من السودي إلى الفازة.. وطن ينزف تاريخه

من السودي إلى الفازة.. وطن ينزف تاريخه

الآثار التاريخية ليست رسوما دارسة، ولا أطلالا شاخصة، ولكنها وجود وهوية وأسفار تاريخ، ولشدّما تهتم الأمم الحية بآثارها وتوليها الكثير من العناية بجمع ما تناثر منها في متاحف معدّة وفق أحدث الطرق العلمية، وبتسوير ما عظم منها، وتحويلها من أماكن منسية مجهولة إلى معالم بارزة، ومزارات شهيرة حتى لقد أصبح الاهتمام بالآثار صناعة سياحية تتنافس فيها الدول بحثا فيها عن النادر والمثير، بل إنَّ البعد الآثاري اليوم يدخل في معايير تصنيف الدول الحية بإثبات أن لها جذورها التاريخية، وهو الأمر الذي يدفع غالبية الدول اليوم إلى التنقيب والبحث عن شارات وحفريات تنبئ عن عراقة تاريخية ما.

ومن المهم في هذا السياق الإشارة إلى أنَّ بلادنا تمتلك مخزونا آثاريا مهولا، يجمع في تشكيله مختلف الفترات والعصر التاريخية ابتداء من سبأ الأولى مرورا بالدول المتلاحقة حتى العصر الحاضر، مما حدى بكثير من المؤرخين إلى اعتبار اليمن متحفا تاريخيا مفتوحا، ففي كل منطقة من مناطقه تجد معلما تاريخيا عريقا لكنّه للأسف ظل مشاعا للصوص الآثار وسّراق التحف حتى يوم الناس هذا، فقد ظهرت كثير من اللقى التاريخية اليمنية في متاحف العالم المختلفة مما ينبئ عن حركة تهريب واسعة النطاق أضافت إلى جراح هذا البلد جرحا آخر لا يقل إيلاما.

ومما لاشك فيها أنَّ حركة تهريب الآثار قد وجدت في الحرب القائمة مناخا خصبا وتسهيلات ضخمة مكنتها من الانتقال من السرية إلى الوضوح، ومن التفرقة إلى الجملة، ومما صغر حمله وغلا ثمنه إلى تجريف واسع النطاق يفتُّ في عضد هذا البلد المنكوب تاريخًا وهويّة.

لكنَّ الأخطر من كل ذلك تلك العاصفة التدميرية التي بدأت في مدينة تعز بتفجير مسجد الولي الصالح عبدالهادي السودي ثم انتقلت قبل أيام إلى مدينة المخاء بتدمير مسجد الفازة على شاطئ المدينة، وكل ذلك على مرأى ومسمع من الجهات الحكومية ذات العلاقة التي لم تكلف نفسها حتى عناء إصدار بيان تندّد فيه بهذه الهجمات المقصودة التي لا تهدد الآثار الفريدة ولكنها تمحوها من الوجود، وتسويها بالأرض تماما.

والسودي والفازة ليسا أثرين عاديين ولكنّهما يكادان يكونان من أهم معالم الجزيرة العربية كلها، فالأول بناه الولي الصالح عبدالهادي السودي في القرن الهجري التاسع بينما يعود بناء الثاني إلى ما هو أقدم من ذلك بكثير، حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن الصحابي الجليل معاذ بن جبل هو الذي أسسه عند مجيئه إلى اليمن، ثم أعاد الملك العادل الحسين بن سلامة بناءه في أواخر الدولة النجاحية.

إن السكوت عن مثل هذه التجاوزات خيانة عظمى للذاكرة التاريخية، وإغراء بالمزيد، ومما لاشكَّ فيه أنَّ تفجير هذين المعلمين التاريخيين ما هو إلا جس نبض من الجهات التي تقف وراء ذلك، فإذا لم تجد موقفا رادعا من الجهات المختصة ومن المثقفين اليمنيين بمختلف شرائحهم، وتأكّد لها أنَ لا عينَ ترى، ولا أذن تسمع؛ فإن القادم سيكون أسوء بكثير، ولن تتوقف عجلة التدمير عند المعالم الصغيرة المجهولة، ولكنها في أطوارها القادمة ستعمُّ كل الآثار والمعالم التاريخية، وسنصحو ذات يوم على ذاكرة تاريخية معطوبة، وعلى عرصات خالية موحشة استأمننا عليها الآباء والأجداد، فلم نكن عند مستوى حمل الأمانة.

والمقلق في الأمر أن الشريط الساحلي الذي يقع في نطاقه مسجد الفازة مليء بالآثار العمرانية من مختلف العصور الإسلامية حيث تنافست الدول المتعاقبة هناك على تخليد عدد من المآثر العمرانية، كالدولة الزيادية والنجاحية والرسولية، وكثير من هذه الآثار يقع في مناطق نائية لم تصل إليها وزارات السياحة في العهد البائد، وأصبحت اليوم هناك معزولة مخذولة، وإذا لم تتداركها الجهات المختصة فإنَّ مصيرها سيكون مصير السودي والفازة وفي فترة غير بعيدة، ذلك أنَّ شهية التدمير متنامية متعاظمة، وفي روعها أن لا تترك أثرا لتاريخ، ولا معلما لحضارة.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى