يوم مشمس في كوالالمبور(1)

يوم مشمس في كوالالمبور(1)

ذات يوم صيفي مشمس في مدينة تعز وسط اليمن في العام 1997 كانت زوجتي متضايقة بسبب انهماكي العميق في شرب الشاي و مطالعة دورية "إسلامية المعرفة" دون النظر إليها بينما كانت تحدثني بصوت خافت، توقفت عن القراءة و قلت لها:" هذه مجلة محكمة ،  تواً أنهيت قراءة بحثاً قيماً في الفكر لباحث من الجامعة العالمية الإسلامية بماليزيا"، فقالت : "و ماذا يعني هذا ؟" اجبتها بحماسة :" سأذهب للدارسات العليا في ماليزيا! " أبتسمت و أخبرتني أن موعد محاضرتي قد أقترب وعليَّ الذهاب للجامعة ، كنت ما زلت في السنة الثانية خلال دراستي بكالوريوس صحافة في اليمن.

 

في أوائل العام 2009 كنت قد تعرفت على كوالالمبور، فقد جئتها مستقلاً طائرة الخطوط الجوية اليمنية قادماً من صنعاء ، لم يتوقف القلق والخوف من المجهول إلا و أنا أنظر لكوالالمبور ومساحاتها وغاباتها الخضراء والأنهار تقطع المسافات تاركة حدائق غناء على جانبيها، كانت أطول رحلة طيران على الاطلاق بالنسبة لي، توقفت طائرتنا في دبي ثم في جاكرتا، استمعت للقرآن كله بصوت المقرئ ماهر المعيقلي و للأغاني كلها، وصحوت مراراً و نمت كثيراً و أكلت الكثير من الوجبات و لازلت محلقاً في الجو، جلست قبالي مضيفة الطائرة كأنها لمحت كل هذا الضيق في وجهي و أخبرتني أن كوالالمبور مدينة جميلة فيها مولات و أسوقاً ضخمة و فيها مسابح كثيرة، تصنعت الابتسامة و أنا اترنح فأقدامي مثلجة من تكييف الطائرة.. نسيت إخبارها أني مجرد قروي و لست من هواة السباحة و التسوق.

 

في العام 2009 كنت أدرس في معهد لغة في مقاطعة Serdang إحدى ضواحي سيلانجور، كان عليَّ أن أحفظ الكلمات الجديدة وأن أتحدث مع المدرسات أثناء الدروس،  في أول يوم طلبت مني المدرسة أن أتحدث عن محاولة اقتحام الجيش الإسرائيلي لقطاع غزة في فلسطين، قلت في نفسي : " لو أني أستطيع التحدث في هذه القضية وشرح أبعادها لما كنت هنا أستمع إليك كطالب لغة إنجليزية مبتدئ".

 

لا أتذكر كم شهراً قضيت في ذلك المعهد، لكني لم استفد من اللغة بشكل أكاديمي إلا في الجامعة التي سجلت فيها برنامج الدكتوراة  UiTM ، وفي منتصف العام 2010 كنت قد أنهيت كورس  البحث الأكاديمي في الجامعة، و التحقت بكلية الإعلام ، لازلت أتذكر أنني دخلت الكلية لمقابلة المشرفة في أول يوم و في يدي ورقة وحيدة فيها ستة عنوانين مقترحة لأبحاث دكتوراة ، ولأني أتيتقادماً من العمل الصحفي ولست قادماً من عمل أكاديمي سابق كان إختيار موضوع بحث سهل متوفر المراجع وسهل على غرار أبحاث أخرى قد أجريت من قبل شيء صعب بالنسبة لي، فبعد أن أنهيت دراسة الماجستير في العام 2003 من جامعة بغداد عملت محرراً صحفياً في صحيفة الثورة وهي أكبر صحيفة قومية في اليمن، ولذا فكرت بتقديم موضوع له علاقة بالعمل الصحفي، للجمع بين البحث الأكاديمي و المهنية في العمل الصحفي،  كان على رأس قائمة المواضيع الستة التي قدمتها موضوع "دراسة مقارنة بين التحرير الصحفي في الصحافة المطبوعة والصحافة الالكترونية"، لم تقتنع المشرفة الفاضلة البرفيسور حليمة بهذا المقترح ،  لكنها اختارت من ضمن العناوين المقترحة موضوع "الإعلام والإرهاب في اليمن" ترددت على الكلية والمكتبة الجامعية كثيراً وأنا أبحث في الموضوعات والدارسات السابقة أخذ ذلك من الوقت تقريباً نصف سنة دراسية، وبعد أن عدت لزيارة  الأهل اليمن اقتنعت أن موضوع الدراسة صعب لارتباطه بقضايا و أجهزة أمنية واستخباراتية وسأدخل مجالاً أقل ما يقال عنه خطراً في وضع مثل وضع بلدي.

 

 في يناير 2011 عدت إلى شاه علم عاصمة إقليم سيلانجور قادماً من مدينة تعز عاصمة الفقر والبطالة، وفي تلك الأثناء انفجرت ثورة الربيع العربي ووصلت إلى اليمن، اشتعلت الثورة في الفيسبوك قبل أن تندلع على الأرض كنت أحد نشطاء هذه الثورة لأجل التغيير، اقترحت على مشرفتي تغيير موضوع البحث فقبلت بشرط الإنتظار حتى الحصول على دراسات حول الفيسبوك والربيع العربي، ذهبت في البحث و قطعت شوطاً كبيراً - أو هكذا كنت أظن - و مع الأسف كنت مهتماً بالشأن  اليمني العام والسياسي أكثر من الشأن البحثي والأكاديمي .. غيرت المشرفة في منتصف العام 2013، لأسباب يطول شرحها بعد أن عاد السرطان للمشرفة حفظها الله، هذا التغيير  ساعدني على العمل بجد في رسالتي، ثم وجدت صعوبات لاحقة كيف أربط بين النظريات العلمية التي استخدمتها و بين متغيرات البحث ، بمساعدة المشرف داتو بروفيسور  إسماعيل سليمان، تجاوزت الصعوبات و بدأت بنشر أولى أوراقي العلمية و في بداية العام 2015 كنت قد وضعت على مكتب المشرف نسخة مكتملة من البحث نسميها "درفت أولي" ، وبدأت مرحلة التعديلات التي أخذت وقتاً أطول مما توقعت إلى أنهيت هذا البرنامج و الحمدلله في مثل هذا الشهر من العام الماضي و الفضل الكبير لمشرفي داتو بروفيسور إسماعيل سليمان.

 

في ماليزيا حصلت على بيئة جديدة و بدأت تظهر عندي اهتمامات أخرى، تجربة ماليزيا ملهمة، فلماذا لا تكون اليمن مثل ماليزيا؟ نظام فيدرالي و تطور في التعليم والاقتصاد والصناعات والبنية التحتية، كيف نستطيع نقل هذه التجربة إلى اليمن. لكن اليمن كان يترنح بعد ثورة 11 فبرير 2011 وحصل انقلاب في نهاية العام 2014، وبدأت عاصفة الحزم في مارس 2015، تحطمت الكثير من أحلام القروي الذي جاء من "المبيريك" القرية النائية في اليمن البعيد إلى العاصمة كوالالمبور مندهشاً من المساحة الهائلة لهذا المطار،" فهل تتسع كوالالمبور لقروي مثلي؟" هكذا سألت نفسي، سمعت البعض يتحدث أن اليمنيين هم من نقلوا الإسلام إلى ماليزيا قبل خمسمائة سنة!!

 

استغربت من هذا التاريخ المزيف والكاذب، ماليزيا واقعة على طريق الحرير و الإسلام عبر طريق الحرير سنة 21 هجرية إلى كل هذه الشعوب من العالم الشرقي، ربما قبل خمسمائة عام انتقلت طرق التصوف ونسخة اليمن من المذهب الشافعي عبر طريق التجارة القديم إلى ماليزيا عبر موانئ اليمن على البحر العربي حيث كلنت عبارة عن منصات تجارة وانطلاق لليمنيين منها نحو الهند وجنوب شرق آسيا  و ليس الإسلام ذاته، هذه الفرضيات السابقة وغيرها جعلتني أفكر في العام 2017 بإنشاء مركز دراسات "يمنيون" لدراسة العلاقات بين البلدين، أنا كباحث في الدارسات الإنسانية مهتم بدراسة العلاقات الحضارية و الثقافية بين الشعوب  حتى إن تغيرت الدول والحكومات على إمتداد التاريخ تبقى العلاقات بين الشعوب هي الأساس، هذا العمل سيمكن الباحث أياً كان من الحصول على معلومات وافية كافية عن العلاقات بين البلدين.

 

أحب أن أوضح هنا نقطة جوهرية ماليزيا غيرتني إلى جانب كوني صحفياً صرت مهتماً بالشئون السياسية ومحللاً سياسياً ولديَّ حضور في العديد من القنوات الدولية خارج ماليزيا، ولست نادماً على شيء بقدر ما أنا نادم لأني لم اتعلم اللغة الماليزية لأتعرف على ماليزيا من عمق مجتمعها الودود.

 

 عودتي اليوم إلى اليمن شبه مستحيلة لأن الظروف السياسية في اليمن سيئة وأنا الباحث عن سلام في بلدي ولست مع أياً من أطرف الصراع، وكلما أخشاه هو تحوله إلى صراع طائفي  بين الشيعة والسنة، والحقيقة الماثلة في رأسي وفي الواقع اليمني أننا يمنيون لا شيعة ولا سنة، ولهذا كنت في بداية هذا العام 2018  قد أطلقت مع نخبة من الأحرار تياراً يضم أكاديميين وحقوقيين و إعلاميين يمنيين مقيمين في اليمن وفي مختلف أنحاء العالم لأجل إنقاذ اليمن وإحلال السلام فيه، وللأسف أنا اليوم بلا وطن..

 

-------

هذه الحلقة الأولى من يوم "مشمس في كوالالمبور" كنت قد نشرت الحلقة الثانية قبلها، أحتاج إلى وقت أطول لنشر بقية الحلقات بانتظام لكم جمهوري العزيز،

أحب أن أهدي هذا الجهد والنجاح في هذه المرحلة من عمري لأبي علي وأمي فن وأخي محمد وأخواتي الثلاث سماح وفادية وانسجام، وهو أيضاً لزوجتي نسيبة وأولادي علي وفن وهديل وأمين وهند ورغد.

 لكم أحبابي أعزائي صديقاتي وأصدقائي الطيبين، ولليمن قضيتنا الأولى، ولكل من أعرف ومن لا أعرف، لكل أولئك الذين جمعني القدر بهم هنا في ماليزيا وعلى رأسهم علي الحسام وعلي الويناني والدكتور صالح الهياشي ومحمد السامعي ووليد وأمين الحوام وعفيف الشيباني والدكتور محمد عبد الخالق والكثير من الأحباب الذين لا يتسع المجال لذكرهم، ممن لهم علينا الحق..

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى