المثقفون ولصوص التاريخ

المثقفون ولصوص التاريخ

 

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن حوادث السطو والتخريب التي تتعرض لها الآثار اليمنية بمختلف مسمياتها وبمختلف مواقعها الجغرافية، وتزداد الصورة قتامة حين نعرف أن ما تتداوله وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي من هذه الحوادث ما هو إلا تغطيات عاجلة لحيز صغير من عمليات التجريف والتخريب التي تدور عجلتها بلا هوادة مستفيدة من حالات الفوضى التي تشهدها مختلف المناطق الأثرية.

ولا يحتاج المتأمل في هذه الظاهرة إلى فائض فطنة حتى يدرك خفايا ما يحدث ومآلاته، فالصورة واضحة وضوح الشمس، فإذا كان ثمة بائع مستفيد في هذه الظاهرة فإن هناك أيضا مشترين مستفيدين، وبقراءة أخرى لتفاصيل المشهد يمكن القول أن هناك تاريخا ينزف لصالح منح جهات أخرى فرصة الادعاء التاريخي واستخدام المنهوبات الأثرية قرائن لهذا الادعاء من خلال فبركة اكتشافات مزعومة، وتغطيتها بحملات إعلامية ضخمة، إضافة إلى رصد الإمكانات المادية المهولة في إنشاء متاحف العرض بعد إجراء الترميمات والتعديلات اللازمة عليها.

ولا تتوقف مأساوية الصورة عند هذا الحد، بل تتجاوزه إلى وجع أعمق حين ندرك أن هناك موجات تخريب للآثار التي لا يمكن نقلها مزامنة لعمليات السطو وبذلك يتحقق هدفان رئيسان للجهات التي تدير المشهد يتمثلان في الاستئثار بهذه الآثار في سياق الادعاء التاريخي من جهة، وفي تجريد بلد عريق كاليمن من ذاكرته التاريخية وتحويله إلى قيعان موحشة تصفر فيها رياح الفناء.

والمؤسف حقا في هذا الأمر أن الجهات الرسمية لم تحرك ساكنا، وكأن الأمر لا يعنيها مع أنها من الناحية القانونية والأدبية مستأمنة على هذه الآثار ومطلوب منها أن تقدم كافة أشكال الحماية لهذه الآثار فإذا ما عجزت عن ذلك ـ وهي عاجزة دون شك ـ فعليها أن تعلن للناس حقيقة ما يحدث، كما أن عليها ـ إذا كان صوتها لا يزال مسموعا ـ أن تخبر  سرق الآثار ولصوص التاريخ أن العراقة لا تستعار وأن العظمة لا تنهب، وأن ثمة طرق أخرى نبيلة وسامية لتحقيق مجد إنساني ما.

لقد تجاوز الأمر حد المعقول، وتمادى النهابون والمخربون في صلفهم، ولا شك أن ما حدث من نهب لكثير من الآثار والمخطوطات العريقة والنادرة وما حدث من تفجير لعدد من المعالم العريقة كمسجدي السودي والفازة في محافظة تعز ماهو إلا حلقة من سلسلة طويلة، يسعى القائمون عليها إلى رسم معالم مرحلة مقبلة يصبح فيها اليمن مشتت الجغرافيا مسلوب التاريخ.

لقد أفلحت حركة لصوص التاريخ في تجريد بلد عريق كالعراق من بعض آثاره، وتحطيم البعض الآخر منها، وها هو ذات الأمر يجري اليوم في اليمن على قدم وساق، ولن تقف هذه الجائحة التخريبية عند حد، خاصة وأن الجهات الرسمية تعيش ذات الواقع العاجز والسكوت المهين والسكون الخاذل، ومن هنا فإنه يعول على المثقفين بمختلف توجهاتهم باعتبارهم آخر حصن للدفاع عن ذاكرة الأمة في كشف حركات الاستهداف التاريخي الذي تتعرض له الأمة.. فهل يكونون عند مستوى هذا التحدي؟

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى