في وداع "الشيخ يغنم".. يرتجف الحرف والقلب في محراب الكتابة

في وداع "الشيخ يغنم".. يرتجف الحرف والقلب في محراب الكتابة

 

كانت السحب داكنة في زرقة السماء في مساء امس  الأحد 20/12/2020 ، كحزن كوني، في وداع رجل من أهل الله "بلهجة القرويين"  رحل مسجى ، ببياض سيرته وخاتمته ، بأناقة  الزهد والورع والعلم والحكمة والوقار. والادب ، مغسولا بشآبيب الرحمة والمغفرة ، في تواضعه ، اتعب من بعده كل القادة ،  وبلغة الساسة كان الاكثر  حنكة ودراية. ودهاء ،وبلغة الادب ، كان كالمزن غزيرا المعنى ، في البيان والخيال يروي القلوب والعقول والارواح بفيوض عطائه العلمي والادبي والتربوي ، فسلاما عليك حياً وميتاً، يا ابا عبد المجيد.

 انه الشيخ حسن الصغير حمود يغنم، الرجل الذي، رحل الى الله، نافضا الدنيا بيديه، بعد عمر حافل بالعطاء والتضحية والعلم والادب ، اشعل اول برلمان يمني بمداخلاته وجرأته وشجاعته وملاحظاته القانونية في سبر جلسات المجلس الوليد حين ذاك.

 كان عالما ربانياً، وسياسيا من طراز فريد ، العالم الذي لا يهاب ولا يرتجف ولا يخشى في الله لومة لائم، ناصحا الجميع، منبرياً بين كل الصفوف، يقول كلمة الحق حين يصمت الآخرين، متحدثا بارعا تعرفه كل الساحات والحسود في مواطن الأدب والسياسة والثقافة، بشعره ومواعظه.

كان نعم القائد الاصلاحي وهو رئيس دائرة سياسية للإصلاح في الحديدة ، وحين صار أمينا لمكتبه التنفيذي، وحتى صار رئيسا له في آخر مؤتمر للإصلاح، في الحديدة، حتى وافته المنية،  فهو ابن مديرية برع، سليل المتصوف عبدالرحيم البرعي ، ذائع الصيت ،  عاش مجالسا علماء زبيد المراوعة الزيدية وتهامة قاطبة  ، كانت ايهاب التصوف في شعره ولغته ،وروحه وابتسامته ، تصوف حياة لا ركود ، تصوف نقاء وحياة وعلم وعمل  ونضال ودفاعا عن الحق والعدل والحرية واليمن.

 كانت اللحظات قاسية وانا أرثيه ، واكتب بيان نعيه،  وانا استقبل نبأ فاجعة رحيل علم من اعلام تهامة.. وقائدا اصلاحيا فريدا ، حين نعته الامانة العامة لحزب الاصلاح قالت بأن الاصلاح فقد " علما من الاعلام الميامين ، وقائدا من القيادات الابرار والنجباء ، ورجلا من الرجال  الافذاذ  الذين سخروا انفسهم في خدمة الوطن في مختلف الظروف والمراحل.

ومنذ البارحة، وأنا افكر كيف اكتب عن رجل ترتجف في حضرة الكتابة عنه الحروف والقلوب معا، استسلمت بعدها  لأرق خواطري ، وحتى فجر اليوم ، استيقظ على رسالة ثانية ، سيتم تشييع الشيخ حسن يغنم في جامع الرضوان بمدينة مأرب.

 هل فعلا غادرنا العالم الرباني حسن يغنم ،؟  ستبكيه القصائد والشعراء ، تلاميذه ورفاق درب نضاله الوطني ، رايت وقرأت في حدقات وكتابات الكثير من تلامذته ، في السوشيال ميديا ،  حزنهم العميق ، لرحيل شيخ بحجم  "يغنم"، العالم والاديب السياسي ؛ والقائد الاصلاحي ، الذي اتعب من بعده كل قادة الاصلاح ، في الزهد والورع والتقوى ليست تزكية ، فلا نزكي على الله احدا ،  لكنها شهادة يؤكدها كل من رافق وعاش وجايل ، ابا عبدالمجيد.

رغم المرض الذي ألم به في الآونة الاخيرة ، يقابل الجميع ببتسامة غاصة بالإيمان ، مفعمة بالأمل والنصر ، لايفتر من قول النصائح وخواطرة نثرا وشعرا  ، وحين انهكه المرض ، سقط مغشيا عليه ، وهو يؤدي ركعتي الراتبه لصلاة المغرب ، اسعف متوضئا ،  يقول الطبيب المعالج ، كان حالة نادره ،من بين كل المرضى الذين استقبلتهم ، فرغم دخوله في جلطة دماغية ونزيف دماغي ، وصل الي  مسبحا مستغفرا ، كنت اسمع تسبيحاته واستغفاره رغم الغيبوبة التي دخل فيها   ، بقي لسانه رطبا بذكر الله ،  يعلق الاستاذ احمد عفيف " حفاظ القرآن والذاكرين والعلماء هذه هي خاتمتهم"  ، يفدون الى ربهم مكللين بالتسبيح والاستغفار ، اللهم ان كان بيننا وبين الموت مسافة طويلة فساعدنا كي نزرعها بصالح الاعمال ، وان كان بيننا وبين الموت مسافة قصيرة فلا تمكنه منا الا ونحن ساجد لك ، فما بين الصلاة  والتسبيح اختار الله الشيح حسن يغنم ، ضيفا عليه ، اللهم اكرم نزله يا اكرم الاكرمين..

قبل أيام التقيته خارجا من مقر اقليم تهامة ، وحين لم يجد سيارة تتفله الى منزله ، كان على متن دراجة نارية ، خرج من بين العديد من السيارات بعمامته البيضاء ، وجبة وقاره، راكبا على متن دراجة ناريه ، بتواضع وارف . في مشهد ارتجف له الاسفلت ، قبل مشاعري ، كان يعبره مبتسما في وجه سائق الدراجة، مشاهد طالما رأيناه بها وهو متجه الى مقر الاصلاح في الحديدة او الى منزله في اكثر من موقف ومشهد

مشهد يفوق التصور ، فوق القلب ، فوق المشاعر.

 لقد ارهق الجميع من بعده ، وهذا سبب بأن مثل هذه القدوات لا تُنسي .ولايغيبها الموت ، بل يعيدها سيرة وقيما لا تبارح ذاكرة الاجيال. الأمر أشبه بأن لا ينتهي المشهد اللافت لوقار رجل وعلمه وحضوره العلمي.والادبي  والوطني والنضالي ، فتجده في قمة التواضع اذ يسقط الكثير في بهو الزهو الفارغ  ، ومظاهر الزيف الخادع ، من الصعب أن يتساوى بنظرك كل شيء ،  دون هذا  استثناء الذي كان عليه شيخنا ابا عبد المجيد يغنم.

 استدعيت من جراب الذاكرة.. هذا القائد الرباني النبيل.. حين كتبت عن دوانه الشعري في ملحق الثورة الثقافي وصحيفة الصحوة  قبل 10 سنوات ، كنت في كل قراءة اكتشف الجديد في قصائده السابحة في مواجيد الروح المحلقة في السماء تسبيحا وفواتح صلوات ، ولواعج انابة ، وارق بقضايا الامة والوطن والانسان.

  يغادرنا الشيخ حسن يغنم  ليفقد الاصلاح وتهامة واليمن قاطبة ، عالما جليلا  .. قدوة وقائد اتعب من بعده الكثير ، مفعم بألق الفكر ، وافر بالشفافية والحضور والادارة والارادة، ان تنعي انسان هو بمثابة أب روحي لك .. تغدو الكلمات في حضرة الكتابة عنه ...شاقة  ومؤلمة ومحفوفة بالدمع والنشيج.. يا لهذه الحياة ، ها أنا اكتب نعي ، لا ادري  ان كنت اكتب نعي فيك ، او ان رحيلك نعي للجميع ، ان لم  ليكونوا على مسارك علما وادبا وزهد وتقوى وشجاعة.

  يا شيخنا الحبيب .. ها انا ارتجف حرفا ونبضا .. في مقام الكتابة عنك ... وانت تخلد في حضور حياتك الجديدة .. الموت ليس نهاية الوجود .. انه انتقالة لحياة خالدة .. اسمى وأنقى وأطهر من حياة مكدودة بنا حد الموت ..

 القدوات ،  لا يموتون .. لكنهم يتخلقون بمآثرهم وابداعهم وحركتهم وتواضعهم وعلمهم .. نم يالحبيب .. لا زلت في تعاريج الوريد استاذا  ومربيا وسياسيا واديبا ، يؤرخ لك الجميع  حضورك  الذي، ستعصي على الغياب.

كنت  في حياة الكثير ممن احبوك ، كالمطر بجماله وعبقه وبهائه وطهره  ومفاجآته تزرع  بداخلَنا ألفَ شتلة مورقة بالحرية ، مزهرة بالنبل والحضور البهي.. صارت الكلمات والحروف في المنابر التي تحدثت فيها واعضا ومرشدا محفورة في ذاكرة الجميع ، وكلماتك وانت في ساحات النضال السياسي مدافعا عن اليمن وهويته وكرلمته عالقة في اخضرار الروح ..

كنت صالح السَرِيْرة،  فأصلح اللهُ علانيتَك، وخاتمتك ، وأصلح فيما بينك وبينه سبحانه ، واصلحِ الله فيما بينك وبين الناس، فكنت نعم العالم الرباني المصلح الصالح ولانزكي على الله احدا ، الكبار وحدهم يغادرون الحياة تاركينها كما وجدوها في نظراتهم ، اذ استحالت عمر مفعم بالخير والصلاح والعمل الصالح ، تركت هذه الحياة فقيرة اليك ، وانت الفقير منها ، عشت تمدها بالعلم والادب والنضال لاجل الحق والحرية والعدل والقيم النبيلة..

اعتذر ممن يغادرون لانهم لن يجيدو سوى الكلمات التي تتبعثر من قلبي لتكُتب على حواف هذا الحياه المليئه بلخذلان .. كم تبدو تلك المسافة هائلة بين ما يشعر به المرء اثناء الكتابة عن استثنائيين في حياتنا وبين ما يستطيع شرحه للآخرين .عنهم ، تعجز الكلمات عن تدوين مآثرك ، وقد دونتها مواقفك كتاباتك قصائدك ابتسامتك مواعظك الندية. ف‏الموت الأعمق ، هو الموت ولسانك تلهج بذكر الله ، تاركا حياة خلدت فيها قيما وعلما وادبا ، كالأنبياء والعلماء والعظماء هذه هي تركتهم ، يغادرون الحياة دون اكتراث بالوانها وزخارفها ، لان أزهار اعمارهم ، افنوها لأجل  ما هو جميل لأجل الانسان والقيم النبيلة لأجل مشاريع الحياة وهذا بحد ذاته كفاح يليق بتاريخك الحافل في مواطن الدفاع عن اليمن وهويته وكرامته.

 رحمة الله تغشاك.. يا ابا عبدالمجيد، وللأخوة في إصلاح الحديدة ولكل احبابك وتلاميذك  ورفاق دربك وأسرتك.. فائق مواساتي .. "وإنا لله وإنا اليه راجعون".  

لمتابعة كل جديد أولاً بأول.. سُعداء بمتابعة قناتنا على التيليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2020 م

الى الأعلى