التعليم الجامعي ونزيف الكفاءات

التعليم الجامعي ونزيف الكفاءات دكتور جامعي تحول الى بائع متجول

تتكشّف المأساة التي يعيشها يمن اليوم في مظاهر عديدة لها في كل يوم وضع محزن، وفاجعة مبكية، وإذا كانت مظاهر القتل والجوع والمرض قد أخذت حيّزا من الاهتمام الإعلامي فإنَّ ثمة مظاهر أخرى لا تقلُّ عنها خطورة، لكنّها لا تزال فيما خفي من تداعيات هذه المأساة، صحيح أنّ هذه المظاهر لا تمسُّ حياة المواطن اليمني بشكل مباشر كما هو الحال في مظاهر القتل والتجويع والمرض لكنّها على المستوى البعيد ستكون كارثة كبرى بكل المقاييس على كافة الأصعدة الفردية والجمعية والوطنية.

ويأتي في مقدمة هذه المظاهر ما تشهده اليمن اليوم من تعطيل الوسط الأكاديمي بشكل سافر، وبوسائل متعدّدة، منها ما تواجهه المباني الأكاديمية من موجة تدمير واسعة، وتحويل جزء منها إلى ثكنات عسكرية دون أدنى اعتبار لقداستها العلمية، ولم تقف المأساة عند هذا الحد، ولكنها في طور جديد من أطوارها تجلّت في حركة نزوحٍ كبيرة من قبل الأكاديميين وأساتذة الجامعات إلى خارج اليمن في مسعى منها للحصول على مَن يقدِّرها، ويوفر لها المناخ العلمي الآمن، ولقمة العيش النظيفة، بعد أن وصل الحال ببعض أساتذة الجامعات اليمنية إلى الموت جوعًا ومرضا وعوزا، وإلى الانخراط في أعمال وأشغال دونية صادمة لا تليق بكفاءة علمية بذل اليمن في تأهيلها الغالي والرخيص، فقد تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي صورًا لعدد من الأكاديميين المتخصصين ومن جامعات يمنية مختلفة، حيث ظهر أحدهم يعمل خبّازًا في أحد المطاعم، وأخر يعمل في بيع الذرة المشوية، وثالث في أعمال البناء.. وما تزال هناك إمكانية في ظهور صور أخرى أكثر قسوةٍ وإيلاما.

لقد أنفق اليمن الكثير والكثير في إعداد هؤلاء وتأهيلهم في مختلف الجامعات العربية، وفي هجرتهم الواسعة اليوم إلى خارج اليمن خسارة فادحة على المستوى الوطني، ذلك أنَّ هذا النزيف الحاد للكفاءات المتخصصة سيوصل الوسط الأكاديمي إلى حالة موات سريري غير معلن، وسيتيح المجال واسعا أمام التعيينات العشوائية، بعيدا عن المعايير العلمية السليمة، مما من شأنه إنتاج حالة من التردي الأكاديمي ستظل قائمة لعقود من الزمن، والمفجع في الأمر أنَّ كل أساتذة الجامعات اليمنية وصلوا إلى قناعة تامة بعبثية البقاء داخل اليمن، وبجدوى الهجرة خارجًا، بل ويحلمون بذلك، خاصة وهم يعلمون أنَّ التحاقهم بإحدى جامعات الدول العربية أو غيرها سيضمن إضافة إلى المعيشة المناسبة التنمية الذاتية وإظهار كفاءاتهم، والاستفادة من أبحاثهم العلمية، بعد أن خذلتهم جامعاتهم، وأسقطت عنهم كل الاعتبارات العلمية والإنسانية، ووصل بهم الحال إلى قاع المذلة والهوان، حيث تصبح الهجرة خيارا أوحد، وحيث يصبح الوطن لقمة عيش نظيفة، واحترام للكفاءات والقدرات العلمية.

لقد عانت الجامعات اليمنية من تسرُّبٍ متواصل للعقول والكفاءات، منذ ما بعد الوحدة اليمنية، حيث بدأت المعايير الموضوعية للتوظيف الجامعي تتراجع بشكل بطيء لمصلحة التقاسم السياسي والولاءات الحزبية، مما دفع بكثير من الأساتذة المتخصصين سواء في مجال العلوم الإنسانية، أو العلوم البحتة إلى خيار الهجرة، ومع ذلك فقد ظلّت هذه الظاهرة في نطاقها المعقول والمقبول نسبيًّا، لكنَّها اليوم صارت أشبه بحالة طلاق جمعي بين الجامعات اليمنية وكفاءاتها العلمية، بفعل المأساة المستجدة، المتمثلة في الانقلاب المشئوم وتداعياته، وما لم تتنبّه الجهات المسئولة إلى هذه الظاهرة وخطورتها؛ فإنَّه يمكن القول بالفم المليان أنَّ التعليم الجامعي يمضي في نفق مظلم، وأنه سيصل مع تراكم هذا الأمر إلى حالة من الشلل التام، وحينها سيفقد المجتمع اليمني كل ثقته في التعليم الجامعي، وستصبح جامعاتنا الموقّرة عديمة النفع والجدوى، وتحتل مكان الصدارة في قائمة الجامعات غير الموثوق بها، والتي أصبحت محط تندر ليس إلا.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى