رمضان والمشترك الإنساني

رمضان والمشترك الإنساني

تعبت الفلسفات الوضعية كثيرا في البحث عن صيغة تجمع  الناس في مشترك إنساني يوحّدهم فكرا وروحا وعاطفة، وقد فشلت في مساعيها المتكررة لذلك لعجزها عن استيعاب خصوصيات الأفراد والجماعات في مختلف أرجاء البسيطة، كما أن برامجها التي تتابعت على مدى قرون لم تخل من ثغرات كبيرة ومبادئ تمييزية ينتظم فيها الأتباع في مراتب مختلفة تفتقد السوية كما تفتقد الواقعية وصعوبة التطبيق إن لم يكن استحالته في كثير من الظروف والأحوال.
الدين الإسلامي بشكل عام يقدم صيغة رائعة في هذا الشأن تجمع الناس على سوية واحدة مع التأكيد على خصوصيات الأفراد والمجتمعات من خلال منظومة منهجية شاملة ومتكاملة وقبل ذلك لا تنفصل عن الواقع ولا تنفصم عن العقل، وتمثل العبادات بمختلف مسمياتها من صلاة وصوم وحج وغيرها المنطقة الأهم في هذا الأمر حيث تضع أمام الجميع صيغا موحدة في الأداء العام، ثم تتيح لهم بعد ذلك فرصة التمايز أفرادا وجماعات في هذا الأداء من خلال التباين النسبي في النيات ودرجة الإخلاص ومدى الاقتراب من الصورة المثلى لهذه العبادة، والمذهل هنا أن ثمرة النجاح في هذه العبادات وهي التقوى تصير ميزانا للتفاضل عندالله فقط أما فيما يخص الحقوق والواجبات فإن الجميع يتساوون فيها.

ويمثل الصوم الصيغة الأهم في مسألة المشترك الإنساني في الرؤية الإسلامية ويحظى بهذه المكانة لاشتماله إلى جانب الجهد المبذول عمليا في الامتناع عن الطعام والشراب وسائر المباحات على البعد الإنساني في تعميم معاناة الجوع والعطش كباعث تربوي ناجع على الإحساس بمعاناة الجوعى وما أكثرهم في هذا العالم بل إن الجوع اليوم أصبح قضية العالم الأولى، وفي أحضان هذا الباعث تولد الرحمة الإنسانية كدافع نفسي قوي للتكافل والتراحم وتحقيق جزء كبير من العدالة الاجتماعية التي عجزت عن تحقيقها سائر الفلسفات الوضعية ومن هنا فلا عجب أن نجد من يسمي شهر رمضان بشهر الرحمة وشهر الكرم وشهر التكافل والإنسانية.

والجميل أن هذه الصيغة التي تجمع الناس على صعيد واحد من العبادة والشعور الإنساني تشتمل بعد ذلك كله في مرونة عجيبة على مراتب فارقة من التمايز والتفرد يختلف فيها الناس أفرادا وجماعات مع بقاء الإطار العام للصوم سياجا يوحّد الجميع؛ وهذه المراتب فصل القول فيها الإمام أبي حامد الغزالي في كتابه الشهير إحياء علوم الدين وذلك بقوله: [اعْلَمْ أَنَّ الصَّوْمَ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ صَوْمُ الْعُمُومِ وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص. وأما صَوْمُ الْعُمُومِ فَهُوَ كَفُّ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ عَنْ قضاء الشهوة كما سبق تفصيله. وَأَمَّا صَوْمُ الْخُصُوصِ فَهُوَ كَفُّ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ عَنِ الْآثَامِ.

وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهضم الدَّنِيَّةِ وَالْأَفْكَارِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَكَفُّهُ عَمَّا سِوَى اللَّهِ عز وجل بالكلية].

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى