هند.. هربت من الموت الاحمر في الحديدة فتلقفها الموت الأسود في عدن

هند.. هربت من الموت الاحمر في الحديدة فتلقفها الموت الأسود في عدن الطفلة هند

ماتت هند اليوم..هربت من الموت الأحمر في الحديدة؛ فتلقّفتها عدنُ موتًا موغلا في السواد..

ماتت هندُ.. سَغِبَةً متعبة.. وعلى جسدها النحيل رسم الرحيل خريطة وطن مثخن بالجوع، مثقل بالخذلان..

ماتت هندُ.. أغمضت عينيها عن رؤية المزيد من مشاهد القبح في وطن يتمّدُد وحشيّة، ويتمطّى بارودا وجوعا..

ماتت كما مات قبلها عشرات المعدمين في اليمن عموما وفي مدينتها الحديدة بوجه خاص والذين كان آخرهم محمد الحقومي الذي عرفته مديريّة الحوك مدرّساً عفيفا متفانياً في واجبه.. فوجدَ في الأمس القريب جثةً هامدة بعد أن سلّمه الجوع إلى الموت مخذولا على قارعة الطريق.

ماتت هند.. ولم تكن بحاجة إلى أكثر من قنينة حليب ساخن، أو كسرة خبز يابسة تسدُّ بها رمقها، بينما تتمدّد موائد المتخمين بما لذَ وطاب من صنوف الطعام، وإلى جانبها تتمدّد ضمائرهم جثثا متعفّنة تفوحُ منها روائح الأنانية واللؤم.

كانت حياة هند صورة من موتٍ مؤجّل يتحين اللحظة المناسبة لا ليعلن عن نفسه، وإنما ليفضح المتقوّلين والمنتفخين كذبا وادّعاء.. وليكشف إلى أيِّ مدى وصلت وحشية الإنسان في بلد كان أبناؤه أرق قلوباً وألين أفئدة.. كذبوا.. وما كذب الحديث، وانتكسوا في مستنقعات الإثراء الحرام على حساب الطيبين كهند والنقيين كهند والشهداء كهند..

خرجت هند من مدينة الحديدة نازحة مفجوعة، تاركة خيمتها الرثّة التي ولدت فيها وحَبَتْ في فنائها وبدأتْ تخطو خطواتها الأولى.. ولقد كان الجوع رفيقها الملازم في كل ذلك.. وحين أضيف الخوفُ إلى الجوع تركتْ هند خيمتها هاربة من موت ينبع من الأرض، ويهوي من الفضاء.. ولقد كانت عدن هي الوجهة التي يمّمت شطرها هند.. فهي المدينة الرحيمة التي مثّلت حضنا دافئا لليمنيين على مدى عقود خلت..

يممت شطرها وفي مخيّلتها أنَّ شلالا من الحب ينتظرها، وأن الزمن سيعتذر لها عن قسوته هناك.. وأنها ستجد بين أهلها الطيبين ما يكفي لأن تعيش معزّزة مكرمة، وأن إخوةَ كراما ينتظرون وصولها ليفتحوا لها أبوابهم، وليمنحوها من عطاياهم الإنسانية ما يبدّد عنها مرارة الغربة وأوجاع النزوح..

رحلت هندُ وكان الجوع رفيقها طول الطريق حتى وصلت مشارف المدينة التي تحلم بها.. فخرجت مجاميع متوحّشة لمنعها من الدخول.. وأغلقت دونها الأبوابُ في سابقة غير إنسانية لا مثيل لها، والمثير في الأمر أنَّ كل ذلك يحدث تحت فضاء دولة واحدة.. تشير على الناس بالنزوح من الحديدة، ثم تغلق في وجوههم أبواب مأمنهم.. فهم إرهابيون.. جاؤوا محتلين.. لا هاربين من جحيم حرب لا تبقي ولا تذر.

ووصلت هندُ إلى عدن.. ولم يكن فيها الهواء ملوّنا كما زعم الشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان، وإنما كان هواء مشحونا بدخان ثقيل طارئ، يديره مرتزقة متكسّبون ظلما مستطيرا على عامة الناس لكن جلّه خصوا به هذه الأسر التهامية السمراء التي أشبعوها خوفا وحصارا، وتفنّنوا في إيذائها بما لا يخطر على بال.

وفي هذا المناخ المسموم ماتت هند.. خلعت خوفها وجوعها، وانطلقت في فضاء الله فكرة حرة تحاكم كلَّ الذين شبعوا وجاع الناس، وأمنوا وخاف الناس، واستقروا وتشتت الناس، وتعافوا ومرض الناس، وأثروا وأُترب الناس.. تحاكم كل الذين أجرموا، وقتلوا وذبحوا.. وكل الذين خذلوا وتناسوا، وتخلّوا عن مسئولياتهم..

لقد أصبح موت هند إدانة صريحة لكل الذين سرقوا الأقوات، ونهبوا الخيرات، وكل الذين أغلقوا المنافذ والنوافذ حتى لا تصل أنوار الحياة إلى البسطاء الطيبين.. وهو قبل ذلك وبعده إدانة لكل من تحمّل ولو ذرة من المسئولية عن هذا الشعب ولم يقم بها..

ماتت هند.. وستموت بعدها هندٌ وهند مالم تقف عجلة الظلم والخذلان.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى