معادلة النصر

معادلة النصر

تقترب الحرب من نهاية عامها الثاني وما زالت صنعاء عاصمة البلد محتلة من قبل عصابات التمرد الهمجية، والتي قادت انقلابا اسقطت به دولة اليمنيين التي تأسست في ستينات القرن الماضي على أسس هشة، بسبب ما سمي بالمصالحة الوطنية والتي أفضت إلى دولة عديمة الملامح لا ملكية ولا جمهورية، متسمية بالجمهورية مبطنة بالملكية الإمامية من الداخل، لم يكن تأسيس الدولة الفتية على الهوية الوطنية، فكانت النتائج  محسوبية وفساد وتسلط جهوي مذهبي مبطن بشعارات الثورة والجمهورية، إلى أن وصل الحد إلى دولة فاشلة مقبلة على التوريث، فخرجت الجماهير تبحث عن دولة في 2011، وتاه اليمنيون ثانية في خلافات ولم يتجاوزوا اللحظة،  فكان انقلاب الهاشمية السياسية هو الجاهز للانقضاض على مفاصل الدولة.


هذه الحرب لن تنته بدون تضحيات يقدمها شعبنا وقيادتنا، والتضحيات ليست بالمال ولا بعدد الشهداء والجرحى والمشردين، لكنها تضحية التخلي عن الأوهام،  وتجاوز الخلافات، وتجاوز الماضي والتعاطي مع الواقع الراهن كما هو لا كما نفكر فيه بنظراتنا الماضوية للأحداث، في 1962 انتصرت فكرة الثورة التي اندلعت في 1948، وكانت هناك إرادة شعب وراء النصر، لكن هذه الإرادة ركنت على النصر، ولم تركن على التخطيط لتأسيس دولة اليمنيين الذين خرجوا عن نطاق الفاعلية منذ قرون مسلمين أمرهم وقرارهم لأولي الأمر معتبرين أنفسهم جزء من الأمة  الكبرى.


لم تنجح ثورة سبتمبر 62 في خلق دولة قومية حديثة، ولهذا السبب شعبنا اليوم يدفع الضريبة، ضريبة العيش في أوهام الأمتين العربية والاسلامية وأوهام الأيدولوجيات القادمة من الشرق والغرب من طرف اليمين الى نهاية اليسار،  وإلى هذه اللحظة ما زلنا نعيش الوهم بكل مستوياته، فمن أين سيأتي النصر مع الوهم؟


ليس النصر هو المهم، فقد يكون خيمة قش لا قعر لها، ولا أسس ثابتة له ولم يخطط لما بعده، لكن هذا النصر يحتاج ممن يخوضون هذه الحرب الاعتراف أنهم يمضون نحو المجهول، الا إذا كانوا مؤمنين إيمانا عميقا بمخرجات الحوار التي اتفقوا عليها مسبقا بدون خلاف أو تردد، وبشكل جماعي لا اعتراض فيه ولا معه، هناك سيكون لهذا النصر معنى، لكن هذا النصر لن يتحقق باستراتيجيات حروب القرن الماضي، فتقنية الفوضى التي استخدمها الرباح الحوثيين ليست عفوية ولا عبثية، لكنها كانت منظمة ومفاجئة للجميع.


كيف نواجه هذا الطارئ العابث؟ هل نواجهه بضربات التحالف؟  أم بتقدم المقاومة عبر سلسلة الجبال في رحلة العودة الى صنعاء؟ هذه استراتيجيات مكشوفة ويمكن للعدو التعاطي معها وهذا الذي يتم فعلا ، فما الحل؟


الحروب النظامية في الغالب تأخذ وقتها الطويل ومآسيها تزيد بزيادة فتراتها، لكنها تكون ناجعة على المدى الطويل، في هذه البلاد الوعرة الطاردة للسكان الحروب فيها غير مضمونة النتائج، الا إذا تم استخدام تقنيات لم يحسب لها العدو حسابا من قبل، فحرب القبائل وشراء الولاءات التي تعول عليها الشرعية ورجال العهد القديم لم تعد ذات قيمة. ولذا  دعونا نفصل المعركة بحسب ظروف البيئات المختلفة في البلاد، بحيث يكون لكل بيئة أو جبهة عسكرية استراتيجية عسكرية مختلفة تتناسب معها، في جبهة مأرب تم تحقيق التقدم المذهل في الأرض،  فكانت القبيلة ملاذنا الأول هي التي واجهت بطريقة بدائية غلبت تقنيات الحرس الجمهوري الحديثة، فالفوضى العشائرية والتماسك القبلي كانتا سمة لهذه المواجهة، لكن المعركة كلما اقتربت من صنعاء عن طريق صرواح تغيرت قواعد اللعبة، وحتى عن طريق نهم الوعرة التكلفة هي أكبر من المأمول، والأمنيات لا علاقة لها بتقنيات الحروب، لابد في هذه الجبهة من فهم أعمق للحرب، والطريق الى صنعاء ليس مفروشا بالورد، لكنه مفروشا بالألغام، إذا لا بد من عمليات بطولية في صنعاء  تنتشل المقاومة من مأزقها، وتدفعها  نحو هجوم مجنون  مفاجئ غير محسوب العواقب، فحساب العواقب في معركة مثل معركة صنعاء ضربا من ضروب الغباء، فمن يريد النصر عليه أن يسلم روحه للوطن وينسى الخسائر والأرباح. 


الشباب في صنعاء وهم قطاع واسع من أبناء اليمن كلها ينتظرون الفرصة للتخلص من كابوس الانقلاب، هؤلاء الشباب خذلوا من الجيش  النظامي الذي سلم العاصمة دون مقاومة، ومن الأحزاب ومن السلطة، وهم ناقمون على الجميع، فقد تركوا تحت رحمة المليشيات، وقيل لهم أن العقل هو الهروب من المعركة، وليسوا مقتنعين  بهذا الطرح ابدأ، إن النصر في صنعاء لن يكون الإ بهم، والقبائل هي تابعة لهم، فهي أساسا قبائلهم، وتقدمهم هو الذي أنجح ثورة 2011 وليس تقدم القبائل، كل ما أريد قوله هو أن لم يتم تجنيد هؤلاء الشباب في فرق خاصة تفوق في سريتها ودقة تنظيماتها  كل التشكيلات الموجودة في صنعاء وما حولها، فلن يستطيع أحد اقتحام صنعاء بدونهم، يحتاج هؤلاء الشباب إلى تكوين ألوية تشبه لواء الصعاليك في تعز لا ألوية الجيش الوطني ولا حتى  الوية الحرس الجمهوري سابقا، فحرب المدن تحتاج فدائيين صعاليك وما أكثرهم في صنعاء،  العمليات النوعية ضد قيادات الانقلاب في صنعاء هي من ستغير سير المعركة.


لا أدري من المخطط العسكري الهمام الذي تحرك نحو صعدة وفي الجوف ما زالت بعض المناطق تحت سيطرة الانقلابيين، لا بد من توحيد قبائل الجوف والسيطرة على كافة المديريات ومن ثم التوجه نحو صعدة، وصعدة بحاجة إلى مقاتلين من أهلها  لديهم المعرفة بالناس والجغرافيا، بحاجة إلى تدريبات خاصة لتلك الألوية لا مجرد استعراض، فهزيمة الشيطان في كهوف مران تحتاج الكثير من البارود والكثير من الخبراء والفدائيين الذين يستشعرون أنهم يطهرون جراح اليمن من صعدة إلى المهرة، وليس فقط ينتصرون في جرف سلمان، يحتاج المخطط العسكري هناك لقراءة التقنية العسكرية للرسوليين الذين قهروا الإمامة في صعدة وجعلوها مدينة اقتصادية، وأنشأوا فيها دارا لصك عملة الدولة التي أتخذت من تعز عاصمة لها على مدى قرونا من الزمن.


 في ميدي الساحلية  يبدو التقدم دون غطاء جوي هذيان وتضحية بأرواح الجنود، الجنود لديهم الاستعداد الكافي لخوض حرب النصر هناك، لكن الفساد يخذلهم ويشكون على استحياء، لن يقاتل الجندي وقائده يميز نفسه بشربة ماء عن جنوده، هذه ليست حرب هوايات بل حرب هوية، والتضحية تحتاج قادة وقدوة فلا تخذلوا جيشنا الشاب الفتي هناك، فهو كما تعلمون غير مسنود بالمقاومة. 


في تعز المدينة شبه محررة من قطعان الهمج، بفعل بسالة الشباب، لكن الدعم المتأخر دائما يخذل المدينة التي صمدت في وجه أعتى قوة على مستوى البلاد، كان لفعل الجنون الفوضوي الذي أبدته قطاعات المقاومة الفضل في تطهير المدينة والتقدم نحو جبهات العدو،  تمرد الشباب على أوامر القيادات البعيدة عن أرض المعركة حسم الأمر في مختلف الجبهات، ضعف الجيش النظامي  لم يكن مهما في تعز فالجيش الشعبي هو الأساس، فكلما سقط مقر اللواء 35 هرع الصعاليك واستعادوه، إن تقنية الجنون واللامبالاة فاجأت العدو وانزلت في قلبه الرعب، لا أحد كان يتوقع أن يخرج صعاليك الله من هذه المدينة  التي أهينت بتسميتها عنوة بالحالمة، لكنها  فعلا الحاسمة، مازالت جبهة تعز بحاجة إلى  دعم لتطهير المخا وباب المندب، فبدون تطهير سواحل تعز سيظل النصر ناقصا.  صواريخ الكتف الحرارية لو وصلت للمقاومة ستنتهي خرافة الحرس والحوثيين في الحوبان، فالحفاة قادمون وهم يبلون الآن بلاء حسنا ويتقدمون في الجبهة الشرقية لينهوا معاناة المدينة من منصات الصواريخ والمدافع المنصوبة لقتل المدنيين.


 لا أحد يمتلك وصفة ناجعة للنصر لكن فهم طبيعة المعركة والتضحية بالتخلي عن افكار الحروب القديمة أحيانا واستدعائها أحيانا قد يسرع بعملية الانتصار الكبير الذي ننتظره.   


 


القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى