في زمن المليشيات.. كاد المعلم أن يموت جوعا

في زمن المليشيات.. كاد المعلم أن يموت جوعا

اذا صادفت متسولاً في أحد شوارع صنعاء واخبرك بأنه كان يعمل مديراً لأحدى المدارس، أو استاذاً للفيزياء ولديه شهادات عليا، فلا تستغرب، وادخل يدك في جيبك وامنحه ما فاض عن حاجتك، وكن كريماً معه فهو يقول الحقيقة، وتذكر بأن المعلـم في اليمن "يتضور جوعاً" أو ان بعضهم قد مات جوعاً بالفعل، فبعد أن كان المدرس من ذوي الدخل، أصبحوا الآن يعانون اكثر من أي طبقة أخرى، وتحولوا بفضل الانقلاب، إلى نجارين وفلاحين ومتسولين وباعة متجولين فقراء بحاجة للمساعدات الإغاثية بعد ان استنفدوا كل مدخراتهم، ووجدوا أنفسهم على رصيف الفاقة، مثلهم مثل بقية الموظفين  الذين انقطعت رواتبهم وطحنهم الانقلاب وتداعياته الاقتصادية الكارثية، إلا أن مأساة المعلمين تظل هي الأكثر بشاعة.


يقول فتى في الـ18 من العمر ويدعى سليم: للصحوة نت: "ذهبت الى حمام البخار لأغتسل ورأيت معلمي السابق يعمل فيه -مكيس، عامل تدليك- فهربت منه لكي لا يراني فأسبب له الإحراج، ولن انسى ذلك الموقف طوال حياتي".


وكان هذا الاستاذ بحسب سليم، يعمل معلما في مدرسة عمار بن ياسر بالعاصمة صنعاء، لكن الظروف اجبرته على العمل في هذه المهنة.

 

كانت تحملني واليوم احملها!


وفي مبنى "الكنترول" الكائن بشارع برلين "نقم" التابع لوزارة التربية والتعليم، يقف الاستاذ العظيم "ج. ك" استاذ مادة التاريخ الذي درس في العديد من المدارس، وبثيابه البالية وسنه الكبير يهرع الى الشاحنة ويحمل الكتب الدراسية الثقيلة على ظهره الى داخل المبنى مقابل مبلغ بسيط جداً، قال لي بإحراج وعينيه في الارض "لم أجد ما افعله فأنا بدون راتب منذ ثلاث سنوات، وهناك عشرة ارواح علي اطعامهم".


كان يلقي كلماته على عجل خوفاً من غضب صاحب الشاحنة إذا أبطأ في العمل لأنه قد يستغني عنه او يخصم عليه من أجرته.


ثم قال بابتسامته التي لا زلت اتذكرها جيداً: "في الماضي كانت هذه الكتب تحملني وكنت القيها عليكم في الفصل واليوم أنا الذي احملها، والحمد لله أنني لم الجأ الى التسول او النهب والسرقة".


 مهن أخرى


يعيش أكثر من مليون موظف يمني في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثي دون رواتب، من بينهم 242 ألف معلم، بحسب تقرير وزارة التخطيط والتعاون الدولي، ما جعل أستاذ التربية الإسلامية حمدي الوصابي يفتح "بسطة خضروات" صغيرة امام منزله، وفي كل مرة يأتيه زبون، يحرص على اعطائه حديثاً نبوياً او مسألة فقهية.


بينما يتجول "بكيل القباطي" استاذ مادة الرياضيات، بعربية آيسكريم وينادي على الأطفال لكي يأتوا ويشتروا منه، ويقول الاستاذ بكيل للصحوة نت: "تعبت من الديون ومن الالتزامات المنزلية ومن توسل الناس، فعلى الأقل احاول اوفر ولو القليل".


لم تكتف ميليشيات الحوثي بذلك بل قامت بفصل المدرسين المتغيبين عن العمل باستبدالهم بـ "متطوعين" تابعين للجماعة، ويشتكي الطلاب في المدارس الحكومية من أن المتطوعين غير متخصصين في التدريس ولا يفهمون منهم


يقول الاستاذ "مطلق" استاذ مادة العلوم، والذي يعمل حالياً "خبازاً" في فرن شعبي صغير: "يذكرني تهديد الميليشيات بفصلنا عن الوظيفة، بإحدى مسرحيات عادل إمام عندما جاءته فاتورة التلفون وفيها تهديد بانه اذا لم يدفع فسيأخذون "العدة" فخاف عادل إمام على العدة –أي التلفون-وذهب للتسديد مع الغرامة، ثم في الأخير تذكر أنه ليس لديه تلفون اصلاً"!!

 

مأساة مروعة

في ذات السياق، لاقت صورة تم تداولها مؤخراً في مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية، موجة من الغضب الشعبي الواسع، وتظهر الصورة استاذة حاصلة على درجة الماجستير في الفيزياء، جالسة على الرصيف وتقوم بالتسول جراء قطع ميليشيات الحوثي لراتبها منذ ثلاث سنوات، وقال سامي الأديمي، ناشط حقوقي: "استاذة فيزياء حائزة على الماجستير تتحول الى "شحاتة" في الوقت الذي تطاولت فيه ابنية الحفاة العراة القادمين من الكهوف وأصبحوا من اصحاب المليارات، من جيوب المواطنين وقوت اولادهم، أي لعنة نعيشها اليوم؟ "، مضيفاً: "إذا لم ينهض هذا الشعب من سباته ويعيد هذه الشرذمة الكهنوتية الى الجبال فلن يكون مصيره أفضل من مصير هذه الاستاذة الفاضلة المظلومة".

ولا يزال المعلمون هم الضحية الأبرز لانقلاب ميليشيات الحوثي التي تعتبر العلم والتعليم عدوها الأول الذي يهدد وجودها.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى