من قتل هارون؟

من قتل هارون؟ هارون

منذ بضع سنواتٍ عرف الناس هارون التميمي .. أنشودةٌ صوفية صافية.. صدح بها فتى يافع.. ومزجها بتلقائيته وعفويته.. كان لها أن تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي مبشّرة بقدوم صوت جميل إلى عالم الإنشاد..

كانت الأنشودة تتغنّى بمعرفة الله كشرط أساسٍ في صلاح الحياة الدنيا قبل صلاح الآخرة.. وفي صلاح الذات قبل صلاح المجتمع.. وكانت البساطة هي الملمح الأبرز لهذه الأنشودة كلماتٍ ولحنًا وأداءً.. ومن هنا فقد وجدت طريقها ممهدا إلى قلوب الناس فتناقلتها منصات التواصل الاجتماعي كنموذج لرسالة صادقة خالية من كل الديكورات الخادعة والألوان البراقة لكنّها ممتلئة صدقًا.. والصدق وحده سرُّ البقاء..

أعترف أنني لم أسمع لهارون أنشودةً أخرى غير (سُعَيدهْ مَن عَرفْ ربّي).. وكنت أظنُّ أن تلك الأنشودة هي لحظة عابرة في حياة الفتى هارون صمت بعدها منشغلا باليومي والعابر من متطلبات الحياة على حساب موهبته مثله في ذلك مثل آلاف المبدعين في البلد المذبوح الذين جفّت سواقي إبداعهم بين صخور الحرب المجرمة وأشواك الإهمال القاتل..

هكذا كنت أظنُّ.. لكنَّ حياة هارون كانت تسير على طريقٍ خصب من التوفيق والإبداع الفني.. التوفيق في تخرجه من الثانوية العامة، والتحاقه بكلية الهندسة في جامعة إفريقيا العالمية في السودان، والإبداع الفني في مواصلة الإنشاد وإتحاف متابعيه بأناشيد أخرى لا تقل روعة عن أنشودة البداية إن لم تكن أجمل منها بفعل تطور الخبرة ونضوج الصوت والحس الفني.. ولقد صار ذلك الفتي اليافع شابًا أنيقًا يرتدي رابطة العنق ويهتم بهندامه مواكبا في ذلك اتساع رسالته الفنية  التي تفرض عليه أن يقدّم نفسه لجمهوره بصورة أكثر ترتيبا.. فلقد مضت فترة العفوية والتلقائية.

كان الفتى القروي يحلم  بالمزيد من التوفيق.. على المستويين العلمي والفني.. وكان ذهنه الوقاد مزدحما بمشاريع حياتية وفنية يكمل بها رسم معالم شخصيته.. مؤمنًا حدَّ اليقين أنَّ مستقبلا باسمًا ينتظره.. حتى وإن قال الواقع خلاف ذلك..

ولقد صدق الواقع.. وخابت ظنون الفتى الحالم.. فانطلقت رصاصة طائشة لتضع حدا لهذا الطموح ولتلك الأحلام..

لقد قُتل هارون.. قتل وهو لا يدري لماذا قُتل.. لأن منعه للغش في لجنة امتحانية في بلده ليس جريمة عقوبتها القتل، ولا خطيئة تستوجب هذا الإمعان القاسي في تشويه الحياة.. ولأنَّ منطقته منطقة مسالمة بعيدة عن ثقافة القتل.. لكنَّ منطق الواقعة يقول أنه قتل.. وبدم بارد.. وبسبب لا يصدقه عقل.. مسجلا بذلك حادثة قتل صادمة.. ضمن عشرات الحوادث المشابهة التي تقع هنا وهناك في المجتمع اليمني.. والتي كان من ضمنها مقتل الفنان جلال السعيدي في الضالع لسبب يكاد لا يذكر.. والصادم في الأمر أنَّ مقتل السعيدي والتميمي كان في منطقتين يفترض أنهما ضمن المناطق المحررة، والتي تقع مسئولية ضبطها على سلطات الشرعية.

ومثل هذه الحوادث تضعنا أمام سؤالٍ كبير كبير.. ما الذي طرأ في حياة الناس لينطلقوا في سفك الدم الحرام بهذه الجرأة العجيبة؟ أهي الحرب ونواتجها التعيسة؟ أم هو الوضع البائس الذي غيّر نفسيات الناس وسلوكياتهم؟ أم هو غياب أجهزة الضبط مما جعل الجناة يأمنون العقاب؟ أم هو ضعف الوازع الديني؟ أم هو كلُّ ذلك؟

وكيفما كانت الإجابة فإنَّ مسئولية الشرعية واقعة تحت هذه الوقائع.. فهي التي تساهلت في تطبيع الحياة في المناطق المحررة وكرّست فيها أجواء الحرب حتى يوم الناس هذا.. وهي التي أوقفت مرتبات الموظفين مما أثر على الوضع المالي ككل.. وهي التي تساهلت حد التغاضي في ترتيب الأمن والأمان في حياة الناس.. وهي التي لم تنتبه إلى خمود الوعظ والإرشاد الديني الذي كان يفترض أن يزيد نشاطاً في أجواء الحرب بهدف الحفاظ على التعايش وتجريم القتل خارج القانون.. وهي.. وهي..

في حادثة التميمي لا تُلام الشرعية على ما يدور في المراكز الامتحانية من حملات ممنهجة للغش، وإن كان ذلك جريمة تسقط حكومات في الأوضاع الطبيعية.. لكنّها ملومة على التساهل في حياة الناس، وترك القتلة يسرحون ويمرحون.. وكأن شيئا لم يكن.

لقد أصبح القتل ظاهرة تتكرّر على مدى الأسبوع والشهر إن لم تكن شأنا يوميا ولأتفه الأسباب وهنا ينبغي أن تقوم الشرعية بدور ضابط وحازم وأنْ لا تترك الحبل على الغارب، فتلك دماء لا تجف، وهي إن لم تجد القصاص العادل بوابة خطيرة لنار الثارات التي يصعب إخمادها فيما بعد، وتجعل المجتمع يعيش أجواء حرب ضروسٍ غير معلنة يذهب ضحيتها خيرة أفراد المجتمع، وعندها لن ينفع عذ أصابع الندم، وستجد الشرعية نفسها مسئولة أمام الله وأمام الناس... فهل من معتبر

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى