تلك هي القضية!!

تلك هي القضية!!

لعل أسوأ ما في الحرب الشاملة التي يعيشها المواطن اليمني أنها أظهرت صورا داكنة من القبح كانت مخبوءة فيه، ويبدو أن هذه الحرب لن تنتهي حتى تطلق الوحش الآدمي الرابض فيه من عقاله لإنتاج مزيد من الصور السوداء التي ماكانت لتتوالى وتتكاثر  لو أن منظومة القيم الجميلة لم تعطّل، وظلت حصنا حصينا تقيه مزالق التقهقر والنكوص، وترمم فيه كل التشققات التي توشك أن تصل به إلى مرحلة من التداعي المطبق والخراب الشامل.

من كان يتوقع ـ على سبيل المثال ـ أن يظهر شباب ينتمون لبلد الإيمان والحكمة أمام الكاميرا وهم يجبرون أختا لهم على تناول السم تحت أي ذريعة؟

إن كأس السم التي تجرّعته هذه الفتاة كسيرة الجناح قد أصابنا جميعا في مقتل، وأحدث فينا حالة انتحار جماعي، وسنظل نتجرعه كل يوم ما لم ننتصر لهذه المسكينة ولغيرها من الضحايا في وجه القتلة بمختلف أسمائهم ومواقعهم.

ماالرسالة التي أراد مثل هؤلاء الأشقياء بهذه الجريمة النكراء إيصالها للعالم عبر وسائط التواصل؟ وإلى أي هوة سحيقة تسعى بنا هذه النفسية المسكونة بالخوف والجريمة بعد أن فقدت رشدها، في محيط خانق من الموات الأخلاقي والديني؟

على أن المؤكد أن هذه الصورة المعتمة لا تمثل قرار الهاوية، فثمة صور أكثر وحشية وأمعن قسوة تحدث في مجتمعنا كل يوم، لا توثقها عدسات التصوير، ولا تصل إليها لواقط التقنية الرقمية، مما يدل قطعيا على أننا على مشارف جائحة مزلزلة توشك أن تقع.. وما بعدها إلا الرماد الموحش والفناء المقيم.

إن هذه الأحداث المفزعة ينبغي أن لا تمر في سياق اليومي والعابر، فهي مآلات مرعبة جديرة بالوقوف عندها طويلا لمعرفة ماحدث، وكيف حدث، ولماذا حدث.. ذلك أنها صادمة ذابحة بكل المقاييس.. فقد عاش الإنسان اليمني فترات متتابعة كان فيها بعيدا عن الدولة كأداة ظبط، لكنه كان في ظِلال من الرشد وارفة، تنتظمه الأخلاق والشيم، ويحكمه الدين، وكان للمجتمع سلطة قاهرة ينتظم فيها الجميع في تناغم قيمي رائع، لا يسمح البتة لمثل هذه البثور والتشوهات أن تنمو وتتوسع.

لقد سُلب المواطن اليمني بسبب الحرب أشياء كثيرة لا حصر لها، وأوسعته خسارات يأخذ بعضها بتلابيب بعض،ٍ وتخلى تحت قهر عصاها الغليظة بداية عن الكماليات، ثم عن الأساسيات، ورضي تكيّفا معها بالحد الأدنى من الكفاف.. لكنه ينبغي أن لا يسكت عن سلب إنسانيته ومصادرة شيمه، وسلخه عن قيم الدين السمحة: سياج وجوده وهويته.

لينلْ منه الجوع والعوز، ولْيثخنه الموت نزوحا وتشردا.. فتلك حكاية لها نهاية يبشر بها الواقع، ويؤكدها التاريخ دون ريب.. لكنه ينبغي أن يظل معتصما بقيمه المثلى: سلاحه الفعال في معركة كبرى، معركة أن يظل رغم الخراب الزاحف إنسانا سويا، ومستودعا ثريا لمكارم الإسلام وشيم الأخلاق.. وتلك هي القضية.

لمتابعة كل جديد أولاً بأول.. سُعداء بمتابعة قناتنا على التيليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2020 م

الى الأعلى