الإصلاح والطريق إلى المنزل

الإصلاح والطريق إلى المنزل

يقف المرء أمام عبارة درويش: أنّ "الطّريق إلى المنزل أكثر دفئاً من المنزل" فيحسّ لأوّل وهلةٍ بأنّه إزاء واحدة من تحليقات الشُّعراء، مقولة رومانسيّة لواحدٍ من ذوي الحسّ المرهف أطلقها لتحفيز الاستمراريّة وتمليس الخسارات. لكن لحظةً من التمعُّن تكفي لتتكشّف العبارة عن حكمة بالغة، عن حقيقة وكيدة حتّى لكأنّها وحي السّماء.

للفرد أو للكيان، دوماً ثمّة منزل وثمّة أيضاً رحلة وصول إلى ذلك المنزل.

الإصلاح والطّريق إلى المنزل المنزل هو المثال والغاية، فيما الطريق ما ينزفه الفرد أو المجموع من جهدٍ حتّى الوصول.

الوصول لحظة، أمّا الطّريق فرحلة حياة.

الوصول قد يحدث وقد لا يحدث، لكنّ الطّريق حادثة لا محالة، وهي إناء الزّمن يعبّئه المُرتحِل بما يشاء من القيمة.

ثلاثون عاماً عُمر حزب الإصلاح، وإذا كان لنا أن نصف هذا العُمر بكلمةٍ واحدةٍ فسنقول: ثلاثون عاماً سياسة. وإذا كان حزب الإصلاح قد أعلن عن نفسه في العام 90، مع الوحدة وتدشين التعددية الحزبيّة، إلّا أنّه لم ينبثق هكذا فجأةً من العدم وإنّما جاء امتداداً للحركة الوطنيّة منذ أبي الحسن الهمداني. 

ثلاثون عاماً من الطّريق إلى المنزل، إلى اليمن المثال المنشود. ثلاثون عاماً من السّعي المسؤول الرّزين والمتسامح. ولكن هل وَصَل؟! أين تجد الإصلاحيين اليوم؟!

ستجدهم ( يشار هنا اولا وقبل الحديث عن الشق العسكري الى ساحات الفعل السياسي من انتخابات عامة وطلابية واكاديمية ...الخ )  بالبزّات العسكريّة ضمن الجيش الوطنيّ، أصابعهم على الزّناد ( يشار بعبارة مختصرة الى انهم لبسوا بزة العسكري تلبية لنداء الوطن حين انهارت ادوات واجهزة الدولة )، متخندقين يدافعون عن جغرافيا محرّرةٍ ما، أو منطلقين في هجومٍ لتحرير جغرافيا أخرى لا تزال مكبّلةً بالميليشيا. ستجدهم ملء السُّجون والمعتقلات الميليشياوية يدفعون أثمان تمسُّكهم بالقيمة وتشبّثهم بالحلم. ستجدهم في المنافي ينسجون من الممكنات جسراً للعودة. ستجدهم في مؤسسات الدّولة يدفعون بعجلة التّحرير كلٌّ من موقعه وبالتّعاون مع رفاقهم الوطنيين من شتّى الانتماءات السياسيّة. وستجدهم مسجونين أيضاً في الجغرافيا المغلولة، يعانون مثل جميع من يعاني هناك، ودون أن يتماهوا.

هذه باختصار إحداثيّات تواجد الإصلاحيين اليوم في هذا الطّريق إلى المنزل. ولأنّ المنزل هنا هو الوطن، الوطن المثال المُرتجى، فكيف ما كانت معالم الطّريق إليه فهي دافئة بهيّة ورائعة، ذلك أنّها طريق إلى القيمة، إلى المُقدَّس والمثال، وإنّ اللّأواء هنا هي أوسمه افتخار ونياشين اعتزاز. 

لم يسعَ الإصلاح يوماً إلى حربٍ، لم ينظر للوطن يوماً كغنيمة شخصيّة، وأبداً لم يفهم المجتمع إلّا كلوحة تأتي قيمتها الحقيقة من كونها مزيجاً من ألوان متعدّدة بهيّة، ولقد انطلق في التنافس السياسيّ بأدوات الجمهوريّة ومن إيمانٍ راسخٍ بأنّ التنافس السياسيّ أداة بناء لا معول هدم، باعث استقرار لا محفّز اضطرابٍ، عامل اجتماع لا مبرّر فُرقة. 

وسواءً في وجوده في السُّلطة، ذلك الوجود الّذي ناله عن استحقاقٍ بفتراتٍ وجيزةٍ معيّنةٍ، أو في وجوده الطّويل في مربّع المعارضة، لم يتخلّ الإصلاح ولو لحظة عن الأدوات الديموقراطيّة، لم يحد قيد شعرة عن درب السياسة وضمانات السِّلم، ولقد قَبِل مراراً أن يُهضَم حقّه في الحضور والتّمثيل حرصاً أن لا تتوقّف رحلة الشّعب إلى منزله الحُلم، إلى صيغته المنشودة للوطن.   

ولعلّ الجميع يتذكّر كمية الاستفزازات الّتي تعرّض لها الإصلاح من ميليشيا الانقلاب الحوثي لدى اقتحامها صنعاء، وكيف أنّه بقي متصبّراً أمام مداهمات الميليشيا لمؤسساته، اقتحاماتها لمقرّاته وتحفّظها على أبرز قياداته. لم يتهافت الإصلاح لملشنة أفراده ومجتمعه حينها ولو على سبيل الاضطرار والدّفاع عن النّفس. ولم يأتِ انخراطه في الحرب دفاعاً عن نفسه وإنّما ضمن وجوده في أجهزة الدّولة وتحت قيادتها الشرعيّة، وحين اختنقت كلّ السُبُل السياسيّة بإصرار الميليشيا على استهداف الثوابت: الثورة والجمهوريّة والوحدة. 

ذلك الإصرار اللّا نهائيّ من الإصلاح على التزام الأدوات السياسيّة وترسيخ الشّراكة والسِّلم ولو بالحدود الدُّنيا من وجوده الشّخصيّ كان صادماً للميليشيا ومن يقف وراءها على نحوٍ فائقٍ، صدمةً جعلتها تنتهج إخفاء وتصفية ما أمكنها من القيادات الإصلاحيّة المشهود لها بالخبرة السياسيّة وبالرّصيد الكبير في ترسيخ قيم السِّلم، من إخفاء محمد قحطان إلى اغتيال أمين الرّجوي وحسن اليعري وصادق منصور وآخرين.

كانت الميليشيا تعتقد أنّها تقوّض بذلك قدرة الإصلاح على التزام النّهج السياسيّ ومناسلة الحلول والتنبُّه للمكنات، ولكنّها أدركت، كما الجميع، أنّ السياسة بالنّسبة للإصلاح ليست طارئاً ولا ملكةً وُهِبتها شخصيّات إصلاحيّة بعينها وإنّما هي التزام جمعيّ ونهج عام وممارسة شاملة.

هذا السّمت الجمهوريّ للإصلاح، ونظراً لامتداد هذا الحزب وتأثيره، جعله العدوّ الأوّل في نظر المشاريع القزميّة، مشاريع الماضي الاستبدادية والتشطيريّة. ذلك أنّ النَّفَسَ السياسيّ اللا محدود للإصلاح مُعدٍ ومؤثِّرٍ، سرعان ما يتحوّل في أماكن حضوره إلى حالة عامّة أو شبه عامّة، ولا شيء يزعج الميليشيات ويهدِّد وجودها مثل النّفس السياسيّ، النّضاليّ الرّزين والمسؤول. وبهذا جعلت الميليشيا من الانتماء لحزب الإصلاح في نطاق نفوذها جريمةً تجعل من صاحبها مُباحاً، مهدور الحقوق والدّم. 

وإن المرء بوسعه اليوم أن يُلقي نظرةً عابرةً على شكل الحياة في المحافظات المنكودة بالميليشيات، في الشّمال أو الجنوب، وحيث غدا الإصلاح مجرّماً مسحوقاً ومطارداً، ليقف على لوحة كابيةٍ، لوحة من لونٍ حالكٍ واحدٍ، وليسمع فقط لحناً واحداً، لحناً راعباً من زعيق تلاشي المجتمع لصالح الفرد وحشرجة اختناق الشّعب لصالح الفئة. وعلى العكس سيجد المحافظات حيث لا يزال الإصلاح فاعلاً وحاضراً ضمن نسيج الدّولة والمجتمع، لا تزال اللّوجة محتفظةً بالتعدُّد البهيّ ذاته للألوان، وإن بقيت شظايا الحرب تطالها بين فينة وأخرى لتحُدّ من جمالها وألقها، كما سيسمع سيمفونية تنضفر فيها شتى الألحان اليمانيّة، موسيقى من جمالٍ محضٍ، وإن ظلّ الدويّ يقطعها بين لحظةٍ وأخرى.

يريد الإصلاح الطّريق إلى المنزل معبّدةً بالتّآخي والشّراكة والحريّة والأمل، ذلك أن لا طريق سواها في الحقيقة، فيما الميليشيات تكرّس طريقاً من دماءٍ وركامٍ وأصفادٍ، وما عساها تقود إليه طريق كهذه سوى مغارة غابرة مليئة بالأشباح والمخلوقات الرّاعبة والموت؟! 

والواقع أن هذا التباين في الفهم والممارسة بين الإصلاح والميليشيات قد فرض عليه كلفةً باهظةً، هي كلفة يدفعها اليمن بأكمله لاشكّ وكلّ قواه الوطنية على أن الإصلاح هو من تعيّن عليه تسديد الفاتورة الأثقل، كما هو دوماً قَدَر الكبير. فها هو الإصلاح لا يزال منذ سنوات ينزف فلذاته في صميم هذا الفصل الجحيميّ من الطّريق إلى المنزل، ينزفهم بألمٍ وإنّما بإكبارٍ وبإدراكٍ بأنّ اليمن يستحقّ، وأنّ قَدَر الكبير التّضحيات الكبيرة. يفعل ذلك بلا منٍّ ولا أذى، دونما تبرّمٍ أو نزق، صادحاً بقول الفضول: قدري دوماً يدٌ تبني غداً، ويدٌ تحرس مجد الوطن.

لمتابعة كل جديد أولاً بأول.. سُعداء بمتابعة قناتنا على التيليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2020 م

الى الأعلى