في ذكرى الثورة اليمنية كيف نوقف الانقلابات؟

في ذكرى الثورة اليمنية كيف نوقف الانقلابات؟

"حين تُعيق مجرى الدم في الشريان تكون السكتة، و حين تُعيق مجرى الماء في النهر يكون الفيضان، و حين تُعيق مستقبل شعب تكون الثورة"  فيكتور هوجو

منذ أن وعيتُ على نفسي وعرفت فضل الثورة اليمنية وأنا أشارك مع أبناء قريتي في عمليات "التنصير" تنصير بدون تثليث وصليب وعلى نبينا التهامي وعيسى الناصري السلام، التنصير بلغة المخلاف حرق إطارات السيارات في أعالي الجبال عشية الثورة، و إذا أصدقاءنا في القرى المجاورة أحرقوا مثلنا هذه السنة إطارات سيارات "جبان" بنوريهم السنة الثانية ونحرق كفرات حراثة أو قلابات، وجاء الموعد وحملنا تاير القلاب وفي منتصف الجبل "دحص" واحد مننا فتمكن الكفر من التدحرج إلى الوادي، شمس وعرق وصعود وفشل، لكن يمين ما عذرناه واعدنا الكرة واحرقناه ونزلنا القرية نشاهد أعلى "تنصيرة" و أكبرها مقارنة بتنصير القرى المجاورة. بدون حساب المسافات فنار ثورتنا أعلى، ثم نعود للبيوت وخلطنا الرماد بالسليط القاز واكملنا حالة التنصير. 

وفي المدرسة حصة التعبير في هذا الشهر كلها ثورة، وجاءت مرحلة الثانوية والجامعة  وقد تم تغييب الثورة عن خارطتنا الذهنية و ذهبنا نتحدث عن حلم الملايين الذي تحقق في 22 مايو، لم نتقبل الفكرة، في ترك الاحتفالات لكنها توجهات الدولة بمواطنيها، وخلال عملي الصحفي مع زملائي منتسبي وزارة الإعلام والمؤسسات الإعلامية الحكومية عملنا على إحياء الثورة بالكتابة عنها، والكتابة عن الثورة تخلق في نفس المحرر والصحفي والكاتب ثورة وفي نفس القارئ والمتلقي أيضاً، ملأنا الصحف بتاريخ الثورة والثوار سبتمبر وأكتوبر لم نفرق بين محطاتها الخالدة، وقف شعر رأسي - قبل التساقط وقبل ظهور الشعرات البيضاء على الجانبين - وأنا استمع بحماس للزميل "محمد القراري" الذي كتب يومها ملحمة خالدة عن علي عبد المغني القائد والوطن والرجل الذي مثل الأمة اليمنية أحسن تمثيل، وأخبرني يومها أن علي عبد المغني اسم حركي، شاهدتُ صوره القديمة التي جلبها من بيت الرجل الذي ربى وصنع قائد الثورة علي عبد المغني وهو الأب المعنوي للقائد. 

بكل مادة صحفية كتبناها سواءً كانت مكتبية أو مقابلات مع من تبقى من الثوار وذويهم، كتبنا للجيل اليمني الجديد ثوروا كما فعل من سبقوكم، كتبناها في صحف النظام الذي آل للسقوط فيما بعد في فبراير العظيم، وثورة فبراير علمتني وعلمتكم جميعاً أن الثورة قدر أمة وليست مجرد استعراض ولا احتفالات ولا خطابات ولا مجرد إيقاد شعلة، وليست مجرد تنصير إنما معاني أكبر وأعمق. 

لماذا الثورة ؟
الثورة اليمنية 26 سبتمبر  و 14 أكتوبر أتت كنتيجة لعوامل وأسباب كثيرة، ولم تكن ترفاً ولا انقلاباً بحسب مشروخي الهوية الذين يحاولون تمرير هذه المصطلحات على البسطاء في مواقع الإعلام وفي الموسوعة الحرة ويكبيديا وغيرها عبر الكتابات المشبوهة التي يروج لها دعاة الهاشمية السياسية بمختلف طوائفهم شيعة وسنة وما بينهما من حركات دينية ذات طابع سياسي أو طابع عرقي، ويبدو أنهم متفقين في مثل هذه الاقاويل: "الإمام أفضل من السلال ومن جمال عبد الناصر، وكان الإمام فقيهاً مصلياً وشاعراً وأديباً، والثورة أتت بالشرك والكفر فقد قال الثوار: "بسم الشعب بعد بسم الله ارحمن الرحيم" وما إلى ذلك من هراء، الثورة اليمنية ثورة  عظيمة لم تحرر اليمن بشطريه الشمالي والجنوبي وحدهما حررت كل اليمن وحررت أراضي ومشيخات العوائل في الأراضي المجاورة لليمن: في عمان وساحل القراصنة وقطر والكويت والبحرين ولها تأثير على كل المنطقة العربية وعلى وجود الاحتلال البريطاني والفرنسي، لقد غيرت موازين العالم في تلك اللحظة التي هدمت قصر البشائر، ولذا جابهتها كل دول الاحتلال-المسماة زوراً استعمار- وقفت فرنسا وأميركا ضدها وبريطانيا وإسبانيا وكل ممالك العالم بالإضافة إلى ممالك البدو في الصحراء والواحات العربية، إسرائيل أيضا وقفت ضد الثورة ودعمت الإمامة وهذا تخادم قديم بين الهاشمية السياسية والصهيونية العالمية لا يمكن أن يمحوه الزمن، ولا يمكن للشعارات الواهية التي تطلقها جماعة الحوثي أن تمحو أنهم جزء من تنظيم الهاشمية السياسية التي دعمتها إسرائيل في الستينيات من القرن الماضي وما يخفونه من تخادم ودعم اليوم سيظهر في الغد. 

وقفت مصر "عبد الناصر" بكل ثقلها مع اليمن ومع الثورة، الزعيم العروبي لم يكن ليخذل شعب اليمن في ثورته لبى نداء العروبة والواجب، وقام بدوره في صراع اليمن مع كل أقطاب الاحتلال العالمي الذين رأوا في الثورة اليمنية تهديداً لمصالحهم، اليمن ومصر تشكلان قطبي التحكم في البحر الأحمر خاصة بعد تأميم جمال عبد الناصر لقناة السويس في يوليو عام 1956، ولذلك تعرضت مصر للعدوان في نفس العام.
وحين تحدثت إذاعات وصحف ومصادر الرجعية ومن يقف خلفها من قوى الامبريالية العالمي ودول الاحتلال أن الثورة في اليمن ثورة مصرية، تناسوا جميعاً أن ثورة اليمن بدأت في الثلاثينيات من القرن الماضي وتصاعدت لتصنع ثورة 1948، وفي 1955 حركة الثلايا وتلاها محاولات عديدة للتخلص من أحمد حميد الدين يقال أنها  12 محاولة، تُوجت  في 6 مارس 1961 في مستشفى مدينة الحديدة قادها ثلاثة ثوار يمنيون هم محمد عبد الله العلفي وعبد الله اللقيه ومحسن الهندوانه ، لكن المحاولة فشلت وأُعدم الثلاثة، بعض هذه الأحداث وقعت قبل قيام الثورة المصرية ذاتها التي قامت في 23 يوليو 1952 . وفي هذا الصدد يقول مدير مكتب جمال عبد الناصر  سامي شرف في مذكراته (سنوات وأيام مع عبد الناصر):  "وفى خضم ذلك انفجرت ثورة اليمن في 26سبتمبر 1962 فقلبت كل الموازين، وأحدثت ارتباكاً شديداً في صفوف الملكيات العربية ، والذين أشاروا حينها إلى القاهرة في حين أن الحقيقة كانت غير ذلك؛ لأن ثورة اليمن كانت نتاج أبناء اليمن الأحرار، وتمت كرد فعل طبيعي لحكم رجعى متخلف يجسد أبشع أنواع وصور العهود المظلمة في تاريخ الشعوب، وقد سبقتها إرهاصات ومحاولات عدة منذ 1946 و1948 و1950 و1955 أي أن أسباب الثورة كانت موجودة وكامنة حتى قبل أن تقوم الثورة في مصر".

أهداف الثورة

 لسنا هنا بصدد مراجعة أسباب الثورة لا في سبتمبر ولا في أكتوبر، لكن بمراجعة سريعة لأهداف الثورة سنجد أننا اليوم بعد 57 عاما من الثورة مازلنا لم نحقق الهدف الأول أو أننا عدنا إلى مرحلة الصفر خاصة بعد عودة قوى الرجعية والاحتلال وإن اختلفت المسميات فها هو الاستبداد عاد في صنعاء على شكل طائفة والاحتلال عاد في عدن بطريقة جهوية قروية، ولذا فإن الهدف الأول من أهداف الثورة بحاجة إلى التوقف عنده وقراءته جيداً " التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاته وإقامة حكم جمهوري عادل وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات" مخلفات الرجعية والاستعمار عادت والفوارق الطبقية لم تنته حتى مع وجود محاولات تمت في الجنوب قبل الوحدة، إلا أننا اليوم عدنا وعادت الطبقية كما أن الحرب اليوم خلقت طبقات جديدة. و بكل وضوح نجد أن التقارب بين الرجعية والاحتلال قديماً قد عاد على شكل تخادم بين انقلابي صنعاء وعدن اليوم، فكليهما يمثلان انتكاسة لثورة سبتمبر وأكتوبر. 

 وبإطلالة سريعة على الهدف الثاني للثورة نجد أننا أمام نفس القصة فمازلنا نبحث عن بناء جيش وطني كما ينص هذا الهدف"  بناء جيش وطني قوي لحماية البلاد وحراسة الثورة ومكاسبها". اليوم لدينا جيوش طائفية سنية وشيعية، ولدينا جيوش قروية جهوية نخب و أحزمة ومجاهدين في سبيل الله،  ودول تدعم تطييف الصراع ونجحت في تأجيج الصراع المناطقي الجهوي ولم تكتف بذلك ومازالت تريد تطييف الصراع على أسس مذهبية. 

أما مستوى الشعب اليوم فيذكرنا بفقره ومجاعته في الزمن الغابر، والتخلف يحاصر المدن فقد كثر المرتزقة وتراجعت نسب التعليم، وصار لدينا مثقفين لم يقرأوا كتاباً ولم يسلكوا سلوكاً وطنياً، ومنذ انقلاب 2014 في صنعاء وهم يقفزون من موقف إلى أخر ومن حضن دولة إلى حضن جماعة، ورأينا من كنا نسميهم نخب يصفقون للانقلابات نكاية ونفاقاً وعقوقاً للوطن ونكوصاً عن الثورة و أهدافها، وبينما ينص الهدف الثالث من أهداف الثورة على " رفع مستوى الشعب اقتصاديا واجتماعيا وسياسياً وثقافياً" يظل هذا محل نظر فمازال هناك الكثير للوصول إليه فالفساد الاقتصادي والاداري الذي أعقب ثورة سبتمبر وأكتوبر قد خلق الكوارث في كل اتجاه ، وتراجع الشعب معرفياً وثقافيا و اقتصاديا واجتماعياً، ولذا لم تستطع ثورة 11 فبراير 2011 منع اليمن من السقوط تحت وقع الانقلابات في 2014 و 2019، ويعود السبب إلى وصول الفساد مضاعفاً للسلطة وتقاسم ومحاصصة يشبه التقاسم الذي حدث من قبل على أسس جهوية وقبلية في ستينيات القرن الماضي، ولم يأتي الزمان بجديد، حقب الفساد تتوالى والفاسدون يتوالدون كالبكتريا. ولذا انظروا اليوم كم عدد مسؤولي الدولة من أصغر وكيل إلى أعلى وزير وسفير، هل هناك من يملأ مكانه ويؤدي ما عليه وفقاً للدستور والقانون؟ من مجموع 55 سفيرا للجمهورية اليمنية كم سفيرا استنكر انقلاب عدن في أغسطس الماضي؟ وكم وزير وقف مع الدولة والشرعية؟ من أين جِيء بهؤلاء الأشباه؟

بوجود الفساد تم تهشيم الهدف الثالث للثورة ولم يستطع الشعب اليمني حراسة الدولة بعد سقوط الأجهزة المهترئة والتي كان من المفترض أن تقوم بواجبها ، حدث الانقلاب الطائفي والنخب الحزبية ترقص طرباً والشرعية تشاهد الماتش، ووزارة الدفاع محايدة، وغضب الشعب لم يكفي لإيقاف الانقلاب فكانت المقاومة وهي عمل شعبي ووطني عظيم، إلا أنها سرعان ما دُجنت وتحول المقاومين إلى موظفين وتم تدجينهم تحت مسمى عسكرتهم، لسنا ضد عسكرتهم ولكننا ضد تدجينهم وضد منعهم من تحقيق الهدف العام للمقاومة في إسقاط الانقلاب الطائفي.

التغني بالثورة

تغني النظام في صنعاء وعدن بالثورة سبتمبر وأكتوبر لم يُغني عن وقوع الانقلابات، فماذا يعني وصول الفاسدين للسلطة وتغنيهم بالثورة؟ لا يعني إلا أن المعادلة مختلة وأن الثورة انتكست بهم قبل عودة الرجعية والاحتلال.  و اليوم وبعد خمس سنوات من الحرب عرض تقرير مؤسسة "سام" أرقاما كارثية  تعرض لها أطفال اليمن "تجنيد 3 ألف طفل ، و 8 ألف طفل بين قتيل ومصاب، و 1.5 مليون طفل نازح، 400 ألف طفل يعانون من سوء التغذية، و 7 مليون طفل لا ينامون من شدة الجوع، و 2 مليون طفل حرموا من التعليم". 

كما أن عدم وجود مشروع مترجم لأهداف الثورة عبر المؤسسات البيروقراطية الحقيقية والتمسك بالشكليات وإيهام الشعب بوجود مؤسسات قد انكشف كل هذا بوضوح بمجرد وقوع انقلابات، فمن جيش الجمهورية اليمنية لم يتبقى في صنعاء سوى 400 مقاتل في الفرقة والباقي تبخروا، وفي انقلاب اغسطس 2019 لم يتبقى من جنود المنطقة الرابعة وألوية الحرس الرئاسي وقوام عددهم يزيد عن 270 ألف سوى العشرات والذين سقطوا خلال ساعات وباع الخونة مواقعهم. 

لكن هذا لا يعني أن الأمة اليمنية لم تصنع رجال فمازالت دماء 300 جندي يمني طرية لم تجف بعد و هم يسطرون أبهى معاني الرجولة والوطنية في خلال ساعات معدودة كانوا على مشارف عدن ولولا تحالف الغدر لكان انقلاب الجهوية قد انتهى وعادت البوصلة في اتجاهها الصحيح للقضاء على الانقلاب الطائفي. 

كل الأزمات التي مرت بها اليمن من بعد الثورة إلى اليوم اثبتت عدم وجود فعلي لمؤسسات الدولة وإن وجدت أفكار فهي بلا معالجات واقعية و لا إمكانيات حقيقية . فالبلد الذي لم ينتج معرفة يحصد فقر ومجاعة وتشرد، والثورة التي لم تنتج فلسفة وحزب ثورة تنتج متاهة. ولذا لابد من العمل على تصحيح الأخطاء وتجاوز الإخفاقات صحيح أن "الثورة مرحلة" لكن عملية التصحيح تظل مستمرة. وفي رأيي المتواضع أن انتاج الثورة لفلسفة وحزب ثورة شيء مختلف عن قيام حزب أو أحزاب بثورة، في الأولى العملية تكون وفقاً لمساقات الثورة ولتحقيق الغرض منها في بناء الدولة، بل واشراك الجماهير في تحقيق هذا البناء ولتشعر بالرضا أنها موجودة ومشاركة في إحداث التحول على مستوى البلد والمؤسسات، وفي الثانية يرى الدكتور عزمي بشارة  في كتابه(في الثورة والقابلية للثورة): "أن الثورات الحقيقية ليست ثورات أحزاب -كما في الفكر الغربي- وإنما ثورات شعوب وأن الثورات الحزبية غالبًا ما تتحول إلى حروب عصابات لكون الأحزاب التي تسيطر على الثورة بعد تحولها إلى سلطة تنشِئ تاريخًا للثورة يتسم بالتفخيم الذاتي، ويُبنى على أسطورة أو متخيل يشير إلى أن هذه الأحزاب هي التي قادت الثورة، أو لم تقم هذه الثورة من دونها، في حين أن قوىً وأحزابًا أخرى تتهمها بأنها لم تفعل إلا سرقة الثورة. فليست الثورات عملًا حزبيًا منظمًا بناءً على برنامج مسبق".

وفي ديمومة التصحيح الثوري المستمر يرى أستاذنا عبد الرحمن بجاش:  "أن الثورة لا يمكن أن تكون إلا فعل مستقبلي، ولا يمكن أن يحقق هدفها جيل أو جيلين، وهي فعل مستمر باتجاه المستقبل ، وهناك من يأتي ليصحح أو ليواصل السير نحو تحقيق أهدافها وهذه سنة الثورات، فليذهب بتحقيق مالم يتحقق من أهدافها باتجاه المستقبل. ولا يمكن أن تعود بالثورة إلى الماضي السحيق والذي  ثارت ضد المظلم منه بإنارته بضوء الشمس، كما أن تصحيح المسار الثوري يكون فقط بالذهاب نحو المستقبل ولا طريق غير ذلك".

لماذا الانقلابات في اليمن؟

كل ما سبق يعيدنا لنفس المربع ويجعلنا نتساءل لماذا وقعت انقلابات في صنعاء 2014 وفي عدن 2019؟
 لغياب المؤسسات ولخلافات الساسة ولعدم وجود مشروع وفلسفة وبرامج ناظمة لعمل هذه المؤسسات، لا يكفي أن يكون هناك خطط خمسية، ولا ميزانيات سنوية، لابد من وجود مؤسسات ضامنة لأمن واستقرار البلاد تتبع الدستور والقانون لا تتبع قبيلة ولا حزب ولا أشخاص.  

استمرت المعالجات الخاطئة التي جعلت من تقاسم السلطة منذ عام 90 غاية وتضخمت بعد 94 وللأسف تغولت بعد 2012 وبعد 2015 حتى صارت طوفان يجرف المجتمع ويعصف بكل ما هو جميل،  الترضيات الشخصية و المحاصصات الحزبية والمناطقية لا تخدم المؤسسات ولا تخدم قضايا الناس ولا تزيل الفقر  والمعاناة عن الشعب، بل حققت مصالح شخصية لأفراد معدودين هم مجرد متسلقين ووصوليين لم يستطيعوا تشغيل تلك المؤسسات، لا برامج تشغيلية ولا خطط ولا أهداف لكل المؤسسات. لقد تم تسوية أوضاعهم بينما الناس يعانون وهذا ما يجعل قسم من الناس يذهبون خلف من يمنحونهم الفتات ليستقطبوهم ويستخدمونهم ضمن المشاريع الصغيرة التي تحاول إنهاء اليمن من الوجود. 

المخرج من الانقلابات

لسنا بحاجة إلى سردية الانقلابات في صنعاء وعدن، بل بحاجة إلى معرفة أدوار كل طرف في صناعة هذه الانقلابات بقصد وبدون قصد نكاية وحكاية، التفاصيل لم تعد مهمة بقدر أهمية معرفة كل جهة ودورها في خذلان الثورة والجمهورية والدولة، ما هو دور الشرعية والحكومة والأحزاب والقوي المجتمعية في انقلاب الهاشمية السياسية في صنعاء 21 سبتمبر 2014؟ وما دورهم جميعاً في انقلاب الجهوية في عدن  أغسطس 2019؟ لا نريد توزيع الاتهامات ولا إلقاء اللوم على كل طرف وحزب ومؤسسة، فقط نتمنى أن يخرج من كل طرف من يقول هذه أخطائنا، وهذه معالجتنا المقترحة لتصحيحها. في هذه الحالة فقط سيتحمل الجميع مسؤوليته بشرف ، بدون ذلك لا شرف ولا فضل لأحد، والشعب هو من دفع اثمان حماقات الجميع. 

 هناك مجموعة من المقترحات ونتمنى أن تصل إلى جماهير شعبنا وإلى كل من يهمه الأمر وهي في اعتقادنا قد تساعد في استعادة وبناء مؤسسات الدولة وبالتالي ستقي البلد من الانقلابات: 
فاليمن بحاجة إلى صناعة مؤسسات يمنية ضامنة للحفاظ على اليمن؛ "هوية وأمة ودولة ووطن للجميع"، وفقاً لفلسفة يمنية خالصة مستمدة من الثقافة اليمنية والفكر والواقع والتاريخ والحاضر وتلبي تطلعات الجماهير وتؤمن مستقبلهم.  
وإنه من المهم القول بضرورة إعادة تشكيل المجتمع اليمني وفقاً لمكوناته العملية والمهنية والثقافية والتنموية بعيداً عن الاستيلاء والسيطرة المذهبية والمناطقية والحزبية، عندما نقول للناس ابنوا مكوناتكم المصغرة فإننا نحاول خلق حلول لهم كمجموعات متخصصة ضمن صناعة مجتمع المعرفة ، ضمن مكونات المجتمع و شرائحه، نحاول حمايتهم من اضطهاد من يتحدثون باسم الله وباسم الشعب والوطن والدولة، وممن يقمعون الأفراد بحجة أنهم كيانات نافعة وهم مجرد أفراد لا أكثر، نحميهم من انتهازية الأحزاب وسياسة "التكويش" على الانتخابات أيا كانت، يكون حزب حاكم ويريد السيطرة على النقابات والاتحادات وكل المكونات. إن وجود مكونات علمية وعملية وثقافية وتخصصية وبناء منظمات جماهيرية هو طريقكم للتحرر من سطوة الانتهازية التي صنعت الأصنام وأتت بالأغبياء إلى مراكز القرار، ذلك الطريق سيجعل من الجدارة والكفاءة والمؤهلات قوة قادرة على خدمة الجماهير وتقدر مصالح الوطن. 

كما أنه لابد من إعادة تقييم العلاقة بين اليمن ومحيطها الإقليمي، اليمن والخليج ، واليمن والقرن الافريقي ، واليمن وامتدادها الثقافي والحضاري في كل العالم العربي، هذا سيساعد على خلق نموذج قادر على بناء علاقاته وفقا على مصالح الشعب اليمني. بالإضافة إلى رسم خارطة طريق لإنهاء الخلافات اليمنية اليمنية والتفكير بطرق التحول من مجتمع مسلح إلى مجتمع عمل وإنتاج، والاستفادة من الموقع الجغرافي والتوجه نحو القرن الأفريقي كتوجه طبيعي لليمن لتمتلك جناح نحو الغرب وجناح نحو الشرق ، ولن يكتمل ذلك إلا باستعادة طريق البخور وإعادة هندسته ورسمه من جديد وفقاً لمتطلبات العصر، وربط هذا المشروع بمشروع  الصين "طريق الحرير". 

 كما أن  تبني قضايا المجتمعات المحلية.. القضية العدنية والصنعانية  والابية والماربية والجوفية والذمارية والتعزية والحضرمية والتهامية  والمهرية والشمالية والجنوبية،  في اطار القضية اليمنية الشاملة، لإن فهم كل هذا التنوع والاستفادة منه هو الطريق إلى استعادة المبادرة في  إنهاء الانفلات الأمني وسيساعد على تحريك عجلة التنمية العادلة وعدم توقفها. 
على اليمنيين قاطبة إدراك أنهم ضعفاء كأفراد وكمجموعات صغيرة وكقضايا محلية، لكنهم أقوياء بجمعهم وبحلمهم بدولة حديثة للجميع وتجاوز الماضي والذهاب نحو بناء المستقبل. دولة تضطلع باستيعاب طموح الجماهير وحقها في الحياة الكريمة.  

كما أنه من المهم إيقاف خطاب الكراهية والعنف المستوحى من المذهبية ومن الفهم الخاطئ للإيديولوجيات وللدين، وهذا يتطلب من الأحزاب التحول من أحزاب أيديولوجية إلى أحزاب برامجية، والعمل على "يمننة" المناهج الثقافية للأحزاب.
ويفترض عدم تحويل ذكرى الثورة اليمنية إلى مناحة هذا اخذ وهذا اعطى وهذا ترك؛ للاحتفاء بالذكرى القادمة للثورة لابد من  ندوات ثقافية، ومؤتمرات علمية لا مجرد حفلات، لابد من أوراق علمية نظرية وواقعية في التعليم والصحة والاقتصاد والاجتماع والسياسة والسياحة والطاقة والعلاقات الدولية، وهي من ستشير نحو الحلول المخلصة التي تستلهم روحها من أهداف الثورة  اليمنية، يكفي الناس استعراضاً للمشكلات والتباكي على الأطلال.

تبدأ النهضة اليمنية من كل فرد ومن كل أسرة وقرية وعزلة وناحية وحارة و شارع ومدينة وإقليم.. النهضة لا تُمنح ولا تُشترى بل تبدأ من بناء الفرد حتى بناء الشعب، المدرسة والمسجد والمعمل و المقهى والمقيل و الملتقى يجب أن تحمل كلها نفس الرسالة في النهوض الوطني، لا تعارض بين مؤسسات الدولة: فالإعلام والثقافة يكملان التعليم، والتربية والتعليم تبني الفرد القادر على الإنتاج وتؤهله عبر وزارة التعليم الفني والمهني ووزارة الصناعة، وزارة الأوقاف عليها أن تصنع خطاباً لتهذيب روح الفرد وتقويم سلوك الأسرة والمجتمع، بدلاً من حجوزات الحج والعمرة وإعلان الهلال السياسي، لابد من ايقاف جنون المنابر التي تغذي الإرهاب والكراهية والتكفير.. فالنهضة عملية تكاملية.

* ملخص ورقة عمل -  المقدمة ليست جزءًا منها - قدمها الدكتور فيصل علي رئيس مركز يمنيون للدراسات في الندوة التي أقامها مركز يمنيون للدراسات بعنوان" اليمن من ثورة 26 سبتمبر و 14 أكتوبر إلى عودة مخلفات الرجعية والاستعمار"  في كوالالمبور بتاريخ 27 سبتمبر 2019.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى