دمّاج.. المناضل الذي رحل

دمّاج.. المناضل الذي رحل

مما لا شكّ فيه أنّ رحيل أيٍّ من حكماء اليمن المشهود لهم بالحصافة والرزانة في هذا الظرف العصيب يعدُّ من أشدَّ المواجع مرارة، وأكثر الخسارات إيلاما، ذلك أن هؤلاء الأعلام الأفذاذ مثّلوا على مدى عقود متوالية من الزمن صوت العقل ومنطق الحكمة، وتجشّموا مهمة الذود عن الوطن وتجنيبه بؤر الصراع ومنزلقات الفتنة في مواقف كثيرة كانت مآلاتها ـ لولا وجودهم ـ في الويل والثبور وعظائم الأمور.

ومن هؤلاء الحكماء الشيخ محمد حسن دمّاج رحمه الله الذي رحل من الدنيا الفانية إلى جوار الله ليلة أمس بعد سيرة عطرة بالمآثر الإنسانية، ومسيرة مثمرة بالنضال الوطني امتدت لما يزيد عن ستة عقود من العطاء والبذل، عرف من خلالها واحدا من رجال الخير وأقطاب السياسة.

ولد الشيخ دمّاج في قرية سنب إحدى قرى مديرية السياني في محافظة إب في أسرة فضل وأدب ومشيخ، وعلى يد أخيه الشيخ أحمد حسن دمّاج تلقى بواكير المعرفة في القرآن الكريم والتجويد والفقه وعلوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة، ثم استزاد من هذه العلوم وعلوم أخرى على يد العلامة أحمد علي الراشدي والفقيه قاسم حسن والعلامة أحمد إسماعيل ناصر وغيرهم من العلماء، وقد أهّله ذلك لأن يكون واحدا من وجوه المجتمع الفاعلة، فعيّن في مقتبل الشباب عضوا في الهيئة التعاونية في محافظة إب، ثم اختير لفاعليته ونشاطه رئيسا لهذه الهيئة، ثم تنقل في عدد من الوظائف التعاونية ليعيّن عام 1976م محافظا لمحافظة ذمار، وعضوا في مجلس الشعب التأسيس، ثم عيّن عام 1979م محافظا لمحافظة صعدة، ثم تنقل محافظا في محافظة المحويت عام1983م، فمحافظة البيضاء عام 1983م، فمحافظة صنعاء عام 1986م، فمحافظة المهرة 1992م، ثم عيّن وزيرا للإدارة المحلية عن التجمع اليمني للإصلاح عام 1993م، وأعيد تعيينه في ذات المنصب في العام التالي، ثم عين عضوا في المجلس الاستشاري، ثم نائبا لرئيس اللجنة العليا للانتخابات، ثم عضوا في مجلس الشورى، وكان آخر منصب حكومي له محافظا لمحافظة عمران عام 2014م.

وقر عُرف الشيخ دمّاج من خلال هذه المناصب إداريا محنّكا، وذمّة نظيفة عفيفة فوق مستوى الشبهات، وفي المجال السياسي كان أحد حكماء الإصلاح سداد رأي وحسن مشورة، وقد اختير لهذا الاعتبار عضوا في الهيئة العليا لهذا الحزب، كما عُرف في الأوساط الحزبية بوجه عام بالإنصاف وسعة الرؤية، والقدرة على التوفيق بين وجهات النظر المختلفة، فكان محط تقدير واحترام وقبول بين مختلف ألوان الطيف السياسي، وقد مكنه ذلك من بناء شبكة علاقات سياسية واسعة جعلت منه فيصلا في كثير من القضايا والمواقف.

جمع الشيخ دماج في شخصيته بين الحنكة الإدارية وسعة الأفق السياسي وتواضع المصلحين، وكان إلى جانب ذلك قارئا نهما ومتابعا شغوفا لكل ما يعتمل في الساحة المحلية والعربية والإسلامية، ولديه معرفة واسعة بقبائل اليمن وأنسابها وأعرافها.

اعتقلته سلطات الانقلاب عام 2015 ، فقضى في المعتقل ما يزيد عن أربعة أشهر، أصيب خلالها بعدد من الأمراض، وامتحن أثناء ذلك برحيل زوجته، ليخرج من سجنه إلى فراش المرض صابرا محتسبا حتى توفاه الله.
وبرحيل دمّاج تكون قد طويت صفحة من أنصع صفحات النضال اليمني الحديث، ويبقى ذكره الحسن وسيرته العطرة عزاء لمحبيه ومآثر مشرقةً يسترشد بها السائرون على طريق الخير والصلاح.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى