هكذا يموتون

هكذا يموتون

لأيام وليال يراقب صحة والده تتدهور وهو عاجز عن فعل شيء أو التفكير بتصرف لا يكون أسوأ مما هم فيه.

إنه يراهن على مناعة والده الذي لم يتجاوز الخمسين عاما؛ خمسون عاما وأكواما من التنباك تجعل مراهنته مجازفة محفوفة بالفشل.

يسأله والده حين أقصاه في حجرة منفردة في المنزل ومنع دخول كل أفراد الأسرة عليه حتى والدته :

_ هل هو الكورونا الخطير الذي يقولون يا ولدي ؟ إن كان هو لا تذهب بي إلى أي مستشفى أريد أن أموت على كتفك لا على سرير بارد وحدي.

فيرد ضاحكا في وجه أبيه القلق :

_ لا يا أبي؛ لا تصدق أن في كورونا أو شيء خطير؛ إنما "جزاعي" مثل كل الناس.

 

أكثر ما يخشاه أن يفتك القلق والخوف في مقاومة أبيه ويضعف تحمله لأعراض الوباء التي تتفاقم يوما بعد يوم.

يرد على والدته الباكية :

_ نخشى عليك يا أمي؛ أنت فقلبك مريض. ويرد على طفليه : الجد بحاجة أن يبقى وحيدا حتى يتعافى؛ ويرد على رفاق والده : أبي سافر القرية وسيعود بعد بضعة أيام.

يجد إجابة لكل من سأله إلا أنه لا يجد إجابات لأسئلته التي تنخر رأسه كل حين!!

هل يذهب بأبيه إلى المشفى ؟ وماذا عن إبرة الرحمة التي يتحدث عنها الناس ؟ عن الذين يذهبون المشفى بأرجلهم ويموتون بعد ساعات !!

لماذا يخاف أن يعلم الجيران والأصدقاء أن أبيه مصاب بالكورونا هذا ؟!! لماذا يعامل الناس المرض كفضيحة ؟

هل يخشى أن يتم إبلاغ ما يسمى الرصد الوبائي فيأتون لأخذ أبيه مدججين بالسلاح ويفزعون كل من في البيت ؟

أم يخشى أن يموت والده فلا يجد من يحمل جثمانه ويودعه كما ينبغي أن يكون وداع الأب ودفنه ؟!

ما أكثر مخاوفه وما أشد حيرته ؟!!

أكثر ما يؤلم قلبه هو شعور أبيه حين عزله عن كل من في البيت؛ رغم أنه يبذل جهده لرعايته وخدمته بنفسه؛ وفر كل ما عرف أنه سيساعد والده على الشفاء؛ يسامره طوال ليل الحمى والألم ويخفف عنه بالدعاء وقراءة القرآن كما يطلب منه والده.

لطالما طلب من أبيه أن يصلي في البيت وأن يلتزم بعدم المصافحة والاختلاط في الأسواق لكن والده يصر كل مرة أن الحافظ الله.

فيرد هو : الله الحافظ نعم؛ ليحفظك الله يا أبي حيا وميتا.

كأنما هو عام الحزن وهذا الموت الذي يتخطف الناس كل لحظة !!

في الليلة الأخيرة لمرض والده لم يعد يحتمل أنفاس أبيه المتقطعة وهو يجاهد لالتقاطها؛ حمله على ظهره إلى المشفى القريب فرفضوا استقباله؛ لم ييأس. ذهب لثاني وثالث ومات والده على كتفه كما كان يتمنى.

وهو عائد من جنازة أبيه التي تمناها كان يشعر بوهن يغزو كل جسده؛ وسعلة تشق حلقه بقسوة؛

يعرف أن الوباء يحتل جسده جنبا إلى جنب مع حزنه ومخاوفه.

لكنه شاب ثلاثيني لم يدخن يوما وسينتصر على المرض.

خلال أسبوعين عزل نفسه فيها في حجرة والده عانى فيهما الحمى والاختناق والخوف على عائلته ووالدته بالذات ..

تسللت الراحة إلى جسده ذلك المساء حين مات قلقا واختناقا.

لمتابعة كل جديد أولاً بأول.. سُعداء بمتابعة قناتنا على التيليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى