رمضان كريم.. ولكن بدون علاو

رمضان كريم.. ولكن بدون علاو

أكثر من تسعة أعوام مرت على رحيل فارس الإعلام اليمني الشهير الأستاذ القدير يحيى علاو رحمه الله، وما يزال غيابه جرحا في ذاكرة كل يمني، يتحسّسه كلما جلس إلى الشاشة الفضية على وفرة نوافذها، ورأى الغثائية تضرب أطنابها مؤذنة بعصر من الضجيج المتعالي خاليا إلا من التهزيل والتسطيح والإبهار التافه الممل.

كيف لا يتذكر المشاهدُ علاوَ وقد فقد برحيله المعلومة القيمة ينتقيها إعلامي محترف، ويبتكر في تقديمها أساليب تجمع بين التشويق والإثارة والمتعة والفائدة، لا يأتي بها استعراضا، وإنما سعيا حثيثا في زيادة منسوب الوعي لدى المشاهد الأعزل الذي تستهدفه قنوات التجهيل بكل ما تمتلك من بهرجات اللون والصورة، تسويقا للأوهام الكاذبة، والضحالة الفكرية، وتفريغا له من كل المضامين الحية التي تقية عثرات التمييع، وتقف دون طوفان الضياع الذي تصدره هذه القنوات المخاتلة ساطعا مزركشا يبهر القلوب والألباب.

كيف لا يتذكره محسنا إلى ذوي الحاجة، يتحسس من بين جمهوره المرضى والعجزة وغيرهم ممن أحنت الفاقة ظهورهم وقلوبهم، وانقطعت بهم السبل، فيعطيهم الجوائز  استحقاقا لإجابة توصلوا إليها، أو معلومة قدموها..؟ كيف لا يتذكره وهو يشاهد اليوم برامج كسيحة مستنسخة، مغلفة بغلاف الرحمة والإنسانية، ومبللة بدموع التماسيح، والتأوهات المصطنعة تنطلق مقيتة سمجة وبارة كالموت من أفواه متقمّصين فاشلين يشبعون ضحاياهم منًّا وأذى وإذلالا، ويرقصون للدموع المنهمرة من مقل البائسين، لا يرون فيها نحيب الإنسانية المعدمة وهي تحت مطارق الإذلال، وإنما هي في نظرهم مصيدة لأموال لا يعلم مآلاتها إلا الله، ومعيار لمدى نجاح برامجهم القميئة، ظانين ـ خيب الله ظنّهم ـ أنهم بتصويرهم لهذه الدموع الحائرة يزدادون قبولا لدى المشاهدين، ولدى المحسنين منهم على وجه التحديد، وهم إنما يزدادون قبحا إلى قبحهم.

كيف لا يتذكرُ المشاهدُ فارسَ الميدان، وهو ينطلق بغاياته النبيلة إلى غايات أكثر نبلا وأعظم سموا، عرفته مدن اليمن وقراها، وسهولها وجبالها، يذهب إلى المكان لا لينفس عن نفسه بالتطواف وإنما ليقدم المكان تاريخا وجغرافيا، وليتيح له مكانا في ذاكرة المشاهد.

وقف مع جمهوره في المناطق الأثرية باعتبارها ذاكرة أمة، وفي المرافق العامة، والمدارس، والأسواق، والمساجد، والنوادي الرياضية، والطرقات العامة، مستوعبا بحرفية عالية ووعي إعلامي مسئول ما تكتنزه بلده من منجز إنساني ضخم، وتنوع بيئي ثرٍ، وثقافة متنوعة، فمضى في إطار ذلك يبحث وينقب، ويقدم موائد إعلامية دسمة قدّمت اليمن أرضا وإنسانا ومخزونا ثقافيا وتاريخيا هائلا في أسلوب محتشم وجذاب.

كيف لا يتذكره وهو يرى المعنيين برسالة التنوير وهم يحلقون إلى بلاد السند والهند وغيرها ليقدموا منجزا سطحيا تطفح فيه مجاري التهزيل وصور الميوعة من البدء حتى المختم، ليس له من غاية سوى قتل وقت المشاهد، وتصحير وعيه، وإشهار أرجوزات خائبة تتقمص بوجوهها الثقيلة خفة الدم، وتسعى إلى الشهرة كما تسعى عجوز مقعدة لصعود جبل عملاق.. وأنّى ذلك.

كيف لا يتذكره وهو يتيح جانبا من برامجه للطرفة الجميلة والظرافة المفيدة، ولقد استطاع عبر هذا المنحى أن يوثّق كثيرا من الألعاب الشعبية الجماعية في مختلف المناطق اليمنية والتي كاد يطمرها النسيان في عصر الألعاب التقنية، فعمل على التعريف بها وتقديمها بشكل عملي لا يخلو من روح الدعابة والطرافة.

وأخيرا فإن واجبا ينبغي أداؤه للرجل من قبل القنوات اليمنية التي عمل معها، ويتمثل في إعادة بث برامجه، وخاصة برنامج فرسان الميدان، وهي لاشك تمتلك كما وافرا منه أنجزها الراحل الكريم على مدى سنوات وسنوات، ففرسان الميدان هو الاعتذار الشافي للمشاهد الذي تضرر كثيرا ولا يزال يتضرر من هبلان الدراما القبيحة والبرامج الكسيحة.

لمتابعة كل جديد أولاً بأول.. سُعداء بمتابعة قناتنا على التيليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى