الليل لي وحدي

الليل لي وحدي

الليل لي وحدي، أطوف فيه أعالي السماوات والبحار السبعة، وأعود لأُلقى نظرة مطولة في مواقع النجوم..

الليل لي وحدي، بلا استثناءات ، لا اتصفح فيه الصحف، لا أستمع فيه لنشرات الأخبار المكفهرة، فلتتوقف كل الكوارث والحروب لبضع ساعات، لن يحدث شيء، وإن حدثت الفوضى المتوقعة فلستُ أنا الذي أُُرعى هذا العالم فللكون رب يضع موازينه ومقاييسه، لذا دعوني وشأني.

الليل لي وحدي، أسامر فيه الشعر وأتحدث مع البردوني والجواهري واكتافيو باث والسياب ودرويش واقبال ونيرودا، وألعن فيه ناظمي القصائد الرخيصة الباحثين عن إعجابات الحمقى والراقصات، وذوي العاهات المستدامة من أولى الأمر الذين لا يجيدون تذوق الكلمات كما يجيدون حَسِكَ الشعير.

الليل لي وحدي، لا للنداءات والاغراءات والايحاءات، لي ولي فقط، أتحول فيه مجنوناً وصوفياً وقديساً وعرافاً وشيوعي الضمير، أتجرد من الألقاب والصفات، أعيش ذاتي بدون العباءات، واتناسى كل ما يقولونه وسيقولونه عني وعن أحلامي التي لا أحب أن ينازعني فيها أحد.

الليل لي وحدي، استجمع كل قواي العقلية والنفسية والجسمية والروحية لأنام بعيون مفتوحة أري وأسمع ما أريد فقط، أطارد الجن في الغابات وتأكل روحي العقارب والحيات، أضع مراهم من أوراق الشجر على كل جرح فيطيب كأنه لم يكن.

الليل لي وحدي، وليس لمراجعة مرضاي الذين يظنون أني أملك الدواء لكل أدواءهم، أمنحهم ساعات الصباح الأولى وأمنح الصبية والعاطلين عن الأمل مساحات الفجر وما بعد الظهيرة، أنا حقيقة كائن متحول وأخاف على زواري من أن يقعوا تحت مخالبي الفضية، لا أريد أحد أن يرى وجه الذئب الذي كان مبتسماً للجميع طيلة اليوم .

الليل لي وحدي، إذاً فليتأجل الغرام والعشق والفاكهة حتى قدوم الضحى، إن أرقى الغزل وأعذب العشق هو الصمت والهدوء ومرور السحب السوداء المحملة بالأرواح الهائمة ورهبة الموت في انتظار أمر الإله في أي لحظة.

الليل لي وحدي، من ذا يريد أن يسلبني ليلي وإبصارى لهذا الكون بكل حواسي التسع؟! ؛ هناك كلب يراقب وطواطاً يحلق على إرتفاع منخفض، وتلك إمرأة تستعمل هاتفها كمحفظة قديمة لأسماء من أحبتهم وتركوها للريح الباردة، وذاك لص يحاول فتح باب سيارة قديمة ليسرق ما تيسر، وها هنا طفل ينام مبتسماً لأنه مازال يظن أن ملائكة تظلله بأجنحتها في الجوار، وهناك مصلٍ يبكي من وقع الآيات ولا يفقه معناها اليوم فهو يفسرها بعيون الموتى، وبقرة هناك تغط بالسبات دون أن يقلقها جهلها لمن سيحلبها صباح الغد.

الليل لي وحدي، ولكم نصف أحلامي وربع الأمنيات، خذوا مني ما أردتم؛ ضحكتي، ومحفظة نقودي، ومصابيحي التي جهزتها بعناية وخبزي وتمراتي الجافة، واتركوا لي حذائي وأوراقي المبعثرة ما بين السحب والهياج والتباب البعيدة. 

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى