المهمّشون في زمن الحرب..

المهمّشون في زمن الحرب..


انتبذوا مكانا قصيا في إحدى ضواحي مدينة التربة تعز، وعاشوا فيه عزلة إجبارية في خيام متهالكة تعبث بها الرياح وتقلبات الطبيعة، بينهم وبين المدينة مسافة قصيرة، وبرازخ ممتدة من الإهمال والتهميش، فهم (أخْدام)، يُنظر إليهم بنصف عين، وتتوارث الأجيال نظرتها الدونية إليهم على أنهم ناقصوا أهلية، وناقصوا مكانة، بل وناقصوا إنسانية، ومن هنا فقد ازداد جدار عزلتهم سماكة، وأصبح أشبه بسد يأجوج ومأجوج.


هذه حالة مزرية يعيشها المهمّشون في كل المناطق اليمنية تقريباً، والجديد فيها أن الوضع الحالي الذي صنعته قوى الانقلاب المجرمة قد ضاعف من معاناة هذه الفئة الاجتماعية حتى أصبحت تحت خط الفقر بسبعين ذراعا، وتحولت من فئة مستجدية إلى فئة تموت بصمت ألما وخوفا وفقرا.


وسط هذه الخيام المتهالكة قلوب تخفق ألما، وعروق تنبض فاقة، وبطون جوعى تبيت على الطوى في عالم سادي، سادر لا يرحم.. يهربون من مأساتهم باتجاه المدينة المزدحمة، ثم يشرعون في مدِّ أياديهم على أبواب المساجد وفي منعطفات الأسواق؛ فتعود فارغة ذابلةً مرتعشة، فيسوقهم الجوع إلى ملاذهم الأخير: براميل القمامة، ينفضونها، ويلتقطون منها ما ألقي فيها من أطعمة فاسدة، وبقايا خضروات لم تعد صالحة للاستهلاك الآدمي.. لكنهم يستهلكونها مجبرين.. فأين هي الآدمية التي ستكفيهم مغبة هذه المخاطرات اليومية وهم يصطرخون تحت سياط الجوع وقوارص المسغبة.


قنبلة موقوتة

يقول الأستاذ أحمد الأصبحي عن هذه الفئة المهمّشة: هي والله وصمة عار في جبين الحكومات المتعاقبة، فعلى مدى قرون متطاولة وحالهم لا يتغيّر بل إنه يزداد سوءًا، وخيامهم تزداد اتساعاً وبتمدّدها تتمدّد المأساة ويكبر الألم.


مضيفا: منطقتهم معزولة تماما عما حولها من القرى، وهم يخرجون من خيامهم إلى القرى المجاوره في رحلات تسوّل مضنية، لكنْ لا أحد يدخل إلى خيامهم من القرى المجاورة، لأنهم في نظر الكل على نمط متدن من المعيشة يفتقد الكثير من مقومات الحياة وخاصة في الجانب الصحي، وفي النظافة منه على وجه التحديد، ومن هنا فإنَّ عزلتهم تتسع دوائرها يوما عن آخر، فأصبحوا بالنسبة للقرى المجاورة طلسما مهملا، وأصبح نمط حياتهم سرا لا يعلمه غيرهم، بل إننا كثيرا ما نتسائل: كيف يتزوّجون؟ وأين يدفنون موتاهم؟ وما هو القانون الذي يحكم مسيرة حياتهم خلف ذلك السياج المغلق؟


ويختتم الأصبحي حديثه بالتأكيد على أنَّ هذه الفئة إنْ لم تجد ما يشبع جوعها، ويؤمن خوفها؛ فإنها ستنقلب إلى بؤرة تُدار فيها عمليات السطو والسرقات، بل وحتى جرائم القتل، فالجوع كافر كما يقولون، والأيام تزداد قتامة، ولا أمل في فرج قريب، خاصة بعد أن عمل الانقلاب على تحجيم دور الجمعيات الخيرية، وتقليص إسهاماتها في مساعدة الفقراء بشكل عام وهذه الفئة على وجه التحديد، ومن هنا فإن على أبناء المنطقة أن يسعوا في إيجاد أنماط بديلة من العمل الخيري، وأن يحاولوا احتواء هذه الفئة، وتوفير الحد الأدنى من المواد الغذائية لها وبما يقيم أودها، ويحول دون فورانها واتغماسها فيما لا يحمد عقباه.


على مدخل سوق الخضار في مدينة التربة ا لتقينا عجوزا ثمانينية من المهمّشين تتكفّف الداخلين والخارجين.. وتتبادل مع بعض العابرين شتائم وعبارات سوقية مبتذلة.. مبدية حرصاً شديدا على استيقاف الناس وخاصة الخارجين، مستمنحة مما في أيديهم من الخضروات.. هذا يمدُّ لها بحبة طماطم.. وهذا يعطيها بصلة.. وثالث يناولها حبة بطاط.. وآخرون يمرون عليها مرور الكرام.. فلا تبدي إزاءهم أي تذمّر..


اقتربت منها، وبدأت أتجاذب معها أطراف الحديث.. فتحدثت عن ذكرياتها في هذا السوق وكيف أنّها وزوجها الأعرج كانا يبيعان البيعة (الكراث) فيه ذات يوم، وكانا يربحان من وراء ذلك ما يسد رمقهما ورمق ابنائهما الخمسة.. سألتها: ولِمَ تركتم ذلك العمل على حاجتكما إليه؟ أجابت: العيال كبروا وخرجوا للعمل، وتحملوا مسئولياتهم، وكانوا يعينونا بما يسّر الله، وحين عادوا إلى خيامهم بسبب البطالة الضاربة، وعدنا إلى السوق كان غيرنا قد سبقنا إليه.. ماتركناه بإرادتنا ولكن أجبرونا البساطين من غير الأخدام على تركه، طردونا من كل منعطفات السوق وحلوا بدلا عنا.. قالوا نحن أخدام.. وكأننا سنأخذ رزقهم.


قلت لها مستفزا: لكنَّ الوضع الآن أحسن، فأنتم تأخذون رزقكم من التسول، والمدينة ما شاء الله أصبحت مزدحمة مما يزيد من مدخولكم اليومي، فالتفتت إليَّ مستغربة، وقالت: أحسن؟ أحسن أيش؟ وأنت فاكر أن الناس المزدحمين هنا تجار ورجال أعمال.. هؤلاء كلهم نازحين.. جاءوا إلى هنا هاربين من الحرب.. جاءوا من عدن، ومن عمران، ومن الحديدة، ومن تعز، ومن كل مكان، وهم مثلنا بس مستورين بالعافية، والمصيبة أنَّ أهل الخير لم يعودوا يلتفتوا لنا.. كنا نحصل من بعض الجمعيات والتجار على معونات غذائية شهرية، لكنها اليوم ينتهي توزيعها قبل أن نعرف، ودائما ما نصل متأخرين، حتى أن البعض أصبح لا يعود إلى خيمته خوفا من أن يفوته ما كان يحصل عليه من قطم رز وسكّر وغيره، ثم أبدت ألما كبيرا وأضافت: حتى التجار الذين كانوا يعطونا مواد غذائية أصبحوا اليوم يوزعونها على النازحين ولا يعطونا منها شيء، ويقولوا لنا: أنتم أخدام سيروا اشتحتوا.. فأصبح الأخدام كلهم شحاتين صغارهم وكبارهم، رجالهم ونسائهم، خاصة مع قلة الأشغال في مجال الحمالة..


ختمت قولها: سنموت من الجوع.. لكن والله ما نموت في خيامنا، ولن نموت إلا هنا.. حتى يعرف الناس أننا متنا من الجوع، في مدينة لم نكن نجوع فيها أبدا.


 


 

اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى