الإصلاح.. وتجاوز الانقسامات التاريخية

الإصلاح.. وتجاوز الانقسامات التاريخية

نشأ الإصلاح في بيئة متعددة التنوع الاجتماعي والفكري والسياسي، ليست بيئة نشأته وحده بل هي ذات البيئة التي نشأت فيها التعددية السياسية برمتها، فمن جهة تركت تراكمات حقبة حكم دويلات الإمامة أثرها الاجتماعي والنفسي بصورة تُعقّد ممارسة التعدّدية بأي شكل من أشكال تطبيقاتها السياسية، ومن جهة أخرى فإفرازات الصراع الشطري بما صاحبه من تعدّد المشاريع الحاملة له التي كان كلٌ منها يضبط بوصلته السياسية والفكرية على أولويات الجهة الخارجية التي يتلقى أوجه الدعم منها؛ أفرز ذلك الواقع بيئةً مقّسمة ومتفكّكة بشكل يمثل تحدياً كبيراً أمام نجاح التعددية السياسية كتجربة ناشئة في محيط معزول عن ممارستها. فكيف نجح الإصلاح في تجاوز تلك الانقسامات التاريخية لتأتي ذكرى تأسيسه الثلاثين وما زال هو صاحب الحضور المؤثر في الساحة اليمنية، والعنوان الأبرز لحديث الإعلام المحلي والخارجي المحب والمبغض، والجذر المهم في التأثير على ملفات البلد الساخنة؟ وكيف حافظ على ثباته المبدئي وتماسكه الداخلي طيلة ثلاثة عقود في ظل بيئة لا تساعد على الثبات والتماسك؟

 

تجاوز الانقسامات المذهبية

كعادة تواجد المشاريع السياسية المبنيّة على كهنوت ايدلوجي تركت فترات تسلّط الإمامة الهادوية واقعاً ثقافياً متردياً حدّ الانقسام المذهبي سيما في مناطق شمال اليمن، ومنذ الثورة السبتمبرية المجيدة أسهمت جهود تنويرية في سدّ الفجوة بين التعصب المذهبي وبين الانتماء الوطني الجامع، ومثّلت المعاهد العلمية متغيراً مؤثراً في إذابة التعصب المذهبي عبر مناهجها التعليمية، كانت المعاهد العلمية مؤسسات تعليمية رسمية تتبع الدولة، لكن لأن قيادات ورموز تلك المعاهد أصبحت بعد التعددية السياسية وتأسيس التجمع اليمني للإصلاح قيادات في هيئاته فقد حُسبت تلك الإنجازات التعليمية في الذهنية الشعبية والسياسية على حزب الإصلاح خصوصاً وأن أدبيات تأسيس الحزب تنص على إعلاء مضامين الهوية الوطنية ونبذ الفرقة المذهبية، وأياً يكن فإن ما أنتجته المعاهد العلمية من إذابة الفرقة المذهبية قد ساعد الإصلاح في المضي على نفس النهج الهادف إلى توحيد الهوية والانتماء تحت راية الانتماء الوطني الذي لا يلغي التنوّع ولا يحاربه لكنه يمنع التعصّب الأعمى للهويات والثقافات والمذاهب، حيث كرّس الإصلاح ذلك في مناهجه ومناشطه وفعالياته وتحالفاته وعلاقاته. وخلال العقد الأول من تأسيس الإصلاح تحوّلت المذهبية (الزيدية – الشافعية) إلى تعبيرات سياسية تدّل على الانتماء الجغرافي بين شمال الشمال وبين وسط اليمن وغربه أكبر من مدلولاتها المذهبية، كما انفتح الإصلاح على العضوية فيه من مختلف المناطق والانتماءات الضيقة وبفضل مناهج الإصلاح وأنشطته تم صهر جميع منتسبيه في بوتقة الولاء الوطني والتحرر من العصبية المذهبية، فتجاوز الإصلاح بذلك الانقسامات المذهبية على نفسه، ثم انطلق أعضاء الإصلاح بذات المضامين في استهداف المجتمع بها مسنودة بالخطاب الرسمي للإصلاح وسياساته المركزية، ولم يمض العقد الثاني من تأسيس الإصلاح إلا وقد انتهت المذهبية عملياً وتلاشت أفكارها وخفتت عناوينها، حتى جاءت الجائحة الحوثية قادمة بأحقادها التاريخية وحاملة للفكرة المذهبية المتعصبة؛ محاوِلةً بعثها من جديد بعد زهاء ستة قرون من ثورة سبتمبر الخالدة، وعقدين ونصف من تأسيس الإصلاح.

 

تجاوز الانقسامات المناطقية

استطاع الإصلاح تجاوز انقسامات المجتمع المناطقية التي كانت شراً تقود إلى عديد من الشرور حيث كانت العصبويات المناطقية هي المتحكمة في الصراع السياسي وقضايا التمثيل والأغلبية وعلائق المجتمع ببعضه، ففي الشطر الشمالي كانت ظاهرة المناطقية تفرز المجتمع وتفتّ نسيجه الواحد وقد برزت عناوين كثيرة تعبّر عن ظاهرة المناطقية البغيضة على أساس: يمن أعلى، ويمن أسفل. وجباليه وتهاميه. وبرغلي/ لغلغي وهضبة. أما في جنوب اليمن فبرزت كثير من عناوين الفرز المناطقي على أساس: قرية ولفيف. وطغمة وزمرة. ومثلث دوم وتابعين. وغيرها من العناوين المعبرة عن تفكك سياسي واجتماعي. ووجد الإصلاح نفسه أمام سيل كبير من التباينات والانقسامات المناطقية تضع العراقيل أمام الوحدة الداخلية لأي مكون سياسي أولاً، ثم أمام وحدة المجتمع وتماسكه ثانياً، لكن الإصلاح استطاع المضي ثلاثة عقود من عمره حتى الآن موحد البنية الداخلية الواسعة من شمال الوطن إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، حيث ساعدت أهداف الإصلاح وأنظمته وتمثيل أعضائه على مستوى القواعد والقيادات الوسطى والقيادات العليا ساعدت على صهر الجميع تحت المبادئ والقيم والسياسات والبرامج المعبرة عن المشروع الوطني الجامع، فلم يعد أي من أبناء الإصلاح في الشمال وفي الجنوب يجد شعوراً فارقاً تجاه بقية الأعضاء، وتوحدت الرؤى والاهتمامات بينهم تحت طائلة البرنامج السياسي للحزب، وأصبح الإصلاح بذلك صورة عملية للوحدة الوطنية، بل ويراه كثيرون صمام أمان الوحدة اليمنية.

 

تجاوز الانقسامات الاجتماعية

لعلّ من أبرز مساوئ الإمامة وإرثها البغيض التقسيم الطبقي للمجتمع اليمني، وفرز أبناء اليمن إلى فئات اجتماعية متعددة تترتب عليها الحقوق والواجبات، وتتحكم في العلاقات الاجتماعية بصورة بدائية وعنصرية، فصار المجتمع منقسماً إلى طبقات وفئات على أساس العرق والمهنة، فهنالك ما يسمى بالسادة، والقضاة، والقبائل، وأهل الخُمس التي تسمى في مناطق أخرى أهل الثلث؛ بل صار التقسيم عدة تقسيمات داخل الطبقة الواحدة فطبقة الهاشميين سادة حسينيين وأشراف حسنيين، وطبقة أهل الخمس مزاينة وجزر وصناع وقرَوْ وبَيَع ...، وأصبح ذلك التقسيم أساساً لتعيين حق الحكم وعلاقة الحاكم بالمحكوم، وأساساً للقيام بالأدوار وتأدية الواجبات وأخذ الحقوق، وأساساً قانونياً لعلاقات الزواج والمصاهرات، ولقد أرادت الإمامة بهذا التقسيم حصر حق الحكم في سلالتها الهاشمية، وتحقير المهن والتجارة وحصر ممارستها في فئات محتقرة لديها، وذلك بهدف تفريغ القبيلة لمهمة القتال في حروب السلالة ومشاريعها السياسية، ليأنف القبيلي أن يكون حداداً لكنه لا يأنف أن يكون قاتلاً..! وفي ظل بيئة اجتماعية مثل هذه يصعب تماسك أي مكون سياسي إذا كان يضم في عضويته جميع الطبقات تحت معيار واحد (يمني)، لكن الإصلاح استطاع النفاذ من بين هذه الموروثات التاريخية ابتداءً من تشكيل الهيئة التأسيسة للحزب التي تكونت من ستين شخصية يمنية شملت جميع تلك الطبقات وتم اختيارها بحسب التخصص والكفاءة، ثم انعكس ذلك على جميع المستويات والهيئات والعضويات تحت معيار وحيد في العضوية وهو القناعة بالبرنامج السياسي للحزب من قبل أي يمني يرغب في الانضمام إليه، ومعيار وحيد في الترقيات والمسؤليات وهو الكفاءة والقدرة والإنجاز، فضمّ الإصلاح بناءً سياسياً كبيراً وممتداً على كامل جغرافيا اليمن متماسك الولاء للأهداف والبرامج، تنتظم علاقات أعضائه ببعضهم وعلاقاتهم بالمستويات التنظيمية الهيكلية وتنظيم الحقوق والواجبات بينهم وفقاً للوائح الداخلية المنظمة بعيداً عن تأثير أي موروثات طبقية عنصرية.

 

تجاوز الانقسامات السياسية

في ظل التجربة السياسية الناشئة في اليمن وضعف الوعي المجتمعي بغايات التعدد والتنافس الديمقراطي فإن الانتماء الحزبي لدى الكثيرين تحول من حالة التعدد السياسي إلى حالة الانقسام السياسي، وهذا الفهم الخاطئ للتعددية أضاف عبئاً آخراً على الوحدة المجتمعية، لكن الإصلاح عمل على تجذير النهج الديمقراطي وتكريس الفهم السياسي للتعددية السياسية باعتبارها وسيلة للتنافس وليس للمواجهة، وبذل الإصلاح في سبيل ذلك جهوداً عملية تجاوز بها الانقسامات السياسية الحادّة، فبينما شارك في السلطة في ائتلافات الحكم من 1993م إلى 1997م بناءً على تمثيله في البرلمان الذي أفرزته الانتخابات، فقد اختار الخروج من السلطة إلى المعارضة بعد انتخابات العام 1997م، ورغم محاولات الحزب الحاكم حينها بقاء الإصلاح مشاركاً في الحكم إلا أنه غلّب مصلحة تنويع التجربة الديمقراطية لتكريس مدلولها بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وتقديم نموذج لعدم تمسك أي قوة سياسية بالحكم إذا ما وصلت إليه بشكل أغلبية أو ائتلاف حينما يحكم تمثيلها الشعبي بذلك. ولقد تجسدت قيمة المشاركة والقبول بالآخر مهما بلغت درجة التباين السياسي معه حينما توجه الإصلاح إلى تشكيل كيان سياسي للمعارضة في العام 2003م، حيث التقت أحزاب المعارضة في تكتل اللقاء المشترك بمختلف خلفياتها الفكرية والسياسية والايدلوجية مما يعرف بتيارات اليسار واليمين، واتفقت على العمل الجماعي لإيصال جميع الأحزاب المعارضة الستة إلى برلمان 2003م، وهنا يجدر التأمل أن مقاعد الإصلاح في البرلمان في العام 2003م تقلصت بفارق خمسة عشر مقعداً عن عدد مقاعده التي حصل عليها سابقاً في انتخابات 1997م، وهذا يدل على أن الإصلاح قدّم مصلحة إيصال أحزاب التكتل جميعاً إلى البرلمان ولو بالتنازل عن بعض دوائره النيابية التي كان ضامناً للفوز فيها على حساب مصلحة انكفاء المعارضة السياسية الممثلة في البرلمان على حزب أو حزبين فقط، ونتيجة لذلك التنسيق والبرنامج السياسي الوطني الذي التقت عليه أحزاب المعارضة دخلت جميعها قبة البرلمان ما أثرى الحياة السياسية في بلد لم تزل التجربة الديمقراطية فيه وليدة.


| الصحوة

لمتابعة كل جديد أولاً بأول.. سُعداء بمتابعة قناتنا على التيليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى