عدن التي كانت.. هل ستعود؟

عدن التي كانت.. هل ستعود؟

ليس في هذا المقال تمجيد للسلطات البريطانية التي جعلت مدينة عدن محمية تابعة لها في الفترة من19 يناير 1839 حتى إعلان الاستقلال في 30 نوفمبر 1969م وليس فيه كذلك تعريض بالسلطات التي تعاقبت على حكم عدن حتى اليوم، فغاية ما يرمي إليه هذا الاستعراض السريع هو تسليط الضوء على فترة تعد من أخصب الفترات التي مرّت بها هذه المدينة العريقة في الفترة من مطلع أربعينيات القرن الماضي إلى منتصف الستينيات من القرن الماضي أي لما يقرب من ربع قرن من الزمن مثلت مدينة عدن فيها منارا علميا وفكريا وفنيا وسياسيا، ونعمت فيها المدينة بقدر كبير من الحضور الفاعل.

فعلى المستوى العلمي ظهر التعليم النظامي في فترة مبكرة في مدينة عدن ومثلت مدرسة بازرعة ثم كلية بلقيس شواهد مشرقة في هذا المجال، ونتيجة للظهور المبكر للتعليم النظامي في عدن فقد حصلت المدينة على قصب السبق في الدراسات العليا ومنحت أول شهادة دكتوراه على مستوى الجزيرة العربية للشاعر العدني المعروف الدكتور محمد عبد غانم حول شعر الغناء الصنعاني كتوثيق أكاديمي للتواشج الحميم بين جنوب اليمن وشماله.

وإضافة إلى ذلك فقد كانت المساجد عامرة بالحلقات العلمية في الفنون المختلفة وظهر علماء كبار كالشيخ محمد بن سالم البيحاني والعلامة باحميش وقاسم السروري وغيرهم، وفي مدينة عدن ظهرت أول المعاهد العلمية وأشهرها معهد النور الذي كان يشرف عليه الشيخ البيحاني.

وفي المجال الفكري والإعلامي ظهرت الكثير من الأندية والكيانات الثقافية إضافة إلى المجالس الأسبوعية التي كانت تعقد بالتتابع في منازل عدد من الأدباء كالدكتور غانم والشاعر لطفي أمان والشاعر محمد سعيد جرادة، ويكفينا في المجال الإعلامي الإشارة إلى صحيفة فتاة الجزيرة التي أسست عام 1940م، وكان يتولى تحريرها الأعلامي والأديب المعروف محمد علي لقمان، ثم ابنه علي من بعده.

وقد أسهمت إذاعة عدن التي افتتحت عام 1954 في رفد الحركة العلمية والفكرية والفنية ببرامج عديدة، وخصصت جزءا كبيرا من وقتها في التعريف بالأصوات المبدعة في مختلف العلوم والفنون.

كما أسست العديد من المكتبات العامة التي كانت مزدانة بثمرات المطابع من مصر ولبنان وغيرهما. ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب بل إن القائمين على الشأن الثقافي أوجدوا مكتبات عامة متنقلة، فقد كانت عدد من الحافلات الكبيرة تجوب شوارع المدينة لتوزيع الكتب وفق نظام الإعارة، سعيا لتوصيل الكتاب إلى أكبر عدد من الناس.

وفي المجال الفني ظهر مسرح البادري في حي كريتر، وقدم أعمالا مسرحية وغنائية منذ فترة مبكرة، ومثل منصة مهمة لتشجيع المبدعين في هذا المجال.
وفي المجال الغنائي قدمت عدن طريقة فريدة في غربلة المواهب وصقلها، فقد كانت مخادر الأعراس هي الحكم الحقيقي الذي يمنح الأصوات الجميلة شارة العبور إلى عالم الطرب الجميل؛ ويمنع مادون ذلك من الضجيج.

وقد قدمت إذاعة عدن دورا مكملا لذلك إذ شكّلت لجنتين لإجازة الأعمال الغنائية إحداهما أدبية لتقييم النص الغنائي والأخرى موسيقية لتقييم الألحان فإذا ما أجيزت الأغنية من اللجنتين سُجَّلت في استيدوهات الإذاعة، ثم أذيعت للناس، وبسبب هذه الغربلة ظهرت في تلك الفترة أقوى الأصوات وأعذبها في عالم الطرب والتي ما تزال حاضرة ومسموعة حتى اليوم.

ويكفي في المجال الثوري أن عدن احتضنت عبدالله الحكيمي وعبدالمجيد الأصنج والزبيري والنعمان وغيرهم من روادالحركة الوطنية، وظهرت فيها صحف المعارضة الوطنية كالصباح وصوت اليمن والفضول وغيرها..

وفي عدن ظهرت الكيانات النقابية والعمالية، النواة الأولى للحراك الثوري، والذي ظل يتنامى حتى أسفر عن جلاء المستعمر البغيض.

هذه عدن التي كانت مدار حب ومنار حضارة..
 فهل تعود؟

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى