26 سبتمبر.. الفكر والثورة

26 سبتمبر.. الفكر والثورة

يتبوأ الفكر مكانة مهمّة في مسيرة الثورات الإنسانية الناجحة، ذلك أنَّه يعمل على ترشيد الخطى، وتصويبها، والاستفادة من كل المعطيات المعرفية في رسم مساراتها، وتعزيز وجودها في أن تصبح فعلا مستمرا يسعى لتحقيق أهداف مرسومة، لا ردة فعل عفوية لا تلبث أن تخمد وتتلاشى مع تحقيق ما تيسّر من أهداف جزئية وصغيرة.

وفي تاريخ الثورة اليمنية الحديثة حضر الفكر بشكل قوي وفاعل منذ البدايات الأولى التي قادها الرعيل الأول من الثوار كمحمّد المحلوي ومحمد صالح السنيدار وغيرهم ممن تشكّل وعيهم الثوري في سياق ثقافي وفكري أتاح لهم معرفة ما هو كائن، وما الذي ينبغي أن يكون، وما الذي ينبغي عمله لكي يكون ما ينبغي أن يكون.

وبين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون تبلور فكر الثورة وظل يتنامى، ويتجاوز الأطر الفردية إلى فعل جماعي عزّزته قرائح العلماء والأدباء والمثقفين، حتى استوى على سوقه، وصار رقما حقيقيا على الساحة اليمنية لا يمكن تجاهله.

وقد كانت الخطوة الأولى لهذا الفكر الثوري معرفة ما هو كائن، وذلك بقراءة الفكرة التي قامت عليها الإمامة قراءة واعية، والوصول إلى توصيف واضح لها، والوقوف على مبادئها الثلاث التي قامت عليها، والمتمثّلة في فكرة التوريث الإلهي، وحصرية الحكم، والتمايز السلالي، وهي المبادئ التي انعكست استبدادا، وتفرّدا بالقرار، وانحصار الثروة في يد قلة قليلة من الحكام على حساب ملايين الجوعى والفقراء والمرضى وصولا إلى حالة من الموات العام، وفي هذا المناخ المكتوم وجد اليمني نفسه على هامش الحياة مسلوب الإرادة، ناقص الأهلية، مسكونا بهاجس الدونية، يرى في حكامه الظلمة أنصاف آلهة وأبناء نبوة، لا تكتمل الحياة إلا بهم، ولا يصح الدين إلا تحت ظلهم.

ومن هنا كانت اليقظة الفكرية ضرورة ملحّة فرضت نفسها، خاصة بعد وصول عدد من الكتب الفكرية للكواكبي وللأفغاني ولغيرهم من زعماء الإصلاح في العصر الحديث.

وتتمثل الخطوة الثانية في مسيرة الفكر الثوري في اليمن في معرفة ما ينبغي أن يكون.. حيث كشفت المقارنات الواعية بين واقع اليمن وواقع عدد من الدول العربية الحالة المزرية لليمن، كما عزّزت في الذهنية اليمنية فكرة أنَّ الإمامة ليست قدرا محتوما لا يمكن الخروج منه، ولكنّها حالة استبداد قابلة للزوال إذا ما صحى الشعب من سباته، وتطلّع لحياة أفضل.

وقد ساهمت المطبوعات الصحفية التي كانت تصل إلى اليمن على قلتها وكذا العائدون اليمنيون من بلاد شتى أسهموا في التعريف بالقفزات الحضارية التي وصلت إليها عدد من الدول وحُرمت منها اليمن. حتى إذا ما تعزّز ذلك انتقل المسار الفكري للثورة إلى تدشين الخطوة الثالثة والمتمثّلة في معرفة ما الذي ينبغي فعله ليكون ما ينبغي أن يكون، وفي إطار هذه المرحلة بدأت عجلة الثورة الشعبية بالدوران.

وتعزيزا لهذا المسار اتجه الثوار عبر كل الوسائل المتاحة آنذاك إلى نسف تلك المبادئ الثلاث التي قامت عليها الإمامة، فلا الأئمة أنصاف آلهة كما يدّعون، ولا النبوة إرثا خاصا بأحد، كما أنَّ الناس سواسية في المواطنة، لا تمايز لسلالة على أخرى، ولكسر هاجس الدونية سلط الثوار الضوء على عظمة الإنسان اليمني، منشئ الحضارات، وناصر الرسالات، واستفادوا كثيرا من الإشراقات الإنسانية التي يشتمل عليها التاريخ اليمني ابتداء من نشوء الحضارات الإنسانية الأولى، ومرورا بنصرة الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وبقوافل الفاتحين الذين وصلت سنابك خيولهم إلى مشارق الأرض ومغاربها، مؤكدين أنَّ هذه العظمة يمكن أن تعود زاهية كما كانت، وأنَّ الطريق إلى ذلك ممكن رغم صعوبته، وسالك رغم وعورته، وأنَّ اليقظة الواعية ينبغي أن تردفَ بفعل واع، وأن الطريق إلى الحرية واضح المعالم، وإن بدا مخيفا وموحشا.

والمتأمل في أسماء الثوار اليمنيين يجدهم مرتبطين بالفكر والثقافة، فقد كان العزي السنيدار والموشكي والزبيري والنعمان والإرياني والحضراني والشامي وصبرة وغيرهم ممن تضيق هذه العجالة بحصرهم كانوا علماء مفكرين وشعراء وخطباء ومثقفين، وإذا كان كتاب الإمامة وخطرها على وحدة اليمن يمثل نتاجًا ملموسا لهذا الحراك الفكري؛ فإن كتابا آخر في هذا السياق قد سبقه بعقود حيث أصدر الشهيد عبدالله بن علي الحكيمي كتابه دعوة الأحرار في خمسينيات القرن الماضي، كما أنَّ المتفحّص في أدبيات الثورة اليمنية يقف على كمٍّ هائل من المقالات والتناولات الصحفية المطوّلة، والجميل في ذلك أنه لم يكن منحصرا في المطبوعات التي كانت تصدر في مدينة عدن، وإنما كان حاضرا أيضا في عدد من الصحف والمجلات الصادرة في مصر وفي بريطانيا وفي غيرهما، إضافة إلى البرامج الإذاعية وأشهرها تلك التي كانت تبثُّها إذاعة صوت العرب من القاهرة.

وبهذا يتّضح أن الثورة اليمنية لم تكن ردة فعل عابرة، ولكنّها مسيرة تظافر فيها الفكري بالسياسي بالشعبي بالعسكري.. وقبل ذلك بإرادة خلاقة قادرة على الإعلان عن نفسها في كل زمان ومكان.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى