في نقد الواقع

في نقد الواقع

القاعدة البديهية التي لا يختلف عليها عاقلان تؤكد أن البشر لديهم سمة أساسية تجعلهم يقعوا في الخطأ مهما كانوا ومهما اجتهدوا، لذا فالمسعى الأفضل للبشرية هو تلافي نسبة الخطأ فيما نسميه التطوير وتكوين الخبرة العملية. فلن نقدم عمل وأداء أفضل بدون خبرة، ولا خبرة بدون مواجهة للأخطاء وتداركها وإصلاحها.

 

هكذا ببساطة تحسنت حياة البشر والركيزة الأساسية لهذه العملية الجوهرية نجدها في النقد الموضوعي، فالنقد يكشف الأخطاء ويضع تقييماً شاملاً للأداء، مما يسهم في التطوير المستمر.

 

 والناقد كلما كان أقوى وأجرأ في الطرح فإنه يمنحنا خدمة جليلة، فهو من ينير لنا الطريق لنتفوق على أنفسنا. وحين نستهجن النقد، أو نستثقله، أو نحاربه تتراكم الأخطاء بل تصبح مبررة ، وبالتالي تتدهور الأمور أكثر وأكثر ويأتي البعض من دون سابق انذار ليمتهنو التبرير لأنفسهم وجماعاتهم ومؤسساتهم إلخ.. فيصاب المجتمع بالتكلس ويتراجع عن التقدم حتى لو أراده، وبالتالي تصعب عملية التغيير. لا شيء معقد في هذي الفكرة البديهية، مما يجعلنا نتساءل لماذا يبدو تطبيقها كجريمة في مجتمعاتنا بل ويحولها إلى صناعة للعداوات؟

 

على سبيل المثال لا قيمة حقيقية لأي عمل فني أو أدبي إن لم يتعرض للنقد الموضوعي، في العمل الدرامي مثلاً ليتحقق النجاح الكبير لمسلسل ما، لابد من توفر ثلاثة شروط أساسية: فنان محترف ونص جيد وناقد فطن، الفنان المتميز يبحث عن نقد يرفع مستواه وكاتب النص يبحث عن الكمال في النص لإيصال فكرته بشكل أفضل للجمهور، والناقد الموضوعي هو واضع الميزان بين هذا وذاك.

 

أما في السياسة كما هي في واقعنا العربي يعتبر السياسي أي نقد هو انتقاص أو انتقام شخصي، والناقد في نظره ونظر حاشيته هو عدو النجاح، وهذه مغالطات لا أكثر، مادام أن السياسي شخصية عامة، فهو محط أنظار المجتمع والصحافة والإعلام  والنُقاد. كما أن نقد أداء السياسي أو الجهات ذات المهام التنفيذية للأعمال العامة يعتبر شرطاً أساسياً لتحسين الأداء الوظيفي وجودة العمل وجودة المنتج أو الخدمة، وهو ما يفتح الآفاق نحو الكمال بالمطالبة والتذكير بالتحسين والتطوير وتقييم الأداء المستمر.

 

النظرة الأبوية للمجتمع يجب أن تنتهي لأنها تمثل الفاصل الحقيقي بين الدولة الحديثة وبين الدولة الأبوية، هذه النظرة هي الأساس في منع نقد الحاكم أو الموظف السياسي، فالحاكم أب والأب رب ونقد "الأب الرب" غير ممكن، فالتقاليد والأعراف والأديان المأخوذة عن المذاهب لا تسمح بالنقد ولا تُجيزه وتعتبره تطاول على الأب الحاكم أو على الدين، وهذا ما أوصل السياسي إلى مرحلة "الذات التي لا تُمس" في دساتير ومواثيق بعض دول القبيلة في العالم العربي سواء المكتوبة أو المعمول بها دون وجودها كنصوص، بالاستناد على المرويات الواهية الضعيفة والمنقطعة مثل  "وإن جلد ظهرك وأخذ مالك".

 

القبيلة والمذهب لا يختلفان في بنيتهما القائمة على النظام الأبوي، وبشكل أدق فهما انعكاس لسلطة النظام الأبوي بشكل أو بأخر،فالحركات القومية العرقية لديها أساس يعود بها إلي فكرة القبيلة، والحركات الدينية برمتها تسند في طروحاتها إلى المذهبية وإلى أحدى الطوائف المعروفة. لا يوجد حركة دينية لا تنتمي لمذهب معين، ولا يوجد قومية لا تنتمي لقبيلة معينة، وبذلك هذه الحركات كانت ومازالت بعيدة عن تقديم حلول عملية او مشاريع نهضوية تسهم في بناء الدولة الحديثة، لأن نمط تفكيرها البردايم والصورة الذهنية لها قادمة من البنى الأساسية لها، وهي مستندة أما على القبيلة أو على مذهب الطائفة.

 

إن وجود الدولة الحديثة القائمة على أسس الحضارة والمدنية المعاصرة يستلزم النقد الموضوعي، والنقد الموضوعي  غير متحيز لا لقبيلة ولا لمذهب ولا لدين ولا لحزب ولا لجماعة، وإلا لما كان موضوعياً ولكان ربما مجرد ابتزاز أو ارتزاق أو ضغط لإحداث بعض التسويات المرحلية التي لا تعتمد على إنهاء المشكلات من جذورها وإنما تعمل على ترحيل المشكلات من فترة زمنية إلى أخرى.

 

خلال قرن كامل لم يصنع العرب دولة تقدمية حديثة، بل أنهم استنهضوا صراع القبيلة والمذهب المتمثل بالصراع بين القوميين و الإسلاميين، والذين اكتشفوا وهم في نهاية مرحلة وجودهم الفعلي على الخارطة أن بينهم صفات مشتركة، وقضايا كثيرة تجمعهم ولا تفرقهم، وهذا في النهاية اكتشاف العاجز الذي لم يُنتج عنه عمل أو رؤية للخروج من المأزق.

 

يرى ماركس: "أن المجتمع الحديث يقوم على الثورية"  كما يرى  ماكس فيبر  أن "العقلانية هي التي تتشكل منها الحداثة" والحداثة و العقلانية هما من أنتجا هذه الحضارة المعاصرة ولا حداثة بلا عقلانية، فالعقل هو واضع كل تصورات المجتمع الحديث كما أن الثورة هي أساس كل حداثة.

 

في العالم العربي خلال هذا القرن حدثت ثورات وتغييرات كثيرة لم تستطع إخراج المجتمع من مرحلة العدمية إلى مرحلة الحداثة، و مظاهر التحديث والبُنى في دول العالم العربي ماضوية، ولم تسعى الدولة إلى إحداث أي تغير  في بنية المجتمعات، بل وحافظت على البنى القديمة كما هي، وظلت السلطة أبوية تراوح مكانها، سواء كان نظام الحكم قومياً أو مذهبياً، فهو مجرد غلاف لسلطة أبوية مقدسة.

 

في اليمن حيث لا دولة حديثة من الأساس لا من قبل التحرر والاستقلال-حيث كانت الإمامة الكهنوتية تبيع الوهم للناس في الشمال، والسلطنات المشيخية القبلية العميلة تبيع الوهم للناس - ولا من بعدهما ولا من قبل الوحدة ولا من بعدها- كل الذي كان موجود هو شكل الدولة لا مضمونها المؤسسي- وجاءت كارثة الانقلاب لغرس خنجرها في آمال الناس وأحلامهم وتطلعاتهم في إيجاد دولة بشكل فيدرالي حديث، وبدل من المقاومة بمعناها الشامل للانقلاب، دخل البعض في نقاشات جانبية مجملها أبوية عقيمة "أقيال وهاشميين" فمن له حكم اليمن النقائل الهاشميين أم السكان الأصليين الحميريين القحطانيين السبئيين؟

 

وهي إشكالية بدائية هرب إليها من لا يخوضون المقاومة فعلياً، وجدوا فيها ترف وتسلية، وتناسى الجميع أن اليمن نظامها جمهوري ديمقراطي، والحاكم نظرياً وشكلياً هو الشعب، بدلاً من الذهاب للمطالبة بتطبيق ما هو نظري من حكم ديمقراطي جمهوري لمواجهة الانقلاب الكهنوتي.

 

الاقيال كفكرة هي في النهاية تعود إلى القبيلة أي إلى ما قبل الدولة أو إلى دولة القبيلة، والهاشمية كفكرة تعود إلى دولة المذهب التي تستند عليها القبيلة الهاشمية الصغيرة في محيط قبلي أكبر منها، وكلا فكرة الدولتين ذات سلطة أبوية، بمعنى أن الضجيج خارج العقلانية والثورية والحداثة، ولا يسفر عنه فكر سوي يقود للدولة الحديثة دولة المواطنة التي نادت بها الحشود الثورية في 2011، والتي ضحت فيها خيرة القيادات اليمنية في ثورات 1948 و 1962 و 1963.

 

كان جزء من اليمين السني في اليمن يفاخر أنه تخلص من العصبوية القبلية والجهوية المناطقية وهذا صحيح، لكنه في النهاية توجه ينتمي لطائفة من المسلمين بالتحديد لما عرف بأهل السنة والجماعة، ولذا خلت صفوفه وهو حزب سياسي-الإصلاح - من الشيعة الهادوية أو من المكارمة أو من اليهود اليمنيين والسبب يعود إلى كونه إسلامي سني بالمعنى الطائفي.

 

وفي المقابل اليسار القبلي لم يتفق منذ 1967 إلى اليوم يسار الضالع - يافع، ويسار أبين - شبوة، وظلت الجغرافيا والجهوية المناطقية تقيد اليسار الأممي عن التقارب بين الطغمة والزمرة، بالإضافة إلى وجود عصبوية قبلية ومناطقية بين يسار الشمال ويسار الجنوب، وذهب القائد اليمني الكبير عبدالفتاح إسماعيل ضحية لهذه المناطقية القروية، مع الاف الضحايا في 1986.

 

إن النقد الموضوعي يدعونا لتجاوز القبيلة والمذهب والذهاب نحو المدنية بلا خلفيات عتيقة تقودونا إلى نفس الكارثة، كما أن نسف البنى التقليدية كلها سيمكننا من إقامة بُنى حديثة قائمة على العقل والحكمة والفلسفة المجتمعية الجديدة التي ترسخ قيم المواطنة والمسؤولية والشراكة والتعاون بين أفراد المجتمع.

 

 وبنظرة سريعة نجد أن ما بين قول شاعرنا الكبير نزار قباني في قصيدة بلقيس – كتبها في رثاء حبيبته التي ذهبت ضحية الصراع العروبي القبلي الممزوج بالطائفية عام 1981- : "وأقولُ  إن حكايةَ الإشعاع، أسخفُ نُكْتَةٍ قِيلَتْ ..فنحنُ قبيلةٌ بين القبائِلْ" وبين أطروحة الدكتور هشام شرابي عام 1988 في كتابه النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي والتي يقول فيها عن المجتمع العربي "إن مصير هذا المجتمع يتوقف على مقدرته في التغلب على نظامه الأبوي و (الأبوي المستحدث) واستبداله بمجتمع حديث" ها نحن مازلنا على نفس المنوال ما بين القبيلة والمذهب أو مزجهما معاً في توليفة ماضوية تعيقنا عن أي نهوض أو تقدم، أولم نشكو نحن بعد انطلاق ثورات الربيع العربي من غياب الرؤية عند من وصفوا أنفسهم بالتقدميين والعلمانيين العرب واليساريين واليمينيين والحداثيين، بأنهم يتحولون في النهاية إلى طائفيين أو قبليين عرقيين؟  وهذا هو ما ذهب إليه نزار وشرابي في ثمانينيات القرن الماضي، وهذا يعيدنا لمعرفة أن البُنى الأساسية لمجتمعنا العربي قائمة على إحدى المعضلتين؛ المذهبية الدينية، والقبيلة العرقية.

 

إن نقد الواقع لن يمنحنا عصا موسى ولا خاتم سليمان ولا فانوس علاء الدين لحل المشكلات من جذورها، بل يساعدنا على تشخيص المعضلة والمحاولة المستمرة للبحث عن حلول تجريبية قابلة للتطبيق.

 

وللنقد أهميته في إنجاح الفكرة والتجربة والبدء لا يكون بقبول النقد فقط بل أيضاً بالنقد الذاتي والذي هو الأساس الذي يستشعر الفرد فيه الإشكاليات ويظهرها للوجود مع إيجاد الحلول وهنا تكمن الفكرة.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى