اللغة العربية في يومها التعيس

اللغة العربية في يومها التعيس

أمسِ مرَّ يوم اليوم العالمي للغة العربية مرورا باهتاً.. مثله في ذلك مثل يوم المعلم ويوم الصحافة، و.يوم.... ويوم... وأيام أخرى تتوالى عديمة الجدوى فاقدة الفاعلية، وليس في ذلك عجب، فلا يُعوّل على أيام كهذه في صنع المعجزات وتحقيق المنجزات، ذلك أن توافق الجهات التي أسمتها عليها يقوم على فلسفة تشبه إلى حد كبير مدلول مطلع تلك الأغنية الشهيرة الذي يقول: زوروني في كل سنة مرّة.. حرام تنسوني بالمرّة.

غير أن فكرةً ارتأيتُها في هذه المناسبة دفعتني إلى تتبع صدى هذا اليوم الأغر في عدد من المواقع التي تهتم بقضايا اللغة العربية على الشبكة العنكبوتية لمعرفة طرق احتفائها بيوم اللغة، وما الذي ستقوله فيه.. فلم أجد غير معلومات مكررة، وبيانات مستنخة، وترجّيات مرصوصة على عجالة، وفي أحسن الأحوال الإشادة ببعض محاسن اللغة، وكل ذلك دون شك لا يغير من الواقع البئيس للغة العربية شيئا.


ولاشكّ عندي أن هذه المواقع في نهاية المطاف أعجز من أن تفعل أكثر من ذلك، لأنها جهود مشتّتة، وتُستنبت بجهود فردية خارج الأطر الرسمية كإسقاط واجب أمام الضمير ليس إلا..
إن إصلاح واقع اللغة العربية وإخراجها من المأزق الحضاري الذي تعيشه يتوجّب علينا القيام بخطوات ثلاث، أولها: التخلي عن الاحتفائية الانفعالية بهذه اللغة والاعتراف بأنها  تعيش مأزقا حضاريا حقيقيا يتجلى في شتى مناحي الحياة، واعترافنا بهذا الأمر هو بداية الطريق الحقيقي للإصلاح اللغوي، ولا شك أن تشخيص المشكلة تشخيصا موضوعيا وشاملا هو المقدمة الحتمية لوضع الحلول الناجعة والمعالجات النافعة.

يلي ذلك إصلاح التعليم إصلاحا شاملا، وفي مستوياته التراتبية المختلفة من المراحل الأولى إلى ذروة التخصصات الجامعية، ذلك أن التعليم هو الأداة المثلى لتحقيق نهضة لغوية في أوساط الأجيال المتعلمة، ويندرج ضمن هذا الهف العام هدف خاص يتمثل في إصلاح مناهج اللغة العربية بتبسيطها والتركيز على الوظيفي منها في مراحل التعليم الأولى، وتأخير جدلياتها المتشعبة لمراحل التخصص العليا.

أما الخطوة الثالثة فتتمثل في إصلاح الإعلام، وأعني به الإعلام المرئي، والرسمي منه على وجه التحديد، فقد بلغ الخراب هنا منتهاه، وتستغرب حد الذهول حين تجد القنوات الرسمية تهرب من الفصحى إلى اللهجات المحلية في انتكاسة واضحة، تشمل كل البرامج، حتى وصل الحال إلى أنه لم يبق ما يمت إلى الفصحى بصلة في هذه القنوات غير الأذان التي تبثه بعض القنوات وفي ظني لو استطاعوا أن يوجدوا له نسخة باللهجات العامية فلن يترددوا عن ذلك.

والعجيب في الأمر أن الإعلام المرئي لم يكتف بهذه الردة اللغوية في برامجه، حين راح يقدم البرامج والأعمال الدرامية التي تسخر من الفصحى في تعد سافر وصارخ بهدف الإضحاك والإمتاع، وهذه قضية في غاية الخطورة.

ولابد للإصلاح اللغوي في هذين المسارين أن يتم تحت مظلة مؤسسية تعمل على جمع الجهود المشتتة، وصبها في مسار واحد، وفق خطط مدروسة واستراتيجيات فاعلة.

إن احتفاءنا بيوم اللغة مهزلة كبيرة لأنه لا يغير من عوزنا اللغوي شيئا، خاصة إذا ما علمنا أن من أبنائنا من خريجي الجامعات ومن أبناء الضاد من لا يستطيع التفريق بين الضاد والظاء نطقا وكتابة، وبين الهاء والتاء المربوطة، وأشنع صورة لهذا العمش اللغوي ما يقع على لفظ الجلالة حين يُكتب (اللة).

كما أن منهم من لا يفرق بين همزة القطع وهمزة الوصل،  وبين التاء المربوطة والتاء المفتوحة، وبين التاء المربوطة في حالة الوقوف عليها كهاء وبين الألف، وقد قرأت بأم عيني تقريرا كتبه أحد الأطباء يقول في بعض سطوره: لقد وصلة حالت المريظ الي مرحلتن فضيعا.

ولا شك أن ما فعله هذا الطبيب باللغة أشنع مراتٍ عديدة مما فعله المرض بـ(مريظه) المسكين.

أما ثآليل هذه النكسة وبثورها في مواقع التواصل الاجتماعي فهي أكثر من أن تعصى، ويكفي أن نعرف أن التعبير بـ(هههههههه) أصبح هو الأداة المثلى لإخفاء فهاهتنا وعيّنا التعبيري.
وشكرن جزيلن.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى