الواسعي الألق المغمور [1930 -2020 م]

الواسعي الألق المغمور   [1930 -2020 م]

الأستاذ المفضال علي بن عبدالله الواسعي مجاهد جسور، ومناضل صبور، داعية ومصلح، وعالم عابد، وفقيه لبيب، وسياسي أريب، وأديب متمكن، زاهدٌ متجردٌ من حظوظ النفس، وكاتب لا يشق له غبار،، قلمه سيال يعطي الحروف والكلمات قوة تأثيرها وصدق معانيها، ومع سمْتِه الهادئ إلا أن قلبه يتّقد حماسة وثورة، فقد كان رحمه الله غيوراً شجاعاً يقول كلمة الحق لا يخشى في الله لومة لائم، وظلت قضايا الأمتين العربية والإسلامية حاضرة لديه يعيش آلامها وأمالها ويعبر عنها بأدبه الرفيع وكلماته القوية التي تنبّه الغافلين، وتوقظ النائمين.

 

        من أبرز أساتذة الجيل وأحد كبار المناضلين الذين نذروا حياتهم لدينهم وخدمة وطنهم والدفاع عن حرية وحقوق شعبهم، ويعدّ من الرموز الذين تركوا بصمتهم في تاريخ اليمن الحديث، فقد كان من الثوار والرواد الأوائل الذين عشقوا الحرية واستمرأوا التضحية ليعيش شعبهم عزيزاً كريمًا، ووطنهم قوياً مزدهراً، فحجز موقعه في المقدمة بين ثوار 1948م، وهو لمّا يزل في مقتبل العمر لم يتجاوز الثامنة عشرة عاماً، وبسبب مشاركته في الثورة أودع سجن القلعة بصنعاء مع زملائه الأحرار ليقضي فيه سبع سنوات حتى تمكن من الهروب إلى عدن ومنها غادر إلى مصر، ومع هذا لم يفتّ ذلك في عَضُده أو ينل من عزيمته، فقد اشترك في ثورة 26 من سبتمبر 1962م وكان ممن صاغ أهدافها الستة، ولأنه من العظماء الذين يصنعون التاريخ ولا يهتمون بالكتابة عن أنفسهم، فقد كتب عن أدوار وتضحيات زملائه الثوار ولم يتحدث عن نفسه إلا لِمَاماً وجوابًا إذا سُئِل!!

 

      الأستاذ علي الواسعي - رحمه الله - من أسرة عرفت بالعلم والتدريس والتأليف، وبدأ تعليمه الأولي في الكُتّاب، ثم انتظم في حلقات مسجدية فدرس العلوم الشرعية واللغة العربية، وكان ذلك هو التعليم المتاح في ذلك العصر، ثم التحق بالمدرسة العلمية بصنعاء أشهر مؤسسة تعليمية في حينه، وقد كان التعليم فيها يركز على علوم محدودة مثل الفقه وأصوله والتفسير والعقيدة إضافة إلى النحو والصرف والبلاغة، لكنه فتح عينيه على الكتب الحديثة التي كانت تأتي من مصر والشام، وعرف كيف تطورت الشعوب بينما يرى بلده اليمن مازال يعيش حالة العزلة والتخلف، سافر مصر ودرس الصحة الوقائية، وطوّر نفسه بعد ذلك بالتحاقه بالدراسة في سوريا لمدة سنة في نفس التخصص.

 

      ظل الأستاذ الواسعي نَهِماً في طلب العلم، ولم يتوقف عن القراءة والإطلاع والتعلم حتى آخر حياته، كان - وقد جاوز الخمسين من عمره - يحمل كتبه ويتنقل من مسجد لآخر ولا يستنكف عن التتلمُذ على أيدي كبار العلماء، فغدا عالماً فقيهاً، ومرجعاً في علوم النحو والصرف والبلاغة.

 

    عمل رحمه الله في وزارة الصحة مديراً عاماً للصحة الوقائية، ثم انتقل للعمل في إذاعة صنعاء مشرفاً على البرامج، وكان يكتب تعليقاً على الأخبار خلال حرب السبعين عندما كانت صنعاء محاصرة من القوات الملكية، وكان يكتب ويقدم بعض البرامج مثل (أضواء على الدستور) و(جريدة الصباح)، و(الأسرة)، وأنشأ برنامج (فتاوىٰ) الذائع الصيت، الذي كان يعدّه الأستاذ أحمد العماري رحمه الله ويقدمه الأستاذ عز الدين تقي.

 

     بعدها عمل في المجلس الوطني (البرلمان)، ثم عُيِّن نائباً للأمين العام لمجلس الشورى، وشارك في كتابة مسودة الدستور الدائم للجمهورية العربية اليمنية، ثم انتقل لوزارة الأوقاف، وأسس مجلة الإرشاد ورأس تحريرها لمدة اثني عشر عامًا، وكان يسافر مصر للإشراف على طباعتها، وكان ذلك عملاً مضنياً، وفي العمل الخيري له باع طويل، فقد شارك في تأسيس الكثير من الجمعيات ومنها الجمعية الخيرية لتعليم القرآن الكريم.

 

        يُعَدّ الأستاذ الواسعي رائد الصحافة الإسلامية في اليمن، وهو أحد مؤسسي صحيفة الصحوة الأسبوعية، وكاتب عمود(وخز الضمير) أهم عمود كان يتابعه قراء الصحوة، لأنه يتناول القضايا المتعلقة بحياة الناس وهمومهم، وينتقد الأخطاء بأسلوبه السهل الممتنع، وكان يكتب أيضاً في صحف الوحدة والميثاق و26 سبتمبر والمستقلة وغيرها، وسبق أن عمل مديراً لتحرير صحيفة (صوت اليمن) التي أسسها الأستاذ الزبيري في عدن بعد خروجه من سجن القلعة بصنعاء، واستمرت في الصدور بعد الثورة بشكل غير منتظم.

 

    وكانت آخر بصماته التنويرية إصدار مجلة النور الشهرية - وهي مجلة جامعة للدعوة والأدب والسياسة والتاريخ وأخبار العالم الإسلامي وتنتهج خط الوسطية والإعتدال، وقد أعطاها وقته وجهده، وكان يكتب افتتاحيتها الضافية يتناول فيها أهم القضايا الوطنية والعربية والإسلامية، وتمثل تلك الكتابة ثروة ثقافية وأدبية، وقد استمر إصدار المجلة بانتظام نحواً من ربع قرن.

 

     لم يكن الأستاذ علي الواسعي مجرد كاتب مشهور، فقد كان معلماً ومربياً، وقائداً محنكاً تخرجت على يده أجيال، ورأس هيئات تنظيمية قيادية كثيرة، فأدارها بحكمة واقتدار، واستطاع أن يتجاوز الكثير من المحن والابتلاءات، وظل محافظاً على الرابطة الأخوية التي تجمعه بإخوانه العاملين في حقل الدعوة، وكل من عمل معه أحبَّه واستفاد من علمه وفكره وصفاته وأخلاقه وسلوكه، فهو قدوة يحتذى في الالتزام بالواجبات التي يطلبها من الآخرين، ولا يخالف فعلُه قولَه، منضبط لا يخلف وعداً ولا يتأخر عن موعد، ولأنه لم يكن متطلعاً للمناصب القيادية فكان أطوع من البنان إن كان تابعاً أو متبوعاً، ولا يجد في نفسه أي غضاضة إذا تحوّل من رئيس إلى مرؤوس، وهذه صفة لا يقدر عليها إلا المخلصون الذين وهبوا أنفسهم لله، والمتطلّعون إلى رضوانه وحده جل جلاله، وهو واحد من ثلاثة وستين شخصية أسسوا حزب التجمع اليمني للإصلاح بعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990 م، وقد ظل عضواً منتخباً في مجلس شورى الإصلاح في كل الدورات الإنتخابية حتى وفاته رحمه الله.

    

      لم ينكفئ الأستاذ الواسع على قضايا وطنه اليمن، بل ظل متفاعلاً مع كل قضايا العالم الإسلامي، وعلى رأسها قضية فلسطين التي كانت حاضرة في كتاباته ولقاءاته، ومن الموافقات أنه كان في مصر إبّان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 م فتطوّع في المقاومة الشعبية المصرية، وعندما كان يدرس في سوريا عام 1967 م وكان الشباب العربي في قمة الحماس استعداداً للحرب ضد العدو الصهيوني فانضم للطلبة العرب المتطوعين للمشاركة في المواجهة بين العرب وإسرائيل، لكن إسرائيل حسمت المعركة لصالحها قبل إكمال تدريب المتطوعين!!

   

     طاف الأستاذ الواسعي بالكثير من الدول العربية ومن دول العالم مثل إندونيسيا وباكستان وأوروبا وأمريكا، وله فيها مواقف ومشاهد وطرائف جمعها في كتاب لم يطبع.

     وله كتاب(تأملات مجنون) وكتاب (حوار مع ملحد) وكتاب (الإعلام والدعوة)، وكتاب (الإسلام في 14 قرناً) وبحث في المرأة، وله رواية كتبها في ستينيات القرن الماضي بعنوان (جزيرة العميان)، إضافة إلى عدد من الدراسات والبحوث، ومن أهم إنتاجه كتاب الطريق إلى الحرية الذي جمع فيه مذكرات العزي صالح السنيدار عن ثورة 1948 الدستورية وما واكبها من أحداث، وما واجهه الثوار من تعذيب وتنكيل بعدها.

 

    والأستاذ علي الواسعي أديب وشاعر، وله قصائد شعرية فصيحة، وكان ينتقد دعاة الحداثة، ويعتبر الشعر المنثور هروباً من الالتزام بقواعد العربية والعروض، ويرى بأن الحداثة منقولة من الغرب وليست مجرد مذهب أدبي، وأنها تستهدف هدم مقومات أمتنا، وله قصيدة يُعَرِّض فيها بهذا اللون من الشعر، أتذكر منها هذا المقطع الذي يصف فيه سوق الطبري الشعبي بصنعاء:

 

(الطبري.. الطبري.. الطبري

في الطبري حطب

في الطبري كدم

في الطبري غنم

الطبري .. الطبري.. الطبري)

 

 

      في كل المواقع والوظائف التي شغلها التزم الأستاذ الواسعي النزاهة والعفّة ونظافة اليد، وقد ظل وفياً للأهداف التي ناضل لتحقيقها، ناقداً للفساد والانحراف عن مبادئ الثورة التي ضحى من أجلها مع الرعيل الأول من الثوار والمصلحين، وكان يقول (لا) بملء فيه لا يخشى أحداً إلا الله، عاش البساطة كأي مواطن عادي، ولم يأخذ وضعه الرسمي اللائق بماضيه وتضحياته، إلا إنه كان راضياً قنوعاً، ولم يكن يزعجه إلا الظلم والفساد والتخلف الذي قامت الثورات للقضاء عليه.

 

     عاش الأستاذ الواسعي سهلاً ليناً، دؤوباً لا يكل ولا يملّ عن البذل والعطاء، يحمل همة الشباب وحكمة الشيوخ، ويتصف ببأس الأبطال، ومع سمْتِه الهادئ إلا أن قلبه يتّقد حماسة وثورة، وكان دائم الذكر، كثير العبادة، كلامه مفيد، وصمته تأمل وتفكير، لديه سرعة بديهة والجلوس إليه متعة وفائدة، وهو مع ذلك صاحب دعابة ولطف، ولديه مخزون من القصص والطرائف والنكت التي يُحْسِن سردها بحسب مقتضى الحال.

       كان قريباً من الناس يعيش ألامهم وهمومهم، التواضع سمة ملازمة له، لا يهتم بالمظاهر والشكليات، بل كان من الذين يمشون على الأرض هوناً، وفي العقدين الأخيرين من عمره عانى من عدة أمراض منها الربو الذي اضطره إلى استخدام التنفس الصناعي أكثر أوقاته، لكن إنتاجه الفكري ظل مستمراً حتى وهو في هذا الحال.

 

       الأستاذ علي عبدالله الواسعي صاحب هذا الألق المغمور، والعطاء المتدفق، عاش على الكفاف، له بيت متواضع في الحي القديم بقاع العلفي، وفي سنواته الأخيرة بصنعاء استأجر شقة متواضعة غرب شارع هائل، ثم انتقل إلى شقة أخرى في شارع الستين، وبعد انقلاب سبتمبر 2014م لم يحتمل البقاء فغادر صنعاء وحط عصا الترحال في مدينة إسطنبول التركية ليسكن في شقة صغيرة من دون جلَبة ولا ضجيج، ولم يحاول استثمار نضاله الطويل ليحصل على حقوقه المادية ويحَسّن من وضعه المعيش، حتى أدركه الأجل المحتوم بعيداً عن وطنه متأثراً بوباء (كرونا)، ونسأل الله أن يكتبها له شهادة، ويعوّضه عن آلام الدنيا درجات عالية في جنات الخلد.

 

      ذكرياتي مع الأستاذ علي الواسعي ندية وشجيّة، فعلى يده تتلمذت، ومن توجيهاته تعلمت، وبسلوكه تأثرت، وعلى الرغم من مكانته وتاريخه النضالي إلا إنه كان لا يبحث عن الشهرة، ويبتعد عن الأضواء، ولا يزاحم على متاع الدنيا الزائل، وستظل سيرته سجلاً حافلاً بالمواقف والتضحيات، ومعيناً عذباً تستلهم منه الأجيال قيم النضال والتضحية والكفاح، ومعاني النُّبْل والفداء للدفاع عن الحرية والكرامة ومواجهة الفساد والظلم والاستبداد.

 

      ولد الأستاذ علي بن عبدالله الواسعي في قرية القحقحة مديرية آنس بمحافظة ذمار اليمنية عام 1349 هجرية الموافق 1930 ميلادية، وتوفي ودفن في مدينة إسطنبول التركية الأحد 12 من شعبان 1441 هجرية الموافق 5 من إبريل 2020 ميلادية، له ثلاثة أولاد وثلاث بنات، رحمه الله وأسكنه جنات النعيم، ورفع درجته في عليين، وألحقنا به صالحين.

2020/4/8م


لمتابعة كل جديد أولاً بأول.. سُعداء بمتابعة قناتنا على التيليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2020 م

الى الأعلى