الحجرية تمدن و مدنية

الحجرية تمدن و مدنية

ما من شك أن 21 أيلول 2014م. كان يوما أسود، و بالغ الشؤم على اليمن و اليمنيين ؛ و ذلك بسبب الانقلاب الغادر الذي تسلمت به جماعة الكهنوت الحوثية العاصمة صنعاء .

    على إثر ذلك الغدر و الانقلاب الغاشم غادرت قيادات سياسية رسمية البلاد، فيما آثر البعض الانكفاء و التواري، و عدم القيام بأي دور تجاه مليشيا الكهنوت الحوثية - و قلنا في مقال سابق ربما كان لهم عذر ما، أو حسابات خاصة بهم.

    كان قلة من أبناء الحجرية ( وهي المقصودة من هذه السطور ) و ممن كان يشغل مناصب رفيعة ممن غادر البلاد و اتخذ موقفا من الشرعية، فيما قلة أخرى بقيت و انكفأت على صمت،  مع سخط على الشرعية أيضا .

    عاشت اليمن عامة، ظروفا حربية شديدة الصعوبة، و زاد تعز أنها تعرضت - و ماتزال - لحصار بالغ المشقة، و كانت الحجرية في عمق هذه المعاناة، حربا و حصارا، فتصدى أبناؤها بجدارة و بسالة لمليشيا الكهنوت الحوثية .

 

   و هنا تبرز تساؤلات، لم تكن هذه  السطور ترغب في أن تطرحها أو تثيرها، غير أن بعض إخوة لنا ممن غادر البلاد، و أدار ظهره للشرعية، و عاداها، و لم يكن لهم أي موقف مما تعرضت  له اليمن من مليشيا الكهنوت؛ أفاق مؤخرا فالتحق بالشرعية، أو ممن انكفأ على نفسه، و بقي في البلد دون ان يكون له أي موقف ضد مليشيا الحوثي،  ثم لما أمن على نفسه و التقط أنفاسه بفضل الله و بجهود المقاومة و الجيش الوطني؛ خرج من مخبئه ينتقد المقاومة و يسب الجيش الوطني ؛ من تلك التساؤلات لهؤلاء و أولئك؛ المغادرين أو المنكفئين و المتوارين - ممن ينتسبون للحجرية  : أين كنتم و المواجهات في أطراف مديرياتها، و على أشدها نارا و حِمما ملتهبة  تستهدف أهلها و قراها ؟ هاتوا موقفا معنويا واحدا ساندتم فيه أهلكم حينها؟ لن نطالب بمواقف مادية، أو مساندة مبدانية، بل ليتها حتى مواقف إعلامية، وقفتموها مع اليمن او مع تعز أو الحجرية بمديرياتها ؟

    لا تريد هذه السطور أن تعطي نفسها الحق في أن ترحب بعودة هؤلاء وتمنع أولئك، بل ترحب بكل من عاد إلى رشده و انضم للشرعية، فقط ينبغي أن تكون عودته سندا حقيقيا لها.

 

    ستجيب الحجرية - عن التساؤلات السابقة - بصراحة و وضوح أن أبناءها في الداخل مثلوا جبهة واحدة في وجه الكهنوتية الحوثية، و حتى كثير ممن غادرها مضطرا كان و مايزال لهم دورا فاعلا ومساند بجهود متعددة و متنوعة.

    أما في الداخل فقد كان أبناؤها يتعاضدون و يتعاونون جنبا إلى جنب ، و ليس ثمة أي إشكال- بصرف النظر عن قلة قليلة  فجاء الذين أفاقوا مؤخرا، و جاء الذين تشجعوا بعد انكفاء ؛ عادوا لا لييستدركوا خطأ وقعوا فيه بسبب حسابات خاطئة مضت، أو للتعويض عن قصور حدث منهم بسبب تواريهم و انكفائهم ، و إنما عادوا ليعملوا بإدراك أو بغير إدراك، أو ربما طاعة لمخطط مشبوه على شق الصف الذي تميز بتماسكه في الحجرية ؟

 

    الحجرية ليست جديدة عليها التعددية السياسية، وليس هذا سر يذاع ، بل عاشته منذ زمن بعيد، و مع ذلك لم يَسْعَ أي طرف لتبني إحداث انقسام مجتمعي مدمر، كما يسعى له الذين أفاقوا مؤخرا من غيبوبتهم، أو خرجوا من مخابئهم، و مع التنوع السياسي الذي كان ؛ فقد كان هناك مشيخ أيضا ، لكنهم كانوا عند مستوى جيد من الفهم و المسؤولية التي تقف بهم على مسافة واحدة من الجميع، و هو الأمر الذي ساعد على ترسيخ تمدن مجتمع الحجرية، و تلاشي الروح القبلية، و تراجع النَّفَس المشْيَخي و تحوله إلى وجاهة مجتمعية عامة و زعامة شعببة و متمدنة ، تاركة المشيخة القبلية التي تجاوزتها، أو قل هذبتها ثقافة التمدن.

 

    أن يأتي اليوم من يتحدث عن مجلس عشائري، أو قبلي ، أو عصبوي، أو قروي، فإنما ينبش عن رمم قد دفنت ، و عن جهالة قد طوتها المدنية و التمدن، و مثل هذه الدعاوى لا تنسجم ألبتة مع مضامين النظام الجمهوري؛ لأنها في الأصل من مخلفات الحكم الإمامي البائد الذي كان يرعاها كوسيلة خبيثة من و سائل فرق تسد التي كان يضرب بها القبائل و المناطق ببعضها.

 

    عار على وجاهات عامة، و قيادات شعبية أن تتجاوب مع دعاوى مشبوهة، هدفها تمزيق المجتمع، و إحداث الانقسامات الداخلية فيه .

    مجتمع الفكر و الثقافة،  و الوعي و التمدن و التعددية السياسية،  ومجتمع تنتشر فيه مصطلحات الاستاذ و العلامة  و الدكتور و القاضي،  و المهندس و الطيار و اللواء و الميكانيكي .. الخ.

    عيب أن تنطفئ أو تطوى هذه الهامات العلمية، و الأكاديمية، و الفكرية، و الثقافية، و يُجَر مثل هذا المجتمع إلى مجلس قروي أو عشائري أو قبلي، هذه قمة الخيبة و الفسالة و التخلف .

 

    من العيب و الهوان أن يأتي  - اليوم - من يسعى بغباء لإعادة المجتمعات المستنيرة إلى مصطلحات الجهالة و العار : الثأر، و الغرّام، و يا آل فلان، و مفهوم التخلف و الجهل :" أدعس حَدّ الناس و احمي حدّي" !! عيب ! عيب !

    عيب و عار على الحجرية أن يأتي من يفكر فيها مجرد تفكير بمثل هذا التراجع المخزي، في وقت باتت تتمدن فيه مجتمعات قبلية صِرفة، لكنها غدت اليوم تخلع تلك القيود القروية و العشائرية شيئا فشيئا .

    من يحمل الدواء لا يحمل السم ّ، و من يحمل القلم لا يروّج للقيود، و الطبيب لا يمتدح الوباء، و العالم لا يشجع الجهل !

    و بمصطلح السياسة : القومي لا ينتكس فيرجع قرويا، و الأممي لا يعود عشائريا، و العالمي لا يتحول مناطقيا .. فالعالم قرية واحدة .

 

    و التعويل كل التعويل على المجتمع الحر الأبي الذي رفض و يرفض الإمامة الحوثية، معول عليه في أن يرفض أيضا أدوات و وسائل الحوثية التي من أهدافها تقسيم المجتمعات إلى مناطق متنازعة ، و فئات متناحرة، و طبقات يعادي بعضها بعضا، و المجتمع المستنير لا يمكن أن يعود إلى جهالات الظلام و التخلف.

 

 

لمتابعة أخبار اليمن أولاً بأول.. سُعداء بمتابعة قناتنا على التيليجرام.. للاشتراك اضغط الصورة


القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2020 م

الى الأعلى