بين يدي ذكرى الاستقلال.. اليمن وجريرة الصوت الواحد

بين يدي ذكرى الاستقلال.. اليمن وجريرة الصوت الواحد

مثلما شكّل انتصار المشروع الوطني في حصار السبعين 1968 تأكيدا على نجاح ثورة 26 سبتمبر 1962؛ شكّل الثلاثون من نوفمبر 1967 تأكيدًا على نجاح ثورة 14 أكتوبر 1963، ومن هنا يمكن القول أن هذين الحدثين شكّلا ضحى اليقين الثوري الذي قطع الطريق على كل مشاريع العودة إلى يمن ما قبل الثورة، وقد كان يُفترض بعد ذلك أن تبدأ عجلة الانطلاق نحو بناء الدولة بما يضمن التقدم والرخاء، غير أنَّ شوائب عدّة عكّرت صفو الثورة، ونأت بها إلى مزالق خطيرة، أعاقت مسيرتها، وأحدثت شرخا كبيرا في الوسط الثوري، كان أشدّها خطراً محاولات هيمنة الصوت الواحد على كل مجريات الحياة السياسية والاجتماعية، والسعي في إلغاء الآخر، بشتى الطرق، بما في ذلك التصفيات الجسدية.

فلم تكد حرب السبعين يوما تضع أوزارها في صنعاء حتى انخرط رفقاء السلاح في تناحر بيني أفضى إلى شق الصف، وسفك الدماء، حتى وصل الأمر إلى سحل كثير من رموز الثورة والتنكيل بهم، كما حصل مع كل من القائدين محمد فرحان وعبدالرقيب عبدالوهاب، ولم يتوقف الارتباك الثوري عند هذا الحد، ولكنه ظلَّ حالة قلقة مستمرة، وليس أدلُّ على ذلك من كثرة التشكيلات الحكومية المتتالية، التي أصبحت أشبه ببيانات أسبوعية يلغي الأجد منها الجديد في متوالية عبثية لا طائلة منها، أضاعت الكثير من فرص البناء، ومع كل هذه الأحداث كانت فرص بناء الدولة تتضاءل يوما بعد آخر، وكان نتيجة هذا العبث المتوالي تغوّل القبيلة على حساب الدولة، وتأكيدا على استسلام الدولة لهذا التغول فقد ابتكر القائمون على الأمر حقيبة وزارية اتّخذت مسميات متعدّدة مهمتها رعاية شئون القبائل، والمثير في الأمر أنَّ ميزانية هذه الوزارة كانت تتعدّى في كثير من الأحيان ميزانية كثير من الوزارات التي يفترض بها رسم ملامح اليمن الجديد كوزارة التربية والتعليم، ووزارة الإعلام والثقافة، ووزارة الصحة، وغيرها من الوزارات الخدمية.


ومما زاد الطين بله ظهور ثقافة الانقلابات داخل الصف الثوري نفسه، فالإرياني انقلب على السلال، والحمدي انقلب على الإرياني، والغشمي خلف الحمدي بعد مقتله الغامض، ليُقتل ولم يكمل عامه الأول في السلطة، ثم جاء صالح ليستفيد من كل هذه الأنقاض والحرائق في تكريس صورة نمطية ليمن عابث متناحر، ترقص فيه الثعابين والعقارب، ليتسنى له إعادة الاستبداد بصورة جديدة، يعلو فيه الرأي الواحد والصوت الواحد، والزعيم الواحد.

ولم يختلف الأمر كثيرا في الجنوب؛ فعندما كان الاستعمار البريطاني يعدُّ للرحيل؛ دخل رفقاء السلاح: الجبهة القومية وجبهة التحرير في صراع مرير أتى على الأخضر واليابس، وأدخل المحافظات الجنوبية في حروب أهلية، وتصفيات جسدية كانت تتمُّ على الهوية، ولأن كفّة الجبهة القومية قد رجحت؛ فقد نُكِّل بالثوار من جبهة التحرير، حيث قُتِل الكثير منهم في الزنازين المغلقة، وتقاسم من نجا منهم وجع المنافي، ومرارة الاغتراب، وفي كتابه (الاستقلال الضائع) يعرض الكاتب (عبده حسين أدهل) كثيرا من الصور المروّعة التي حدثت في هذه الفترة، وإعلاء لشأن الصوت الواحد سعت الجبهة القومية في إلغاء جميع  المكوّنات السياسية، وإدماجها في الجبهة القومية، مما حرم الوسط السياسي نعمة التنوع والإثراء، وفخّخ الوسط السياسي بقنابل ملغومة، كان أشدها انفجارا ما حدث في يناير 1986م.

وإذا كان الثلاثون من نوفمبر قد أفضى إلى إلغاء السلطنات والمشيخات التي كانت منتشرة في المناطق الجنوبية والشرقية؛ وصبّها في قالب واحد هو (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) وهذا أمر محسوب له؛ إلا أن الإمعان في امتهان المكوّنات السياسية والاجتماعية قد ألغى كثيرا من الفاعلية السياسية والاجتماعية، خاصة بعد أن اتّخذت الجبهة القومية هي والكيانات المنضمة إليها اسما جديدا هو الحزب الاشتراكي اليمني عام 1978، حيث أصبح شعار المرحلة (لاصوت يعلو فوق صوت الحزب)، وبتحريم التنوع السياسي وتجريمه كان السخط الشعبي يتنامى يوما عن آخر، حتى أوشك أن ينفجر في أواخر الثمانينات، فكانت الوحدة اليمنية عام 1990 مهربا من ذلك، لتبدأ بعدها مرحلة صراع لأطراف قبلت التنوع شكلا، ولم تؤمن به سلوكا، فدخلت اليمن بعدها أحداثا دامية أفضت باليمن إلى ما هو عليه اليوم.

وعودًا على بدءٍ يمكن القول أن كل الصراعات الدموية التي جرت في اليمن الحديث كان سببها الأول محاولات إلغاء التنوع والإثراء السياسي والاجتماعي، وسعي طرف في تكريس نفسه على أنه الواحد الأحد، المتصرف في شئون البلاد والعباد، وأنَّ السعي في تكريس أي تبادل سلمي للسلطة هي جريمة شنيعة، لا يمكن السكوت عليها..
فهل يعي اليمنيون ذلك؟

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى