مواسم الهجرة من الملل

مواسم الهجرة من الملل

الهجرة في جوهرها منعطف بين مرحلتين.. مرحلة من توقّد الوعي وتسامي الفكر في محيط مكتوم تعتوره كوابح الانطلاق في مسار الإنسانية إنجازا وإبداعاً حتّى لتصير الدنيا بسعتها أضيق على المرء من ثقب الإبرة.. وحتى ليصير الهجرة خيارا أوحد لا مناصَ منه.. ومجالا لاستعادة المرء لأفقه الإنساني الذي حاول عالم ماقبل الهجرة المظلم أن يسلبه إياه..

ومرحلةٌ يجد فيها الإنسان ذاته يتنفس الحياة، ويساهم في صناعتها، ويمارس رسالته في البناء على أتم وجه، ودون قيود أو كوابح..

وإذا كان البعد المكاني حاضر بقوة في الهجرة، فإنِّ للهجرة أبعادا أخرى على درجة قصوى من الأهميّة تمثل هدف الهجرة والغاية الكبرى منها، ومن هذه الأبعاد البعد الإنساني، المتمثل في بحث الإنسان عن ذاته، والسعي الحثيث في تطويرها، ورفدها بكل الأدوات العصرية التي تمكّنها من الانطلاق في صناعة الأثر الطيب، ثم استثمار هذه الذات بإمكاناتها المتاحة في رفد الإنسانية بما يسرُّ ويبهج من صنوف المبرات وضروب المكارم.

وإذا كانت هجرة الرسول عليه أزكى الصلاة وأفضل التسليم قد مثلت الأنموذج الأكثر إشراقا في هذا السياق؛ فإنَّ الكثير من المتميّزين على مدى المسيرة الإنسانية، قد هاجروا.. وبحثوا عن ذواتهم الغائبة حتى وجدوها.. ثم راحوا يرمّمون بالوعي النبيل والفكر الجميل ما تناثر من وجه العالم حولهم.. هاجروا وما برحوا أماكنهم.. لكنَّ هجراتهم انعكست على الواقع الإنساني خيرا وحقا وجمالا.. فقد هاجر عمر بن الخطاب من سراديب القسوة المتجبرة والجحود الأرعن إلى حالة الرحمة الوادعة والإيمان المطلق.. وهاجر بلال بن رباح من حالة العبودية للأصنام الحجرية والبشرية إلى حالة الحرية مع الله وفي الله ولله.. وهاجر الفضيل بن عياض من حالة الموات القلبي إلى حالة من الفعالية المطلقة فكان ما صار إليه من تميز وتفرّد وجمال.. وهاجر فلان.. وعلان.. ولا تزال مسيرة الهجرة تتّسع لكل راغب، وقافلتها تحثُّ السير صعدا نحو السماء.. ولن تتوقف حتى يرث الله الأرض ومن عليها..

ومما ينبغي أن نلتفت إليه جماعات ووحدانا هو أن ذكرى الهجرة النبوية ليست مناسبة احتفاء عابرة، ولكنّها دعوة اكتمال باقية.. وينبغي على الجميع الاستجابة إليها بالانتقال من حالة اليباس الإنساني العام الذي أصاب مجتمعاتنا بمقتل إلى مرحلة الإزهار والإثمار تحقيقا لرسالة الإنسانية التي حملها الأنبياء وورثوها لأتباعهم من حملة الحقيقة في كل زمان ومكان..

لا بد من البحث في إطار هجرة الأمة عن الذات الجمعية بجمع الأشتات المتناثرة حول هدف نبيل واحد، يجعل الكيان رقما صعبا، ويجعل الأفق أكثر رحابة، ويجعل من اختلاف أبنائها إثراء وتنوعا وابتعاد عن النمطية والرتابة، وإعطاء فرصة أكبر للعقل الإنساني بمتاحاته العظيمة في الإسهام بصناعة الحياة على نحو يحترم التعايش، ويقدّر الاختلاف، ويقدّس الحوار، ويجرّم القتل والتخوين، ويجعل من رفاهية الإنسان ونبله وتكريمه غايةً دونها كل الغايات..

لقد وصل إنسان اليوم إلى حالةٍ يرثى لها.. طحنته الأحداث.. وألجمته المظالم.. وأفقدته النوازل بوصلة  السير في الاتجاه الصحيح.. فصارت الهجرة من هذه الحالة المزرية ضرورة إنسانية ملحّة.. تبدأ من الفرد.. ثم تنتظم في إطار المجتمع فعلا إنسانيا واضح المعالم محدّد الأهداف..

ليست الهجرة ورقة في التقويم السنوي.. ولكنّها إرادة خلاقة في التغيير.. التغيير نحو الأفضل.. نحو أن يكون الإنسان وعاء للتكريم الإلهي.. وطريقا للرقي الإنساني.. و نحو أن يجد الإنسان ذاته المسئولة بعد أن شرّقت به الأوهام وغرّبت في دروب الضياع والتيه.. وبعد أن نأى منكفئا إلى زاوية من النكوص والعزلة منتظرا بملل كبير موتا مملا ليضع له حدا لحياة أكثر مللا.

اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى