أنين المتفرجين

أنين المتفرجين

  قد يأتي الأنين عن تألّم و مرض، أو مكابدة و معاناة، أو ما شابه ذلك، وليس في ذلك من عيب أو لوم، لأنه في حال المعاناة يكون بمثابة طاقة حيوية تتنامى و تتعزز؛ لتصل إلى المراد، كما عبر أبو الأحرار الشهيد الزبيري عن ذلك حين قال :

 

    إن الأنين الذي كنا نردده سرا      غدا صيحة تصغي لها الأمم

 

   و الحق يبدأ في آهات مكتئب       و ينتهي بزئير ملؤه نقم

 

   هذا أنينٌ محمود، و قد يئن العاشق، و هذا أمر مسموع ، أخبرت عنه قصص و تداولته حكايات، و قد قال قائلهم :

 

      لم يطل ليلي و لكن لم أنم     و جفا عني الكرى طَيفٌ ألمّ

 

   قد يقول قارئ كريم مالهذه الكلمات تخلط الجد بالهزل، و تجمع بين معاناة الثائر المقدام، و العاشق الولهان، فترد هذه السطور إنما عرّجت هنا نحو الحب العذري، الذي خلد مشاعر العفة، و طهارة الحب :

 

     و في عروة العذري إن مِتُّ أسوة    و عمرو ابن عجلان الذي قتلت هندُ

 

  و هل ترى يغيب عن ذهن أحدٍ فروسية الحب كما قال عنترة :

 

      فوددت تقبيل السيوف لأنها     لمعت كبارق ثغرك المتبسم

 

    و حاشا هذه السطور أن تكون قصدت الحب ( السلعة ) الذي تصوره قصص الأرصفة، أو مسلسلات الهبوط.

 

   لكن الأنين الذي قصده عنوان هذه السطور، هو ذلك الأنين السلبي الساذج الذي يردده المتفرجون - اليوم - على مجريات الأحداث، و دخان المعارك، و غبار رحى الهيجاء في كل مواقع الشرف و ميادين البطولة   :

 

      غبار رحى الهيجاء في لهواتهم  من الشَّهْد أحلى أو من المسك أَضْوع ُ

 

   فيقف المتفرجون من أبراجهم العاجية، او مكاتبهم الوثيرة، أو من مصايفهم السياحية، أو حتى من القرى أو المنازل التى انتبذوا إليها طلبا للراحة و تجنبا للدخان أو الغبار ؛ فيقف هؤلاء المتفرجون يئنون ساخطين، متذمرين حينا، أو يقفون شامتين ناقدين، لا يسلم من ألسنتهم جندي أو ضابط، و لا مقاوم أو حتى جريح أو شهيد.

  كثير من هؤلاء المتفرجين يصبون سخطهم على الصف المقاوم، يتذمرون من قرار المواجهة. صحيح أنهم أحيانا يساوون بين الضحية و الجلاد، و بين الجمهوري و الإمامي بالنقد و الشماتة، فيعممون السخط و السب بقولهم : كلهم فجرة، أو جميعهم مبطلون .. و هكذا.

   يئنون لأنهم فقدوا رفه عيش كانوا به متنعمين، و حياة ذلٍ كانوا قد ألفوها و اطمأنوا لها !

   ينشرون أنينهم في كل مكان، و يئنون في كل حين، و لا يكفون عن الأنين دون أن يكون لهم موقف، أو ينتظر أحد منهم دور.

  هذا الصنف من البشر تكمن سلبياته في استمرار الأنين، و ما قد يقدمه من رسائل سلبية لبسطاء المجتمع، و إن كان عامة البسطاء أشرف موقفا، و أعظم دورا، و أكثر حضورا في الميدان.

  هذا النوع من البشر يحبط نفسه، و يضر بذاته، و يعيش في ألم نفسي، و حسرة دائمة. و لو غادرت هذه النوعية مربع الأنين لاستمتعت بلذة الكرامة، و طعم الإباء.

  لم يذهب اليمنيون إلى الحرب بطرا و رياء، و إنما ذهبوا إليها مدفوعين بمسؤولية الواجب، و نداء الفريضة ، و داعي الضرورة،  و لم يكن أمامهم من خيار غير الدفاع عن النفس و العرض و الهوية، و ألا يستسلم الوطن لسلالة تسعى لفرض مشروعها الخرافي الكهنوتي بقوة السلاح، و قد كان أمامها أن تسلك المنحى السياسي شأنها في ذلك شأن كل الأحزاب و القوى السياسية في الوطن ، و ليس فرضا بقوة السلاح، و إنما من خلال بناء خيار التحول الديمقراطي.

   من المهم ، و المهم جدا أن يراجع المتردد مواقفه، و أن يكف المتفرجون عن الأنين.

 

 

لمتابعة كل جديد أولاً بأول.. سُعداء بمتابعة قناتنا على التيليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى