عبّود.. جسر التواصل بين سبتمبر وأكتوبر

عبّود.. جسر التواصل بين سبتمبر وأكتوبر

لم يكن الصبيُّ الأسمر ذو السنوات العشر يدري وهو يضع قدمه على تراب مدينة عدن أوائل عام 1955م أنه سيصبح أيقونة النضال الوطني في هذه المدينة المنهكة.. كان مبلغ علمه أنَّه أحبَّ هذه المدينة قبل أن يعرفها من حكايات القادمين منها إلى قريته (الجبانة) القابعة هناك على سفح أحد جبال شرعب.. كانت أحاديهم تصورها واحدة من عرائس الأساطير القديمة، فكانت نفس الفتى تتوق إليها، ومراجل الشوقِ إليها تزداد غليانا، مما جعله يعرض فكرة السفر إلى عدن على أبيه غير مرّة.. وما أن وصلها مع أبيه الحاج علي مقبل العزوبي حتى شغفته حبا، وأصبح ملازما لها، لا يقوى على فراقها أياما معدودة.

وفي ظلال هذا الحب ترعرع الفتى مهيوب، ودرس مراحل التعليم النظامي، وتفتّحت مداركه على تململ هذه المدينة الصابرة تحت سيف المستعمر القادم من وراء البحار، وكما تنامى حبه لعدن؛ تنامى لديه السخط لسلطات الاستعمار، وفي إطار حبه لعدن وبغضه للسلطات البريطانية تشكّل وعيه، ليلتحق بحركة الرفض لهذا الاستعمار، وشيئا فشيئا أصبح ثائرا تعرفه شوارع عدن، وأزقّتها أسدا هصورا وفارسا شجاعا، لا يهاب الموت، ولا يخشى رصاص القتلة.

اختار لنفسه اسما حركيا يمكنه من التخفي عن عيون السلطات الإنجليزية، وعُرف بين الثوار بـ(عبّود)، وبدأ هذا الاسم يأخذ شهرته مع تنامي العمليات الفدائية ضد السلطات البريطانية، حتى استطاعت هذه السلطات أن تأسره في لفيف من رفاقه، فتعرّض للتعذيب المبرح، وبترت إحدى أصابعه، ثمَّ أودع زنزانة مظلمة، خرج منها بشرط السفر إلى الشمال، ولمّا لم يكن أمامه ثمة خيار آخر؛ فقد وافق عبّود على ذلك وسافر إلى الشمال، ليلتحق هناك بجيش الثورة الوليد منافحا عن ثورة سبتمبر، ضمن فرق شُكِّلتْ لجمع التبرعات المالية وتعبئة المواطنين والمتطوعين وإرسالهم للالتحاق بالجيش الوطني للدفاع عن الجمهورية.

وفي هذه الفترة التحق بعدد من الدورات العسكرية داخل اليمن وخارجها، لكنَّ حنينه إلى عدن ظل شجنا ملازما، لم يستطع معه إلا العودة إليها متخفّيا، ليعود إلى سابق عهده في النضال، ولتبدأ عملياته الفدائية ضد الاحتلال، في أحياء المعلا وخور مكسر، تمكن خلالها من تنفيذ عدد من العمليات الفدائية الموجعة بدقة متناهية، وحرفية عسكرية عالية، أرّقت سلطات الاستعمار، وجعلت اسم (عبّود) كابوسا مفزعا له.

وفي يوم استشهاده حمل بسيارته عددا من الألغام، وذهب مع رفاقه لتفخيخ ميدان الاتحاد الذي كان يجري إعداده للاحتفال فيه من قبل شخصيات كبيرة من البريطانيين بينهم المندوب السامي مع بعض السلاطين الموالين. إلا أن سلطات الاستعمار اكتشفت الأمر قبيل الاحتفال مما أدى إلى فشل العملية. الأمر الذي دفع عبود ورفاقه إلى فتح النار على مجموعة من الضباط البريطانيين الحاضرين وتكبيدهم خسائر طائلة، وبسرعة البرق اعتلى عبود سطح مسجد النور، ليدير من هناك رحى الموت ضد جنود الاستعمار، فاستعانوا عليه بمروحية قنصته، فسقط شهيدا على سطح المسجد، ثم اختطفت جثته إلى مستشفى الملكة المعروف حاليا بمستشفى الجمهوري، فما كان من نساء عدن إلا أن قمن بمظاهرة كبيرة مطالبة بجثة الشهيد، ليقوم البريطانيون بتسليمها حيث دفن في إحدى مقابر عدن.

لقد مثّل هذا الشهيد نموذجا حيا يؤكد على وحدة اليمن وجودا ومصيرا، ومثله نماذج كثيرة لا يستطيع إنكارها إلا اللاهثون وراء السراب من أصحاب المشاريع التفتيتية الخاصة، التي تتنكّر لكل المعطيات العلمية والموضوعية.

لقد أكّدت كثيرة من مصادر التاريخ هذه الوحدة، والمتأمل في كتاب (السلوك) للجندي، أو كتاب (تاريخ ثغر عدن) لبامخرمة يدرك دون عناء واحدية الوجود والمصير لليمن من أقصاه إلى أقصاه، وأنَّ الذين يريدون اليوم إثبات خلاف ذلك إنما يتنكّرون للتاريخ وللجغرافيا.


| الصحوة نت

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى