها وسرد أحداثها المؤلمة، لا أرغب أن أبدد طاقة التفاؤل التي بحوزتي على أحداث عابرة ستزول بزوال أسبابها المؤدية إليها.

 

قسمتُ هذه السنة إلى نصفين؛ النصف الأول منها عشته خارج الديار في ماليزيا تحديداً، كنت مترقباً لحظات سقوط صنعاء بأيدي الثورة المضادة التي كانت تتشكل من أحقر فكر وأردأ طبقة من الناحية السلوكية والأخلاقية، فقد استغلت سلمية الانتفاضة والفعل الثوري والتأصيل الذي حظي به التغيير السلمي  الذي أُعلن عنه في 2006، فأعدت عُدتها مبكراً للانقضاض على السلم والوفاق والحوار ومخرجاته، في نذالة اجتماعية غير مسبوقة في اليمن المعاصر.

 

كان النصف الأول من هذا العام نصف المخاوف التي راودتني على بلدي التي حلمتُ لها أشهر وسنوات وليالي أن تكون دُرة المنطقة ومحط أنظارها .

 

 عدتُ في النصف الثاني من العام وحدث ما كنتُ أخشاه؛ سقطت عمران وسقطت على رأسي  - حينها - الكرة الأرضية، فلقد كنتُ أعلم أن صنعاء سقطت مع عمران - إن لم تكن سقطت قبلها- وما كان سقوط صنعاء إلا تحصيل حاصل لتحريض استمر منذ 1962 وعودتها إلى وجهها البشع الذي حسنته ثورة سبتمبر، لكنها لم تكمل نزع تشوهاته.

 

كان سقوط صنعاء بمثابة كارثة، لكني لم أنظر إليه إلا كسقوط للاقنعة الخفية التي ساهمت في إسقاط كل شيئ جميل في هذا البلد. كنتُ قبل سقوطها قد دعوتُ الحوثي ومن معه إلى دخولها لسببين؛ تحقق الأول، وأخفق الأخر كأمنية من الأمنيات، أما الذي تحقق فهو ظهور الوجه البشع للحوثية كحركة وأفراد وأعوان ومناصرين مأجورين من قيادات حزبية واجتماعية وإعلامية وتجارية وغيرها، وبذلك استبشرتُ بأن الناس سيرون الحقيقة بأعينهم، ولن ينجروا وراء تنجيم كهنة الإعلام والحداثة ومرتزقة المنظمات المشبوهة، وهذا ما سيُسقط الحوثيين سريعاً بلا تأخير، "فعلى قدر أخطائك يتسع قبرك ويقترب منك" .

 

وأما الأمنية التي أخفقت فكانت قيام الميليشات بعمليات تصفية للقيادات الحزبية الهرمة على مختلف مشاربها، ممن عجز التغيير ذاته عن إزاحتها عن المشهد اليمني منذ اندلاع الإنتفاضة الشعبية، إلا أن الحوثي طلع "اضرط" منهم فتركهم كشهود زور على مرحلة ليسوا إلا أسوأ  من فيها، بالإضافة إليه. حزنتُ كثيراً على سلامتهم جميعاً، وأدركتُ أنه لو كان فيهم خير لختم لهم التاريخ بذكريات حسنة، لكنه تركهم كجرذان على ظهر سفينة لا تدري لهم وزناً.

 

ما يهمني في هذه الأحداث أنها أعادت لليمنيين ذكرى هويتهم الغائبة منذ عقود، فكانوا إما أممين عديمي النظر مع "اللي كرعة زومه وعدمة يومه" وإلا قوميين يرون  اليمن نقطة صغيرة في محيط عربي واحد متماسك في عقولهم فقط، وإما إسلاميين يرون الكون كله لهم وأينما قيل "حيا على الفلاح" فذاك قسمتهم وضمن أملاكهم الخالدة. كل تلك الرؤى هشة حتى وإن كانت لها جذور تاريخية،  أو عرقية، أو فكرية لأنها بكل بساطة تنطلق من الهواء الطلق، ولا تقف على أرضية ثابتة واضحة المعالم والحدود.

 

كنت أخوض صراعاً ذاتياً عنيفاً حول الهوية والدولة منذ العام 2001 ووصلت إلى قناعة مع الثورة  في 2011 إلى ضرورة العودة إلى الأصل، وإلى الهوية  اليمنية الجامعة، بعيداً عن الأفكار المتضاربة والاتجاهات المختلفة والمذاهب السطحية، و آمنت بأن الهوية اليمنية هي ملاذنا ولا مخرج، ولا قوة، ولا نهضة لبلدنا بدونها. ولأننا شعب عاطفي كانت قد ذابت هويتنا منذ فجر الإسلام في ظاهرة هي الأغبى من نوعها على مستوى المنطقة وربما العالم إذ ترك اليمنيون حضارتهم وتاريخهم ودولتهم الممتدة إلى عشرة ألف سنة على اقل تقدير من قبل ظهور الإسلام ذاته، فما الذي كان سيحصل لو أنهم  اعتنقوا الإسلام  وحكموا أقل شيء بلدهم أو البلدان التي فتحتها سيوفهم، بدلاً من الدخول في حكم قريش ودولها العائلية؟

 

وعوداً على بدء كنت أُقنع من حولي بالهوية اليمنية الجامعة نتخلص فيها من كل ما يخدشها، أو لا يتوافق معها من أفكار، ومذاهب، وقلت لهم يجب أن تقدم الهوية اليمنية على ما سواها، وتحدثتُ ملياً إلى من رأيتُ فيهم الفهم والقدرة على خوض غمار صراع من أجل عودة الهوية، وحدثتهم عن ضرورة تخليص شعبنا من مذاهب قريش في اليمن "الزيدي والشافعي" لأنها تُعيق تفكير الناس، وتذهب بهم خارج نطاق الفعل المدني والحضاري والإنساني، وتُقيدهم بمقولات الموروث القديم وتنقلهم إلى العيش في الماضي بكل تناقضاته. كما أنها تمنح قريشاً وسلالتها حقوقاً لا تُمنح إلا في الأساطير والخرافات  للآلهة وحدها.

 

هنا أجدني  مديناً للحوثيين بشكر كبير، بحجم الأسلحة التي سرقوها من 2004 إلى 2014  لأنهم جعلونا أسرة  يمنية واحدة وأعادوا شرح فكرتي عن الهوية اليمنية بأسلوبهم الساذج من القتل، والسيطرة، والاحتقار لكل ما هو يمني. أعلم أنهم بغبائهم سيستمرون إلى أن تنضج فكرة الهوية اليمنية الجامعة، وسيتناسى الناس دعاوى المناطقية والمذهبية والطائفية وسيلوذون بهويتهم لتعصمهم من الطوفان الإيراني القرشي.

 

في عام 2014 أدركتُ أين تكمن مشكلتي الحقيقة؛ في أني لا أستطيع الإنتصار لذاتي ونفسي، فهذا ضد ما تربيتُ عليه، فلم أكن لنفسي يوماً ما، وهذا سر ضعفي من ناحية وسر قوتي من ناحية أخرى، الذوبان في المجموع والتماهي مع العامة لا يستطيعه أيّاً كان، وإنما يحتاج إلى تدريب على مستوى عال واستمرار في التماهي وحب يملأ الكون للجميع، بمعنى "إنسَ قلبك وكن قلب الكون".

 

وفي 2014 تتلمذت على يد مولانا جلال الدين الرومي زرته وزارني مراراً وتكراراً  وتطور مفهوم العشق الإلهي وحب الناس بمختلف ديانتهم وأفكارهم بلا تمييز. تعلمت من مولانا الصبر والعشق والمتعة حتى بطعنات الغدر والتزمتُ له بأن لا التفت لما يُقال أو سيُقال مادام أن القلب متعلق بمولاه فلا شيء يهم.

 

في هذا العام ذهب حبيبي وصديقي وجاري وأستاذي صادق منصور  إلى الله كما يذهب العظماء وحدهم وفي جيبه عشرة ألف ريال وارد البنك المركزي اليمني، وهذه كل ثروته النقدية، فتعلمت أن العظماء لا يتركون لذويهم إلا الحب، فهو من يحقق المعجزات.

 

بالنسبة لي فعام 2014 هو عام النضج، ومعرفة الذات، واجتياز قصر في النظر  للأحداث بسطحية، والتشاؤم من الوقائع مهما علا شأنها، وكنت أردد مع الصفي الحلي:

 

في فسادِ الأحوالِ للهِ سرٌّ

  والتِباسٌ في غايَة ِ الإيضاح

فيقولُ الجهالُ: قد فسدَ الأمــرْ،

وذاكَ الفَسادُ عينُ الصّلاحِ

 

وهنا اكتملت الفكرة ونضجت العبارة وارتسمت معالم الوصول للمستقبل دون الالتفات إلى الخلف أو التوقف عند الأحداث.

 

 قبل بضع سنوات كتبت حول موضوع تطوير مذهب الإمام الشوكاني ليكون مذهباً للأمة اليمنية، ولأسباب كثيرة لم أنشر ما كتبت.

 

سقوط صنعاء في أحضان إيران كان القنبلة الموقوتة التي لم أصنعها أنا، لكني ممتن لإنفجارها، فقد كنت احتاجها أيّما احتياج لإيقاظ عملاق الهوية النائم في صدور جيل التغيير.

لمتابعة كل جديد أولاً بأول.. سُعداء بمتابعة قناتنا على التيليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2020 م

الى الأعلى