ساعة العسرة

ساعة العسرة

فيما كان العام السادس الهجري يودع أيامه الأخيرة، و يستقبل العام السابع كانت رسائل الرسول صلى الله عليه و سلم مع رُسله في طريقها إلى ملوك العرب و العجم، يدعوهم فيها إلى الإسلام، و من بينهم كسرى فارس و قيصر الروم.
    كل الرسل عادوا سالمين بعد أن بلغوا رسائلهم إلى من قصدوهم، إلا ماكان من أمر الحارث بن عمير الأزدي، الذي كان يحمل الرسالة إلى ملك غسان : شرحبيل بن عمرو الغساني، الذي تجبّر و قتل رسول رسول الله.
 
    كان هذا الاعتداء الأرعن من ملك غسان سببا لغزوة مؤتة في العام الثامن للهجرة، و كانت غزوة مؤتة سببا لغزوة تبوك التي جرت في شهر رجب من العام التاسع للهجرة.
    فقد قدّر الروم أن هناك خطر يتهدّدهم من المسلمين، فأخذوا يفكرون بغزو المدينة المنورة، الأمر الذي دعا الرسول لاستنفار المسلمين لمنازلة الروم و معاجلتهم إلى محل سيطرتهم.

    فكانت غزوة تبوك التي هي آخر غزوة غزاها الرسول صلى الله عليه و سلم . 
    و لم تكن غزوة تبوك كسابقاتها من الغزوات، لا مكانا، و لا مشقة ، إضافة إلى أنها كانت في أيام قيظ و حر، و موسم قطف الثمار، و أما المكان فقد كان مكانا قصيا بالنسبة لما سبقها من غزوات، و أما المشقة، فتمثل إلى جانب بعد المسافة -  700 كم عن المدينة - شحة الإمكانات، و قلة المال، و مواجهة دولة ( هي الروم ).
    حشد المصطفى صلى الله عليه و سلم أكثر من ثلاثين ألف مقاتل لهذه المعركة، و على غير عادته في التورية و التمويه عن المكان الذي يريده في الغزوات السابقة، فقد بين للمسلمين في غزوته هذه المرة مقصده وهدفه، ليعدّوا و يستعدوا ؛ لبعد المسافة و حجم قوة العدو .

    أبرزت هذه الغزوة روح الجاهزية، و مدى الانضباط و الطاعة - فلم يكن الذين تخلفوا عن المعركة غير ثلاثة، و لا اعتبار لتخلف المنافقين - كما أظهرت سماحة  البذل، و صدق الإنفاق ، و في المقابل أسقطت أقنعة الزيف، و عرّت المنافقين .
    لقد كانت ساعة العسرة بحق ! فحين تطول المحن، تنكشف الحقائق ؛ بين مواقف تثبت، و أخرى تزول، و بين إرادات تصمد، و أخرى تخور : ( لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون).
    أما روح الجاهزية و الإقدام فقد كانا مثالين حيين، و عملا ميدانيا، و مبادرة ظاهرة، يوم أن لبى المسلمون نداء الرسول، و غالب بضعة نفر التردد، ثم عزموا ؛  فاستحق الجميع توبة الله عليهم و رضوانه : ( لقد تاب الله على المؤمنين والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ماكاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم).
    احتشدت الصفوف، و لبت النداء، و هبّت تعدّ و تستعد للخروج إلى ملاقاة الأعداء .
    و أما البذل و الإنفاق، فقد تجلّى بوضوح، و تجسد بأفعال، فأبو بكر  يأتي بكل ماله، و عمر يأتي بنصف ماله، و عثمان ينفق، ثم ينفق، ثم ينفق، حتى يسمع الصحابة يومها، و نسمع نحن، و تسمع الدنيا، وكل من عليها إلى يوم الدين، مدح النبي لعثمان :( ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم).
    و ينفق العباس، و ينفق عبد الرحمن بن عوف.. و آخرون، حتى إن الرجل ليأتي بالأوساق من التمر ، و منهم من جاء بالمدّ.. و كلها عند الله تجارة لن تبور !
    و يومها سقطت أقنعة، و تعرّى النفاق و انكشف .لقد اتخذ المنافقون من الظروف الصعبة و الشاقة، التي تزامنت مع الغزوة ، مادة إعلامية بائسة ؛ للانتشار في أنحاء المدينة ؛ للتخذيل ، و التثبيط، و التخويف، حتى لكأن لسان حالهم يقول : هذه ليست معركتنا، هذه معركة محمد و أصحابه فقط !
    و راحوا يبلبلون : لا تنفروا في الحر .. لا تدفعوا أموالكم .. لا تظنوا أن قتال الروم كقتال العرب .. كيف تتركون ثماركم وقت الحصاد ؟ إلى آخر ما هنالك من بلبلة و إرجاف .  و لكم كانوا - و قد تخلفوا عن الركب - يٌمنّون أنفسهم أن تصلهم الأخبار بهزيمة المسلمين.
    روح التشفّي حالة مرضية تحوّل الإنسان إلى كتلة حقد، إنها لا تكون إلا عند نفسيات معلولة، و نوعيات مصابة بأدواء نفسية .
    كان صف المسلمين محصنا من الحرب الإعلامية ، و كانت إشاعات المرجفين تصطدم ببناء وثيق ، و سور متين ، تتحطم عندها دعايات المغرضين، و أقاويل المبطلين . فيما مضى الرسول الكريم ؛ بجيشه جيش العسرة بعزم و إقدام حتى بلغ غايته، و حقق هدفه ، فقد تراجع الروم و من معهم من العرب المتنصرة، إذ تحاشوا الصدام مع المسلمين. 
    و انطوت ساعة العسرة؛ ليحل محلها تمكين ظافر، و نصر مبين، أكد معه المسلمون حضورهم على طول الجزيرة العربية و عرضها، و رسخوا أقدامهم بثبات و يقين، و الله غالب على أمره في كل وقت وحين .

                                

لمتابعة كل جديد أولاً بأول.. سُعداء بمتابعة قناتنا على التيليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2020 م

الى الأعلى